تصنیف البحث: اقتصاد
من صفحة: 26
إلى صفحة: 47
البحث بصيغة pdf: PDF icon 180419-134917.pdf
البحث:

المقدمة:-

مرَّ العراق خلال العقود الأخيرة بتطورات سياسية مهمة تركت آثارها على مناحي الحياة المختلفة، ومن ضمنها الجانب الاقتصادي، إذ شهد الاقتصاد العراقي تذبذباً في العديد من المتغيرات الاقتصادية تبعاً للواقع السياسي والظروف المحيطة. وعلى الرغم من كل هذه التطورات والتباين في اتجاهات السياسة الاقتصادية وفي استخدام أدواتها، إلا أن القاسم المشترك خلال السنين الماضية كان هو التضخم. إذ شهد العراق ارتفاعاً في المستوى العام للأسعار طوال عقد التسعينيات من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي وكان من نوع التضخم الزاحف الذي اتسم باستمراريته على مدار هذه المدة.

من هنا جاءت أهمية البحث الحالي، إذ حاول الباحثان التصدي لدراسة هذه الظاهرة للوقوف على أسبابها ومدياتها وأبرز انعكاساتها على الاقتصاد العراقي.

انطلق البحث من الفرضيتين الأساسيتين الآتيتين:-

  1. التمادي في إصدار العملة بوصفه عاملاً أساسياً في التضخم النقدي.
  2. ضخامة الموازنة التشغيلية في العراق وبخاصة فقرة الرواتب والأجور لمنتسبي الدولة والقطاع العام بكل ما يولده من زيادة في الطلب الكلي، مقابل تدني الجهاز الإنتاجي وضعف كفاءته.

شمل البحث ستة مباحث وعلى النحو الآتي:-

المبحث الأول:- مفهوم التضخم

المبحث الثاني:- التضخم في النظرية الاقتصادية

المبحث الثالث:- طرق قياس التضخم

المبحث الرابع:- قياس مستوى التضخم النقدي في العراق

المبحث الخامس:- الانعكاسات الاقتصادية لظاهرة التضخم النقدي في العراق

المبحث السادس:- الاستنتاجات والتوصيات

المبحث الأول:- مفهوم التضخم:-

اختلفت المدارس الاقتصادية في تحديد مفهوم التضخم (Inflation)، ويعود السبب في ذلك إلى أن نظرية التضخم مرّت بتطورات عديدة تبعا لتطور الفكر الاقتصادي. لذلك يلاحظ وجود تعاريف متباينة للتضخم انسجاما مع اختلاف النظريات وتعددها.

     وقبل الخوض في تفاصيل أبرز النظريات التي بحثت ظاهرة التضخم، يمكن القول،عموما، أن التضخم هو تعبير عن حالة الارتفاع المستمر في الأسعار، ونتيجة لذلك فإن الوجه الآخر له يتمثل بالانخفاض المستمر في القدرة الشرائية لوحدة النقد.

     ويعكس التضخم حالات اختلال التوازن الاقتصادي في أسواق السلع والخدمات وعوامل الإنتاج، وبشكل عام فإن التضخم ناجم عن حالات عدم التوازن بين التدفقات النقدية وتدفقات السلع والخدمات في السوق، إذ تكون الزيادة في التدفقات النقدية بوتيرة أعلى من الزيادة في التدفقات السلعية والخدمية، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور حالة التضخم في الاقتصاد المعني، بل وتحويلها إلى ظاهرة يعاني منها ذلك الاقتصاد بديمومة ارتفاع العرض النقدي في التداول بالمقارنة مع العرض السلعي في السوق.

     ويمكن تعريف التضخم انطلاقا من أسبابه أو من آثاره. فمن خلال أسبابه يمكن تعريف التضخم بوصفه ظاهرة نقدية: بأنه عبارة عن زيادة في كمية النقود تؤدي إلى ارتفاع في الأسعار. سواء برزت تلك الزيادة من خلال عرض النقود (الإصدار النقدي أو التوسع في خلق الائتمان) أم من خلال الطلب على النقود (الإنفاق النقدي). وواضح مدى تعبير هذا التعريف عن آراء المؤيدين للنظرية الكمية للنقود، التي ترى في كمية النقد المتغير الرئيس المحدد للمستوى العام للأسعار، مع افتراض ثبات العناصر الأخرى على الأقل في الأجل القصير([1]).

     كما يمكن تعريف التضخم من خلال آثاره بوصفه ظاهرة سلعية: فحينما يبرز اتجاها مستمرا ومؤكدا نحو تصاعد الأسعار، يمكن الاستنتاج بأننا نواجه حالة توصف بكونها تضخمية. وعلى النقيض من ذلك عندما يكون اتجاه الأسعار نحو الانخفاض الدائم والمستمر، يمكن القول إننا أمام حالة توصف بأنها انكماشية. فالتضخم من هذا المنطلق يعني حركة دائمة يرتفع من خلالها المستوى العام للأسعار، بغض النظر عن سبب هذا الارتفاع، سواء أكان زيادة كمية النقود أم اختلال التوازن بين التيار النقدي وتيار السلع والخدمات أم غير ذلك من الأسباب ([2]).

المبحث الثاني:- التضخم في النظرية الاقتصادية:-

     تمخض عن الفكر الاقتصادي العديد من النظريات التي فسّرت ظاهرة التضخم، ويمكن تناولها بإيجاز على النحو الآتي:-

أولا: نظرية كمية النقود:-

     أقام الكلاسيك علاقة طردية بين عرض النقد (Ms) ومستوى الأسعار (P) وعلاقة عكسية بين عرض النقد وقيمة النقود أي مقلوب المستوى العام للأسعار  

. واستندوا في ذلك إلى معادلة التبادل:-

Ms V = P Y

حيث أن:

Ms  عرض النقد بمعناه الضيق ( النقود القانونية بشكلها الورقي والمعدني + الودائع الجارية )

V   سرعة تداول ( أو دوران ) النقود

P  مستوى الأسعار للناتج الكلي

Y  الناتج الكلي الحقيقي

     والملاحظ إن هذه المعادلة هي عبارة عن متطابقة أو بديهية والسبب في ذلك لأن الجزء الأيسر من المعادلة (Ms V) يشير إلى الطلب الكلي النقدي ويعبر عن المدفوعات النقدية، أما الجانب الأيمن (P Y) فيعبّر عن قيمة الإنتاج الكلي أو المقبوضات النقدية، وهذا يعني أن ما يدفع من نقد يقابله بالضرورة قيمة نقدية ممثلة بالناتج ([3]).

     أما عن كيفية تحويل هذه البديهية إلى نظرية مفسّرة لتغيرات المستوى العام للأسعار، فينطلق الكلاسيك ابتداءً من الافتراضين الآتيين:-

< >تتسم سرعة تداول النقود في الاقتصاد القومي بالثبات، وذلك لأنها مرتبطة بعوامل محددة غير قابلة للتغيّر في المدة القصيرة كالعادات الاستهلاكية والانفاقية.

يفترض الكلاسيك وجود حالة الاستخدام الكامل، وهو ما يعني أن الناتج الكلي الحقيقي هو عند أعلى مستوى له، منطلقين من أن الموارد الإنتاجية المتاحة في الاقتصاد مستغلة بصورة تامة أي موظفة توظيفا كاملا. وانطلاقا من هذين الافتراضين يمكن كتابة معادلة التبادل أعلاه على النحو الآتي:-

 

Ms  

  =  P  

     وعليه يصبح:-

P = F (Ms)

من هنا يرى أنصار المدرسة الكلاسيكية أن أي تغيّر في عرض النقد يؤدي إلى تغير مناظِر (وبالنسبة نفسها) في المستوى العام للأسعار، بمعنى أن زيادة كمية النقود وإطلاقها في التداول عن طريق الإنفاق الحكومي، مدعاة إلى ارتفاع مستوى الأسعار أي انخفاض قيمة النقود، لأن الطرف الأيمن من معادلة التبادل (P Y) يجب أن يزداد مع زيادة الطرف الأيسر (Ms V) بالنسبة والاتجاه ذاتيهما. وهذه الحالة هي التي تكوّن التضخم النقدي الذي يعني زيادة في كمية النقود دون أن يقابلها ارتفاع في الناتج من السلع المتدفقة إلى الأسواق.

ثانيا: التضخم من وجهة النظر الكينزية:-

     لجأ جون ماينرد كينز، عند دراسته لظاهرة التضخم، إلى منهجه الكلي في التحليل، وعلى النقيض من الكلاسيك الذين استندوا إلى النظرية الكمية للنقود في تفسير الارتفاع العام في الأسعار بالعلاقة المباشرة بين عرض النقد ومستوى الأسعار (بافتراض ثبات سرعة تداول النقود ومستوى الناتج الكلي الحقيقي)، يلاحظ لجوء كينز إلى دراسة تقلبات العرض الكلي والطلب الكلي في تفسير مشكلة التضخم. فهو يرى أن التضخم يتمثل بزيادة في مستوى الطلب الكلي المكون من الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي على مستوى العرض الحقيقي زيادة محسوسة ومتواصلة، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث سلسلة من الارتفاعات المفاجئة والمستمرة في المستوى العام للأسعار.

     وفي هذا الصدد ميّز كينز بين حالتين:-

الأولى:- حالة الاقتصاد القومي قبل وصوله مستوى الاستخدام الكامل:

     فعند هذه الحالة يكون جزءً من الموارد الإنتاجية عاطلاً وتتوافر طاقات إنتاجية غير مستغلة، وحينما تحصل زيادة في الطلب الفعال بوساطة تصاعد الإنفاق النقدي (عرض النقد) فإن الاقتصاد يتمكن من الاستجابة لهذه الزيادة من خلال تحقيق زيادة مماثلة في مستوى الناتج ومن ثم الدخل وذلك عن طريق سعر الفائدة.

     إذاً فالتأثير الأولي والأساس للتغير في كمية النقود على مقدار الطلب الفعال لا يكون مباشراً، إنما من خلال تأثيره على سعر الفائدة، وبالتفاعل مع العناصر الثلاثة (تفضيل السيولة، الكفاية الحدية لرأس المال، مضاعف الاستثمار) يتحدد المقدار الكمي للتأثير ([4]). فأسعار الفائدة تنخفض نتيجة لزيادة كمية النقود وعند المقارنة بين أسعار الفائدة (المنخفضة) والكفاية الحدية لرأس المال تحصل زيادة في الاستثمار، وبفعل دور مضاعف الاستثمار يستمر الناتج (أو الدخل) بالارتفاع، الأمر الذي يعني زيادة الطلب على عناصر الإنتاج، ولكن طالما وجدت عناصر غير مستغلة فإن ارتفاع الطلب عليها سوف لا تتمخض عنه زيادات محسوسة في أسعارها، بسبب إمكانية زيادة الإنتاج بالنسبة نفسها للزيادة في الإنفاق النقدي. ومع ذلك، يرى كينز، أن تنامي الطلب على الموارد ممكن أن يرفع أسعارها حتى قبل بلوغ حالة الاستخدام الكامل، ويعبّر عن هذا النوع من التضخم أسم (التضخم الجزئي).

ويعلل كينز هذا النوع من التضخم بأنه يحدث للأسباب الآتية ([5]):-

< >ظهور اختناقات ناجمة عن نقص في بعض عناصر الإنتاج لقطاعات معينة مما يعمل على ارتفاع أسعاره.

ممارسة الضغوط من النقابات العمالية، وبما يؤدي إلى ارتفاع مستوى الأجور بشكل لا يتناسب مع الزيادة المتوقعة في الإنتاجية.

وجود ميول احتكارية في بعض فروع الاقتصاد القومي.ويرى كينز التضخم الجزئي حافزاً على زيادة الإنتاج، ويعد حدوثه أمرا طبيعيا ومرغوبا في هذه الحالة بالنظر لما يتوقع من أرباح للمنظمين، وقد تخلق السلطات النقدية هذا النوع من التضخم في أوقات الكساد، بهدف تحقيق قدر أكبر من الاستخدام.

 

الثانية:- الاقتصاد القومي عند مستوى الاستخدام الكامل:

     حينما يكون الاقتصاد القومي في حالة الاستخدام الكامل للموارد الاقتصادية وتكون الطاقات الإنتاجية مستغلة بصورة تامة، وبافتراض تنامي الزيادة في الطلب الكلي الفعال، فإن العرض الكلي سوف لا يتمكن من الاستجابة للطلب الكلي المتزايد، حيث تكون مرونة هذا العرض بلغت الصفر عند نقطة الاستخدام الكامل، وبذلك فإن كل زيادة في الإنفاق النقدي التي تحفز الطلب سوف تنعكس بشكل ارتفاع في مستوى الأسعار أي ظهور التضخم ويرى كينز في هذا الصدد، أنه حينما يتم الوصول إلى مستوى الاستخدام الكامل، فإن أية محاولة لزيادة الاستثمار ومن ثم الطلب بصورة أكثر، سوف تؤدي بالأسعار إلى الارتفاع اللامحدود، مهما يكن الميل الحدي للاستهلاك، وبالتالي الوصول إلى حالة تضخم حقيقي ([6]).

     ومع ذلك من المهم التأكيد على أن كينز يعتقد، أنه ليس من الضروري أن تؤدي زيادة كمية النقود (بعد الوصول إلى حالة الاستخدام الكامل) إلى ارتفاع في المستوى العام للأسعار، إذ قد يصاحب الزيادة في كمية النقود زيادة مناظرة في ميل الأفراد للاكتناز بحيث لا يترتب على ذلك ارتفاع في مستوى الطلب الفعال. فالنقود ليست العنصر الحاسم في تقرير المستوى العام للأسعار ومن ثم معدلات التضخم وإنما الزيادة المضطردة والمتواصلة في مستوى الطلب الكلي بالمقارنة مع قلة العرض هو الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار([7]).

ثالثا:- نظرية العلاقة بين الادخار والاستثمار (نظرية المدرسة السويدية):

     تُميّز مدرسة الفكر السويدي بين الكميات المتحققة X-Post وبين الكميات المتوقعة X-Ant للمتغيرات الاقتصادية الكلية، فالادخار المتحقق يعادل الاستثمار المتحقق، وتشير كلمة متحقق إلى نتائج القرارات الماضية للجماعة فيما يتعلق بالدخل والاستهلاك والادخار والاستثمار، في حين تشير كلمة متوقع إلى المتغيرات أعلاه المستهدفة، ولا يوجد لدى أنصار المدرسة السويدية من الأسباب ما يحملهم على الاعتقاد بتعادل الاستثمار والادخار المتوقعين، إذ قد يختلفان نتيجة الائتمان المصرفي أو الأرصدة العاطلة، ولكن الادخار والاستثمار والدخل المستهدفة كلها قادرة بالتأكيد على أن تختلف عن مثيلتها المتحققة.

     إذاً أعطت هذه المدرسة أهمية خاصة للتوقعات (Expectation) في التحليل النقدي للتضخم، إذ ترى أن العلاقة بين الطلب الكلي والعرض الكلي لا تتوقف على مستوى الدخل فقط، كما ترى المدرسة الكينزية، إنما أيضا على خطط الإنتاج القومي. أو بعبارة أخرى تتوقف على العلاقة بين خطط الاستثمار وخطط الادخار، وعليه لا توجد أسباب تدعو إلى الافتراض بأن الاستثمار المتوقع يساوي الادخار المتحقق، إلا في حالة التوازن، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الأفراد متخذي قرارات الاستثمار تحددهم حوافز ودوافع ورغبات تختلف عن تلك التي تدفع الأفراد للقيام بالادخار. وتأسيسا على ذلك يؤدي عدم التساوي بين الاستثمار المتوقع والادخار المتوقع إلى تقلب في مستوى الأسعار، فإذا زاد الاستثمار المتوقع عن الادخار المتوقع، فإن ذلك يعني أن الطلب أكبر من العرض وهذا يؤدي بدوره إلى ارتفاع مستوى الأسعار، وعندما ترتفع الأسعار يحقق المنتجون في هذه الحالة بعض الدخول غير المتوقعة بسبب تفوق خطط الشراء على خطط الإنتاج ليس فقط في أسواق السلع بل كذلك في أسواق عوامل الإنتاج ([8]).

رابعا:- نظرية تضخم التكاليف:

على أثر منحنى (Phillips) ([9]) الشهير، الذي مثل الإطار النظري للمقايضة بين البطالة والتضخم (والذي ظهر لأول مرة عام 1954 في بحثه الموسوم سياسة الاستقرار في اقتصاد مغلق)، تمكن اقتصاديان في الستينيات من القرن الماضي وهم (R.Lipsey) &(R.Solow) أن يقيما علاقة تقوم على أساس الربط بين ثلاثة متغيرات هي معدل البطالة ومعدل التغيّر في الأجور النقدية ومعدل التغيّر في مستوى الأسعار المحلية (معدل التضخم). واستندا في دراستهما إلى نقطة مركزية هي أن الأجور ليست فقط قوة شرائية أو دخل بالنسبة للعامل، كما بينت النظرية الكينزية، إنما هي أيضا تعد كلفة بالنسبة لرب العمل، وإن التغيّر في الأجور النقدية سوف ينعكس بالتأكيد على هذه الكلفة ومن ثم على مستوى الأسعار، بعد الأخذ بالاعتبار مستوى الإنتاجية لعنصر العمل.

ويمكن توضيح العلاقة المشار إليها أعلاه على النحو الآتي: كلما كان معدل البطالة منخفضا (أي ارتفاع معدل الاستخدام) واشتداد أسواق العمل كانت الظروف مهيأة للعمال من أجل الضغط باتجاه رفع مستوى الأجر، وعند حصول تغيّر في معدل الأجور النقدية باتجاه الأعلى(وبافتراض ثبات مستوى الإنتاج)، فإن ذلك لا بد وأن ينعكس على مستوى الأسعار المحلية باتجاه الأعلى أيضا، بمعنى أن نظرية تضخم التكاليف ترتكز على نقطة جوهرية تتمثل في أن التغيّر في الأجور النقدية يعد سببا مهما في زيادة التكاليف وارتفاع الأسعار، لكن هذا الأمر يبقى ناقصا من الناحية النظرية والعملية ما لم يجر ربط تلك المتغيرات بمستوى إنتاجية العمل. أي أنه ليس كل تغيّر في معدل الأجر النقدي يصب بالضرورة باتجاه زيادة حدة التضخم، إذ قد تقترن زيادة الأجور النقدية بمعدلات موازية في مستوى الإنتاجية، ومن ثم يصبح بالإمكان ضمان المحافظة على مستوى التكاليف وبالتالي الأسعار، ولن يكون معدل التغيّر في الأجر النقدي عاملا أساسيا في ظهور التضخم، إلا إذا كان هذا المعدل يفوق في معدله مستوى نمو إنتاجية العمل.

وتجدر الإشارة إلى أن نظرية تضخم التكاليف تشير إلى أن مصادر هذا النوع من التضخم يمكن أن تكون على النحو الآتي:-

المصدر الأول:- تغيرات معدلات الأجور النقدية:

     هذه التغيرات يمكن أن تنشأ عن عوامل عديدة أهمها ما يأتي ([10]):-

< >إذا حصلت زيادات ملموسة أو مهمة في معدلات الأجور النقدية في بعض القطاعات الإنتاجية التي تتسم فيها الإنتاجية بالارتفاع، فإن النقابات العمالية في القطاعات الأخرى التي يكون فيها مستوى الإنتاجية قريب أو أقل من تلك السائدة في القطاعات الأولى يكون بإمكانها وبدافع العدوى أو التقليد المطالبة بزيادات في الأجور لعمالها ومن ثم إمكانية انعكاس هذه الزيادة على مستوى التكاليف فالأسعار، بخاصة إذا كانت معدلات التغيّر في الأجور النقدية في القطاعات الثانية أشد أو أعلى نسبيا من مستوى إنتاجية العمل فيها.

يمكن حصول زيادات مهمة في أجور العمال إذا أقدمت الحكومة على رفع ما يعرف بالحد الأدنى للأجر دون مراعاة لمستوى إنتاجية العمل.

إذا وجدت نقابات العمال أن معدلات الأرباح لرجال الأعمال بلغت مستويات عالية بالنسبة للدخل القومي وإن هذا الأمر أدى إلى تراجع الأهمية النسبية للأجور في الدخل القومي، فإن مثل هذا الوضع يمكن أن يكون حافزاً للمطالبة بزيادة الأجور، فإذا كانت هذه الأخيرة أيضا أعلى من مستوى الإنتاجية في القطاعات التي تتولد منها كان هذا عاملاً مساعداً في زيادة معدل التضخم.

إذا كان هنالك فائضا في الطلب على العمل مقارنة بعرض العمل فإن ذلك يشكل أيضا عاملا مساعدا للمطالبة بزيادة الأجور.المصدر الثاني:- قد ينشأ تضخم الكلفة أيضا نتيجة تضافر عاملين أساسيين:-

 

العامل الأول:- وجود درجة عالية من الانفتاح الاقتصادي للبلد إزاء السوق العالمية، ويستخدم الاقتصاديون للكشف عن درجة الانفتاح على العالم الخارجي مؤشر نسبة التجارة الخارجية إلى الناتج القومي أي:-

 

 × 100

فكلما كانت درجة الانفتاح أو النسبة المستخرجة من هذه الصيغة عالية دل ذلك على أن البلد له صلات تبعية وثيقة بالعالم الخارجي.

العامل الثاني:- مستوى التضخم في العالم الخارجي، فكلما كان هذا الأخير مرتفعا وكان البلد في الوقت ذاته يواجه درجة انفتاح عالية يتوقع في مثل هذه الحالة أن تتسرب الزيادات في أسعار السلع والخدمات الأجنبية إلى داخل البلد ومن خلال التجارة الخارجية تلبية للاحتياجات الاستهلاكية والاستثمارية.

المصدر الثالث:- فد يتولد تضخم الكلفة كذلك، بفعل انتهاج الحكومة سياسة تخفيض العملة، فكما هو معلوم أن التخفيض يعني دفع وحدات أكبر من العملة الوطنية إزاء العملة الأجنبية أو القيادية، مما يقود إلى تحمّل المستورد الوطني (المحلي) أعباء إضافية نتيجة هذا التخفيض بمعنى عليه بعد التخفيض أن يدفع وحدات نقدية أكبر من السابق للحصول على الكمية نفسها من السلع والخدمات من العالم الخارجي، الأمر الذي يتمخض عنه تحمل المستورد أعباءً ماليةً أعلى، وهذه الأعباء بالتأكيد سوف تنعكس على مستوى الأسعار الداخلية في البلد سواء من خلال استيراد السلع الاستهلاكية أم السلع الرأسمالية ([11]).

المبحث الثالث:- طرق قياس التضخم:

     هناك العديد من الطرق التي تستخدم في قياس التضخم لعل من أبرزها ما يأتي:-

أولا:- طريقة الفجوات التضخمية ([12]):

     وهي طريقة متأثرة بالتحليل الكينزي، وتقوم على أساس تقدير الفروق بين حجم السلع والخدمات المنتجة في الاقتصاد، وبين القوة الشرائية المتاحة في أيدي المستهلكين، وتعالج هذه الفروق من خلال علاقات الطلب الكلي أو الإنفاق. وتتمثل بالفرق بين فائض الطلب الكلي النقدي أو الإنفاق القومي (مقدرا بالأسعار الجارية) وبين حجم الناتج القومي الحقيقي GNP  (بالأسعار الثابتة). أو الناتج المحلي الإجمالي GDP بالأسعار الثابتة.

أي أن الفجوة التضخمية (Inflationary Gap) = Y – N

حيث أن الإنفاق النقدي الكلي يعادل:-

Y = C + G + I + X – M

وتعني:-

Y : الإنفاق الكلي أو الدخل القومي

N: الدخل الحقيقي أو الناتج القومي الحقيقي

C: الإنفاق الاستهلاكي

G: الإنفاق الحكومي

I : الإنفاق الاستثماري

X: الصادرات

M: الاستيرادات

وبربط فجوة التضخم (فجوة فائض الطلب) بتطورات الأسعار يمكن الوقوف على مدى تأثير هذه الفجوة على مستوى الأسعار المحلية. ومن الواضح أنه كلما اتسعت هذه الفجوة كلما شكلت ضغطا متزايدا على العرض الحقيقي للسلع والخدمات وبالتالي اختلالا نقديا أشد الأمر الذي يولد ارتفاعا أكبر في مستوى الأسعار.

ثانيا:- طريقة فائض المعروض النقدي:

     وهي الطريقة التي يعتمدها صندوق النقد الدولي ( والمستمدة من التحليل الحديث لمدرسة شيكاغو أو ما يعرف بالتحليل النقودي (Monetarism وهي عبارة عن الفرق بين التغيّر في عرض النقود (السيولة) وبين التغير في الطلب على النقود ( أي حجم ما يرغب الأفراد الاحتفاظ به من دخل بصورة نقود ) – عند أسعار ثابتة – وذلك خلال مدة زمنية معينة.

فإذا كان:-

Ms∆     التغيّر في عرض النقود

 

 الطلب على النقود ( مقلوب سرعة التداول الداخلية للنقود )

Y           الناتج القومي الإجمالي

 Y ∆       التغيّر في الناتج القومي الإجمالي.

فإن الفجوة التضخمية ([13]):-

∆Ms –  

  × ∆Y

وبعبارة أخرى فإذا زاد معدل التغيّر في كمية وسائل الدفع   

 عن معدل التغيّر في الناتج القومي الإجمالي الحقيقي  

 كان ذلك دليلا على وجود ضغوط تضخمية. أما إذا كان معدل التغيّر في كمية النقود أقل من معدل التغيّر في الناتج القومي الإجمالي الحقيقي كان ذلك مؤشرا على وجود اتجاهات انكماشية. مما يدفع مستوى الأسعار إلى الأسفل. أما إذا تساوى معدل التغيّر في وسائل الدفع مع معدل التغيّر في العرض الحقيقي للسلع فإن ذلك يدل على استقرار نقدي ([14]).

ثالثا:- طريقة الأرقام القياسية:

     وهي من أكثر الطرق شيوعا وتعتمد على تقدير معدل التضخم من خلال تطورات الأسعار (الرقم القياسي للأسعار)، وتستخدم الأرقام القياسية لغرض قياس القوة الشرائية للأفراد والمشروعات والتعرف على تطور الأسعار لسلعة معينة خلال فترة زمنية معينة، إذ يجري اعتماد الأرقام القياسية المقارنة بين سنتين إحداهما سنة الأساس التي تكون ثابتة وتنسب التقلبات السعرية إليها والسنة الأخرى هي سنة المقارنة التي يراد فيها التعرف على مقدار التضخم.

فإذا كان:-

P1 : المستوى العام للأسعار في سنة الأساس

P2 : المستوى العام للأسعار في سنة المقارنة

فإن معدل التضخم =

 

 × 100

 

ومن الأرقام القياسية التي يمكن استخدامها في قياس التضخم ما يأتي:-

< >الرقم القياسي الضمني للأسعار:- ويمثل النسبة بين مقدار الناتج القومي الإجمالي بالأسعار الجارية ومثيله بالأسعار الثابتة. ويتسم هذا المؤشر بشموليته لأسعار السلع والخدمات جميعها المنتجة والمتداولة في الاقتصاد.

الرقم القياسي لتكاليف الاستثمار:- ويعبّر عن العلاقة بين إجمالي تكوين رأس المال بالأسعار الجارية ومثيله بالأسعار الثابتة، ويحسب بقسمة الأول على الثاني. ويعد مؤشرا لأسعار السلع الإنتاجية وبيان أسباب التغيّرات الحاصلة في الإنفاق الاستثماري. بمعنى إنه يساعد في الكشف عن طبيعة الزيادة في هذا الإنفاق، وهل إنها ناتجة عن زيادة حقيقية في تكوين رأس المال أم هي زيادة في تكاليف الاستثمار ؟ ومن هذا فإنه يعد أيضا من المؤشرات الهامة المستخدمة في قياس التغيّرات في المستوى العام للأسعار ([15]).

الرقم القياسي لأسعار الجملة:- يستخدم في قياس تطورات أسعار السلع في الأسواق التجارية، إذ تحدد السلع الداخلة في حسابه وكذلك أوزانها استنادا إلى أهميتها النسبية في تلك الأسواق. وغالبا ما يتخذ مجموع مبيعات السلعة في الأسواق المذكورة معيارا لقياس أهميتها ([16]). ويعاني الرقم القياسي لأسعار الجملة في العراق من نقص في الدقة عند حساب الاتجاهات التضخمية، فهو يتضمن الأسعار لأعداد محدودة من السلع والخدمات، ويستثني العديد من السلع الأخرى (المحلية والمستوردة)، الأمر الذي يقلل من أهميته. كذلك فإن هذا المؤشر يقتصر على اتجاهات الأسعار في منطقة جغرافية معينة كالعاصمة، وأحيانا بعض المدن الكبيرة، دون أن يشمل اتجاهات الأسعار في المناطق الأخرى الحضرية منها والريفية، ويلاحظ من جهة أخرى أن هذا الرقم لا يعبر بصدق عن حركة الأسعار في السوق المحلية بسبب تدخل الدولة في تثبيت الحدود العليا لأسعار بعض السلع الداخلة في تركيب الرقم القياسي ([17]). وعلى الرغم من هذه الانتقادات الموجهة لهذا المؤشر والتي تقلل من دوره في توضيح الاتجاهات التضخمية. إلا أنه لا زال من المؤشرات المعول عليها في قياس التضخم بخاصة وإنه يشمل عينة كبيرة من السلع الغذائية والنسيجية، وهي من الفقرات الاستهلاكية المهمة، الأمر الذي يجعله معيارا مقبولا لحساب التغيرات في تكاليف المعيشة.

الرقم القياسي لأسعار المستهلك:- ويطلق عليه أيضا الرقم القياسي لأسعار المفرد للمواد الاستهلاكية والرقم القياسي لتكاليف المعيشة. والهدف الرئيس عادة من احتساب هذا الرقم القياسي هو تقدير ارتفاع مستوى الأسعار بالنسبة للمستهلك وذلك لمعرفة التغيرات الحاصلة في القوة الشرائية لوحدة النقد ([18]). وعلى الرغم من الانتقادات التي توجه لهذا المؤشر في العراق (والتي تتشابه إلى حد ما مع الرقم القياسي لأسعار الجملة)، ومن ذلك شموله لبعض السلع فقط ولمناطق معينة (وبخاصة العاصمة بغداد)، إلا أن هذا الرقم القياسي يعد من المؤشرات التي يمكن التعويل عليها لقياس التضخم، فهو يعطي صورة جيدة عن تكاليف المعيشة، إذ أنه يعتمد على أساس مسح ميزانية الأسرة والذي يتضمن عينة كبيرة من الريف والحضر، وتوزع على فصول السنة، فضلا عن العدد الكبير للسلع المشمولة بهذا الرقم القياسي سواء في القطاع العام (ومنها بعض السلع الداخلة بالبطاقة التموينية) أم القطاع الخاص ([19]).    المبحث الرابع:- قياس مستوى التضخم النقدي في العراق:

لأجل الوقوف على تغيرات المستوى العام للأسعار في العراق أعتمد الباحثان سلسلة زمنية تمتد لأكثر من عشر سنوات ابتداءً من عام 1996 ولغاية 2009.

وشهد العراق خلال هذه الفترة تطورات سياسية مهمة تركت آثارها على عموم الاقتصاد العراقي وبخاصة على حركة أسعار السلع والخدمات. لذلك أخذ الباحثان بنظر الاعتبار، عند تحليل متغيرات السنوات 1996-2002، إنها فترة حصار اقتصادي فرض على العراق من الأمم المتحدة وإن سنة 1996 كانت البداية لتطبيق مذكرة التفاهم المعقودة بين العراق والأمم المتحدة (النفط مقابل الغذاء والدواء) في حين كانت السنوات السبع الأخيرة من السلسلة الزمنية قيد البحث، شهدت ظروف سياسية واقتصادية مختلفة تماماً تزامنت مع الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان عام 2003([20]).

وحتى يتم الوصول إلى دقة أعلى وشمولية أكثر حول مستوى التضخم النقدي في العراق خلال المدة المذكورة، لم يقتصر الباحثان على استخدام مؤشر واحد أو طريقة فريدة في الحساب، وإنما حاولا الاستعانة بطرق متعددة وبما تتيحه البيانات المتوافرة.

ومن هذا المنطلق تم اعتماد مؤشر الرقم القياسي لأسعار المستهلك، بوصفه معياراً منتظماً يصدره الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط سنوياً، بهدف التعرف على تغيرات المستوى العام للأسعار في البلد. وبما أن هذا المؤشر يتضمن عيباً أساسياً يتمثل باقتصاره على عينة من السلع فقط (لاسيما الغذائية والنسيجية في العاصمة بغداد) دون غيرها، فتمت الاستعانة أيضا بمؤشرات أخرى تتسم بشموليتها للسلع والخدمات مثل الرقم القياسي الضمني([21]) والفجوة التضخمية ([22]) ( وفق المفهوم الكينزي ).

ولكي تتسع الصورة عن مديات التضخم النقدي وأن لا تقتصر على السلع الاستهلاكية بل تشمل كذلك السلع الرأسمالية، تم اعتماد الرقم القياسي لتكاليف الاستثمار ([23]).

من خلال الجدول رقم (1)، الذي يبين تطور الأرقام القياسية لأسعار المستهلك، يمكن تكوين صورة واضحة عن مستوى التضخم النقدي في العراق، وعلى النحو الآتي:-

< >يلاحظ إن أعلى مستوى للتضخم النقدي شهده العراق هو خلال السنوات 1993- 1996، فكما هو واضح من الجدول أعلاه إن نسبة التضخم هي (2242.1%) في عام 1996 بالمقارنة مع سنة الأساس (1993) التي اعتمدت في الجدول، أي أن متوسط نسبة التغير السنوي في مستوى الأسعار خلال السنوات الثلاث هو (714%). والسبب الرئيس في ذلك هو اعتماد الحكومة العراقية لسياستين نقدية ومالية توسعيتين مع مطلع التسعينيات من القرن العشرين، فبعد صدور قرارات الأمم المتحدة في فرض الحصار الاقتصادي على العراق التي بدأت في آب 1990(على أثر غزوه للكويت)، وتوقف شبه كلي لتصدير النفط العراقي الذي يشكل عماد الاقتصاد العراقي،  ولأجل توفير مصدر إيرادات تمول من خلاله نفقات الدولة، تم اعتماد سياسة نقدية توسعية قائمة على التمويل بالعجز، إذ أصبح الإصدار النقدي الجديد والتزايد المتفاقم في المعروض النقدي (الذي يعكس ارتفاع الطلب) هو السمة الرئيسة لسياسة العراق الاقتصادية خلال النصف الأول من التسعينيات. ورافق ذلك سياسة مالية توسعية أيضا، إذ تعاظم الإنفاق الحكومي ليسهم بدرجة عالية في رفع مستويات الطلب الكلي في الاقتصاد، يقابل ذلك تدني في مستوى المعروض السلعي نتيجة للتقلص الهائل في مستوى الاستيراد سواء للسلع تامة الصنع أم الوسيطة والأولية التي تستخدم في القطاعات الإنتاجية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في مستوى الأسعار.

اتسمت المدة 1996- 2002، باستمرار التصاعد في الرقم القياسي لأسعار المستهلك مؤشرا للتضخم النقدي، وإن كان بوتيرة أقل من المدة السابقة، إذ أصبح الرقم القياسي المذكور في نهاية هذه المدة (5196.6%) بالقياس لبدايتها البالغ (2242.1%)، وبمتوسط تغيّر سنوي مقداره حوالي (15%). وكانت أعلى نسبة تضخم سنوي في عام 1997 إذ بلغت (23.1%).إن من الواضح خلال المدة المذكورة أن مؤشرات ظاهرة التضخم لا زالت قائمة، ولكن بنسب أقل نسبياً، وتكمن أسباب ذلك في العديد من العوامل والمتغيرات، لعل من أبرزها تطبيق مذكرة التفاهم بين العراق والأمم المتحدة التي بدأ العمل بها في عام 1996، والتي أسهمت بتوفير بعض السلع، وبخاصة الأساسية، فضلاً عن انتهاج الدولة لسياسة نقدية انكماشية إلى حد ما قائمة على أساس الحد من عرض النقد، وكذلك سياسة مالية انكماشية تمثلت بتقليص الإنفاق العام وزيادة الإيرادات من خلال التفعيل (النسبي) للجهاز الضريبي، وبيع بعض ممتلكات الدولة الفائضة، ورفع أسعار بعض الخدمات العامة. وأدى كل ذلك إلى الحد من مستوى الطلب في البلد، فضلاً عن سحب كميات كبيرة من السيولة النقدية في التداول، الأمر الذي أنعكس على المستوى العام للأسعار الذي استمر بالتصاعد ولكن بصورة أخف.

 

< >على الرغم من التباين الشاسع في ظروف العراق على الأصعدة المختلفة، إلا أن مؤشرات التضخم استمرت خلال المدة 2003 – 2008، بل وبوتيرة أعلى بالمقارنة مع السنوات التي سبقتها، ويظهر ذلك جليا من خلال الجدول رقم (1)، ففي الوقت الذي لم تصل فيه نسبة الارتفاع السنوي في الرقم القياسي لأسعار المستهلك في أية سنة خلال المدة 1996 – 2002 إلى (25%)، يلاحظ بعد عام 2003 تجاوز هذه النسبة ولمعظم السنوات، إذ بلغ متوسط الزيادة السنوية للمدة 2003 – 2007 حوالي (37%).إن الأسباب التي تكمن وراء ذلك عديدة، لعل من أبرزها:-

 

أ- تعطّل العديد من المرافق الاقتصادية.

 ب -شحة مصادر الطاقة وارتفاع أسعارها، إذ شهد عاما 2005، 2006 ارتفاعا كبيرا في أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي أسهم بتصاعد جوهري في المستوى العام للأسعار وبخاصة في عام 2006، إذ وصلت نسبة الزيادة في الأسعار حوالي (53%) وهي الأعلى خلال سنوات البحث.

ج- ارتفاع مستويات المرتبات والأجور لمنتسبي الدولة، وكذلك المدفوعات النقدية (شبكة الحماية الاجتماعية)، وهذا ما أسهم في رفع مستوى الطلب الكلي في الاقتصاد.

د- المشاكل الأمنية التي عانى منها العراق في السنوات الأخيرة، وما رافقها من تصاعد في التكاليف، فبالإضافة إلى تكاليف الحمايات الأمنية الباهظة، أسهم ضعف الأمن، بالتضافر مع تصاعد أسعار المشتقات النفطية، في زيادة أسعار النقل وتنامي في تكاليف الإنتاج.

هـ- تزايد درجة الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي، فبالإضافة إلى كون الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي يعتمد بالدرجة الرئيسة على صادرات النفط الخام، يلاحظ أيضا تنامي الاستيراد ولمختلف أنواع السلع لتغطية متطلبات السوق، وهذا ما جعل العراق عرضة للتضخم النقدي المستورد.

و- وجود خلل في بنية الهيكل الاقتصادي والذي تجسده نسبة عالية من البطالة المقنعة، إذ تشير إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي إلى وجود خلل في إنتاجية القوة العاملة، فيشكل القطاع النفطي (10%) من قوة العمل ويسهم بإنتاج (64%) من الناتج المحلي، في حين تمثل القوة العاملة (66%) من قطاع الخدمات، تسهم فقط بنسبة (29%) من الناتج المحلي الإجمالي، وينطبق الأمر نفسه على قطاعي الزراعة والصناعة، إذ تنخفض الإنتاجية إلى مستويات متدنية، وهذا الخلل الهيكلي ينعكس جليا في عدم التوازن بين سوق السلع والخدمات من ناحية والسوق النقدي من ناحية ثانية. 

إن مؤشرات التضخم النقدي المشار إليها واضحة للعيان ليس من خلال الأرقام القياسية لأسعار المستهلك فحسب، إذ تبيّن العديد من المقاييس الأخرى ( كما يعكسها الجدول رقم 2 ) نمطا مشابهاً في تغيرات الأسعار، بصورة عامة، وإن اختلفت بعض التفاصيل من طريقة إلى أخرى ومن مقياس إلى آخر. فواضح من خلال الفجوة التضخمية والرقم القياسي الضمني، تصاعد المستوى العام للأسعار خلال السنوات 1997 – 2008 أجمعها، فالفجوة التضخمية التي كانت (15066.8) مليار دينار في عام 1997، تضاعفت قرابة التسع مرات لتبلغ في عام 2008 (155929.1) مليار دينار. كذلك يُظهِر الرقم القياسي الضمني تماثلا إلى حد كبير، إذ يتضح الارتفاع السنوي لهذا المقياس وللمدة بأكملها. كما يتبين من خلال هذين المؤشرين أيضا أن المدة، قيد البحث، التي أعقبت عام 2003 شهدت وتيرة متصاعدة في الأسعار وبنسبة أعلى من تصاعدها في المدة التي سبقت العام المذكور.

وكل ما تم ذكره أعلاه من مسارات الحركة السعرية في العراق، يؤكده أيضا الرقم القياسي لتكاليف الاستثمار، الذي يعبّر عن ارتفاع أسعار السلع الإنتاجية خلال سنوات البحث، باستثناء عام 2004 الذي شهد تناقصاً في هذا المؤشر بالمقارنة بعام 2002، وهذا لا يمكن وصفه بأنه انخفاض في أسعار هذه السلع، بل هو تعبير عن تردّي التكوين الرأسمالي وتأثر الإنفاق الاستثماري،بسبب ظروف الاحتلال.

المبحث الخامس:- الانعكاسات الاقتصادية لظاهرة التضخم النقدي في العراق:

أظهر البحث فيما تقدم أن العراق يعاني من تضخم زاحف، يعكسه الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، وأسهم في ذلك عوامل متعددة منها اختلال التوازن بين عرض النقد ومستوى الناتج الحقيقي، وضعف مرونة الجهاز الإنتاجي العراقي واعتماده شبه الكامل على إنتاج النفط الخام سلعة رئيسة معدة للتصدير، بالإضافة إلى ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك. ومن ثم يمكن القول أن عوامل التوسع في الطلب والتكاليف تضافرت معاً لتخلق هذه المستويات من التضخم.

وبالتأكيد هنالك انعكاسات وآثار عديدة لظاهرة التضخم، وعلى أكثر من صعيد، وسيحاول الباحثان الوقوف على أبرز تلك الانعكاسات والآثار ولاسيما في المجال الاقتصادي:-

أولاً:- إعادة توزيع الدخول:

إن التضخم بطبيعته يؤدي إلى إعادة توزيع الدخول الحقيقية للشرائح الاجتماعية المختلفة لأن الدخول النقدية والأسعار لا تزداد بالنسبة نفسها للقطاعات كافة، إذ أن التفاوت في درجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات يؤدي إلى زيادة الدخول لشرائح اجتماعية على حساب شرائح اجتماعية أخرى والنتيجة تنعكس سلبا على المستوى ألمعاشي لهذه الشرائح فتدني المستوى ألمعاشي يكون من نصيب أصحاب الدخول الثابتة (التعاقدية) كالموظفين وجميع الذين يعيشون على المعاشات التقاعدية والإعانات والمدفوعات التحويلية (شبكة الرعاية الاجتماعية) وكذلك بعض الحرفيين الصغار والعمال الزراعيين. في حين ترتفع وبدرجات متفاوتة الدخول الحقيقية لفئة المنظمين وأصحاب المزارع والمقاولين والصناعيين والوسطاء وذوي المهن الحرة وأصحاب الشركات التجارية، لأن دخول معظم هذه الفئات تتسم بالمرونة والاستجابة السريعة لتغيرات المستوى العام للأسعار.

واستنادا إلى ما جاء في أعلاه وبما أن معظم الموظفين والعمال يعملون أجراء في القطاع العام لدى الدولة ويشكلون نسبة مهمة من القوى العاملة المستخدمة، فإن التضخم يؤدي إلى خلق ظروف غير مناسبة لبلوغ إدارة كفوءة ولعملية التنمية بشكل عام، نظرا للتأثير النفسي السيئ الذي ينجم عنه لدى الموظفين وذلك بالمقارنة مع الشرائح الأخرى ذوي الدخول المتزايدة في النشاط الخاص الذين تزداد دخولهم النقدية نتيجة لزيادة الأرباح التي يجنونها من ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي يبيعونها ويقومون بأدائها.

ويمكن الاستدلال على ما تقدم من خلال إلقاء نظرة على الجدول رقم (3)،  إذ يبدو أن الخط البياني لكل من مؤشري الرقم القياسي لأسعار المستهلك ومتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في تصاعد (على الرغم من انخفاض الأخير لبعض السنوات)، ولكن يلاحظ أن نسبة الارتفاع في المؤشر الأول أعلى من مثيلتها في المؤشر الثاني. وما ينتج عن ذلك،وكما يعكسه الجدول أعلاه، هو التدهور الواضح في متوسط دخل الفرد الحقيقي في السنوات الأخيرة من البحث مقارنة بالسنوات الأولى، الأمر الذي يدل على تدني المستوى ألمعاشي لأبناء المجتمع العراقي عموما. ولكن هذا لا يدل بالتأكيد على تساوي العبء الواقع على أفراد المجتمع جميعا، إنما السواد الأعظم منه هو الذي تتخلف دخوله النقدية عن اللحاق بتصاعد الأسعار ليصل ببعض الفئات دون مستوى الفقر المحدد دوليا، في حين يستفيد البعض من أصحاب الدخول المتغيرة.

إن عبء التضخم يتفق مع عبء الضرائب غير المباشرة فيما يتعلق بأثره في ارتفاع الأسعار، وإن كان بتأثيرات أشد، فبينما يقع عبء الضرائب غير المباشرة على ذلك الجزء من الدخل الذي يخصص للاستهلاك، ومن ثم يتحمله أصحاب الدخول المحدودة من ذوي الميل الحدي المرتفع للاستهلاك، يلاحظ بالمقابل أن عبء التضخم يقع على الدخل بأكمله، بما في ذلك الجزء المخصص للادخار. وقد يكون المشرّع قادرا في بعض الأحيان على التحكم والانتقائية في فرض الضرائب غير المباشرة بحيث يجعلها تسهم، إلى جانب الضرائب المباشرة، في إعادة التوزيع لصالح الفئات الأقل دخلا.

أما فيما يخص عبء التضخم فإنه يقع على القوة الشرائية للنقود، ومن ثم فإنه يسهم في إعادة توزيع الدخول بشكل معاكس، إذ يكون أشد وقعا على الفئات محدودة الدخل، وذلك نظرا لارتفاع المنفعة الحدية للنقود بالنسبة لهذه الفئات بالقياس النسبي للفئات عالية الدخول. وهكذا نجد أن التضخم يعمل على إعادة التوزيع، إذ يحصل أصحاب المشاريع على نصيب أكبر في التوزيع، وتتعاظم أرباح المنظمين بصورة واضحة نتيجة الفرق بين تكاليف الإنتاج وبين أسعار المنتجات التي ترتفع بمعدلات أعلى، وبخاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار نمط سياسة تسويق المنتجات الذي يتبعه أصحاب المشاريع في ظل ظروف التضخم، من خلال تحكمهم بالمعروض السلعي وحجب المنتجات عن الأسواق توقعا لزيادة جديدة في الأسعار، الأمر الذي يزيد من حدة التضخم ويرفع من معدلات الأرباح، في الوقت الذي يصادر التضخم مدخرات ودخول حقيقية من فئات بقيت دخولها ثابتة أو ارتفعت بنسبة أقل من ارتفاع تكاليف المعيشة لمصلحة أولئك الذين ازدادت دخولهم بنسبة أكبر من نسبة ارتفاع تكاليف المعيشة. ([24])

وربما هنالك من يقول أن رواتب منتسبي الدولة في العراق شهدت تحسنا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، وبما يصل إلى أضعاف عدة، ونحن نتفق مع هذا القول، إذ شهد عام 2004 استحداث سلّما جديدا لرواتب الموظفين وبما يشكل نقلة نوعية فيها، ثم جرى تعديل آخر لهذا السلّم في عام 2008.وكذلك الحال للمتقاعدين ومستحقي دفعات الرعاية الاجتماعية، إذ شهدت السنوات الأخيرة زيادة في رواتبهم التقاعدية ومدفوعاتهم التحويلية. ولكن هذه الزيادات أدت دورا آنيا في تحسين المستوى ألمعاشي، إذ سرعان ما أسهمت الضغوط التضخمية والارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار في امتصاص هذه الزيادات من خلال التدهور السنوي في مستوى الدخول الحقيقية للفئات المذكورة.

ثانيا:- إعادة توزيع الثروات:

إن استمرار التضخم لهذه الفترة الزمنية في الاقتصاد العراقي، أدى إلى التأثير على القيم الحقيقية للأصول المالية والمادية المملوكة من قبل الأشخاص الاقتصاديين. فمن المعروف أن ارتفاع المستوى العام للأسعار (انخفاض قيمة النقود)، يحقق نفعا للمدينين على حساب الدائنين، بحيث يصبح بإمكان المقترضين بيع سلع وخدمات أقل لتسديد القيمة النقدية نفسها من المبالغ المقترضة في فترة سابقة. ولذلك يمكن القول أن تحولا في القوة الشرائية قد حصل من الدائنين إلى المدينين الذين يتكونون من الأفراد الحاصلين على القروض العقارية لشراء أو بناء المساكن، وأصحاب المشاريع الإنتاجية الزراعية والصناعية ومالكي المزارع. ويستفيد هؤلاء من التضخم نتيجة حصولهم على قروض من المؤسسات المالية في وقت اتسمت فيه الوحدة النقدية بالارتفاع وتسديدهم لها في وقت شهدت فيه قيمة النقود تدهورا ملحوظا، وهذا ما يخفف من العبء الحقيقي لالتزاماتهم المالية.

أما الأفراد ممن يحتفظون بثرواتهم في صورة موجودات مالية مختلفة كشكل من أشكال الاحتفاظ بالثروة فإنهم يتعرضون إلى خسارة كبيرة في أوقات التضخم. وهذا ما يشمل أصحاب الودائع الثابتة وودائع التوفير لدى المصارف التجارية وصناديق توفير البريد وحسابات الادخار الأخرى، والسبب في ذلك هو التدهور الذي يصيب القيمة الحقيقية لأصولهم المالية نتيجة ارتفاع الأسعار، الأمر الذي يحدث عندما لا تعوض أسعار الفائدة التي يحصلون عليها من امتلاكهم لهذه الأصول الهبوط في قوتها الشرائية، أي حينما يكون التضخم بمعدل أعلى من سعر الفائدة الاسمي ([25]).

وفي هذا الإطار يمكن القول أن أسعار الفائدة الحقيقية(سعر الفائدة الاسمي ناقصاً معدل التضخم) على الودائع أصبحت سالبة في العراق، إذ أن متوسط أسعار الفائدة الاسمية للسنوات 1997- 2008 لم تتجاوز (10%) لودائع التوفير و (12%) للودائع الثابتة (لمدة سنة) كما تشير بيانات البنك المركزي العراقي، في حين أن متوسط معدل التضخم أو المتوسط السنوي لارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك كان أكثر من (20%) خلال الفترة نفسها، وهذا ما يؤيد فكرة التآكل في القيمة الحقيقية لتلك الودائع.

     وإذا كان هذا الحال بالنسبة للدائنين وأصحاب الودائع في أوقات التضخم فإن الأمر مختلف بالنسبة لمالكي الثروات المادية، إذ ينظرون إلى التضخم نظرة ايجابية على أساس أن الارتفاع في المستوى العام للأسعار سوف يصب في زيادة القيم النقدية لموجوداتهم الحقيقية، ويشمل ذلك أصحاب الأراضي والعقارات الحديثة وينطبق أيضا على أصحاب الأسهم ومالكي المصوغات الذهبية وهذا ما يفسّر النزعة لدى أصحاب الأموال في المجتمع العراقي نحو اقتناء هذه الأصول، الأمر الذي يشكّل بدوره عاملا دافعا لزيادة الطلب عليها ومن ثم ارتفاعات مستمرة في أسعارها. أما أصحاب العقارات القديمة المسكونة فحالهم كحال أصحاب الدخول الثابتة، فهم من المتضررين من التضخم لأنهم التزموا بعقد إيجار ثابت لمدة من الزمن، ويسهم في ذلك الضرر القوانين النافذة في العراق التي تخدم المستأجر عموما على حساب المؤجر.

ثالثا:- الأثر على الاستثمار:

من المعروف أن للتضخم بعض الآثار الإيجابية نتيجة لما يوفره من دفعة قوية للاقتصاد وتعزيز الأنشطة المتنوعة، على فرض أساسي هو أن زيادة المعروض النقدي يسهم في زيادة الطلب على عناصر الإنتاج المختلفة لاستخدامها في الأغراض الاستثمارية، وفي ظل وجود موارد إنتاجية معطلة قابلة للاستغلال، ووجود جهاز إنتاجي مرن قادر على الاستجابة للزيادة في الطلب، يمكن تحسين الطاقة الإنتاجية وطرح المزيد من السلع والخدمات، فضلا عن الحد من البطالة. وهذا صحيح بالنسبة للدول المتقدمة ولكن المشكلة في العراق بوصفه دولة نامية هي أن الموارد والطاقات العاطلة ليست مهيأة للاستخدام المباشر والسريع، فمشكلة الموارد الطبيعية والبشرية العاطلة لا ترجع إلى نقص في الطلب الفعال بل إلى قصور في كفاءة الجهاز الإنتاجي وعدم تأهيل هذه الموارد للانتظام في عجلة الإنتاج.

إن عدم مرونة العرض الحقيقي من السلع والخدمات بالنسبة للطلب المحلي التي شهدها الاقتصاد العراقي خلال سنوات البحث، قد ولدّت هي الأخرى مزيدا من الارتفاع في المستوى العام للأسعار، فضلا عن إحداث انحراف عن التخصيص الأمثل للموارد. إذ أسهم التضخم في توجيه الاستثمارات في المجتمع. وأول ما نتج عنه هو شيوع حالة عدم اليقين إزاء نتائج الاستثمار وصعوبة إجراء تقدير التكاليف لإنشاء مشاريع مستقبلية، الأمر الذي ترتب عليه توظيف رؤوس الأموال في الأنشطة الاقتصادية ذات المردود السريع أو ذات الدورات الإنتاجية القصيرة والتي تمتاز بالربح المضمون وإن كانت غير مجدية من وجهة نظر التنمية الاقتصادية. وهذه تتمحور، كما أشرنا، في شراء الذهب والأراضي والعقارات فضلا عن شراء السلع الاستهلاكية تامة الصنع والوسيطة وقطع الغيار بقصد تخزينها لمدة من الزمن ثم بيعها بأسعار باهظة تفوق كثيرا أسعار الشراء، الأمر الذي يسهم بنمو نشاط المضاربة، وهذا ما يعني الزيادة في الدخول النقدية لفئات معينة دون أن يصب ذلك في خدمة الاقتصاد الوطني الحقيقي، بمعنى دون أية مشاركة في نمو القطاعات السلعية المنتجة مثل الزراعة والصناعة. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال متابعة نسبة مساهمة تلك القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي في العراق.ففي عام 2000 ساهم قطاع الزراعة والصيد والغابات بمبلغ (4589) مليون دينار (بالأسعار الثابتة لعام 1988)، أي بنسبة مقدارها (10,8%) من الناتج المحلي الإجمالي لذلك العام البالغ (42358,6) مليون دينار. ثم انخفضت هذه النسبة إلى (7,6%) في عام 2008، إذ أصبح الناتج في القطاع المذكور (4036,2) مليون دينار في الوقت الذي بلغ فيه الناتج المحلي الإجمالي (53205,2) مليون دينار (بالأسعار الثابتة لعام 1988).

أما بالنسبة لقطاع الصناعة التحويلية فقد انخفضت مشاركته في الناتج المحلي الإجمالي من (4,1%) إلى (2,2%) بين عامي 2000 و 2008 على التوالي، إذ انخفض الناتج في هذا القطاع من (1748,3) مليون دينار إلى (1159,4) مليون دينار  (بالأسعار الثابتة لعام 1988).

في الوقت ذاته يلاحظ أن نسبة مساهمة قطاع تجارة الجملة والمفرد والفنادق في الناتج المحلي الإجمالي، ازدادت من (4,2%) عام 2000 لتصل في عام 2008 إلى (6,4%) وكذلك الحال في قطاع المال والتأدين وخدمات العقارات، إذ ارتفعت نسبة مساهمته بين عامي 2000 و 2008 من (2,6%) إلى (13,2%) وهي بالتأكيد قفزة عالية.

ويمكن الخروج بالاستنتاج نفسه بحساب الأسعار الجارية للناتج المحلي الإجمالي، إذ انخفضت نسبة مساهمة كل من قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية من (5,5%) عام 2000 إلى (5%) عام 2008، في حين قفزت النسبة المماثلة لكل من قطاع التجارة والفنادق وقطاع خدمات العقارات في الناتج المحلي الإجمالي من (4,2%) إلى (14,2%) خلال العامين المذكورين على التوالي ([26]).

وعلى الرغم من أن هذه التغيرات الهيكلية تشمل القطاع العام وتؤشر خلل في السياسة الاقتصادية للدولة، إلا أنها تعكس في الوقت ذاته استمرارية القطاع الخاص في نشاطه نحو المجالات التي لا تخدم عملية التنمية الاقتصادية.

من جانب آخر فإن للتضخم آثار سلبية على عملية التخطيط الاقتصادي عموما، وعلى تخطيط الاستثمار بشكل خاص. فالنظرية الاقتصادية تشير إلى وجود أدوات لتخطيط الاستثمار يتم من خلالها التعرف على حجم الاستثمارات المطلوبة لإحداث معدلات نمو للناتج القومي حسب القطاعات. أي أن هذه الاستثمارات يجري التوقّع اللازم لها خلال سنوات الخطة بالاعتماد في التقدير على مدى الحاجة للاستثمار المطلوب لإحداث نمو مستهدف في الاقتصاد العراقي، وذلك من خلال ما يعرف بنسبة رأس المال إلى الناتج القومي. وبعد ذلك يتم البحث عن مصادر لتمويل ما جرى تقديره من استثمار. وهذه النسبة (رأس المال للناتج) مهمة وهي تعكس القدرة الاستيعابية للاستثمار في أي بلد، أي كم هي النسبة المئوية التي يستطيع الاقتصاد القومي أن يقتطعها لكل توجه للاستثمار ؟ وهذه النسبة تتراوح بين 20%– 25% بوجه عام في الدول التي ترغب في الحصول على نسب للنمو الاقتصادي تفوق معدلات نمو السكان وبما يرفع من متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي.

كذلك فإن تخطيط الاستثمار في العراق يواجه صعوبة في ظل التضخم الزاحف، فالدولة قد ترغب في تحقيق معدل نمو معين للدخل القومي، ولكن المشكلة تكمن في الجوانب الفنية التي تتحكم في تحديد حجم الاستثمارات المطلوبة لإحداث هذا المعدّل. فالكثير من الثوابت تصبح متغيرات ولا يمكن الركون إليها مهما بلغت الدقة في تقديرات معدلات التضخم، وذلك لأن تحويل الجانب المادي من الاستثمار (الأصول الثابتة) إلى قيم نقدية يصبح قريبا من المستحيل. وعلى هذا الأساس فإن خطط التنمية تتحول تحت ظل ارتفاع المستوى العام للأسعار إلى خطط سنوية (مناهج سنوية للاستثمار) لعدم وجود قدرة أساسا على التخطيط لأبعد من سنة. ثم تتضاءل الرؤيا المستقبلية للمخطط إذا استمر التضخم وبحدة، بحيث يكون وضع خطة استثمارية سنوية أيضا موضع شك لعدم القدرة على التحكم بالخطة وفقا لحركة المتغيرات الاقتصادية خلال السنة.

رابعا:- الأثر على الاستهلاك:

من المتغيرات الاقتصادية الهامة التي تتأثر بالتضخم هو الاستهلاك. وهنا يرى البعض أن الأفراد يمكنهم مواجهة التضخم بتقليل مستوى استهلاكهم مقابل زيادة مستوى ادخارهم وذلك بدافع الاحتياط ضد ما يحمله المستقبل من مجهول، ولا شك أن حصول هذا الانخفاض في دالة الاستهلاك الفردي سيعمل، بافتراض ثبات الأشياء الأخرى، على فرملة الموجة التضخمية في الاقتصاد.

ولكن هذا الرأي يمكن أن يكون مقبولا في دولة متقدمة يحصل فيها تضخم لفترة لا تتعدى بضع سنوات ويمتاز أفرادها بدرجة عالية من الوعي وتتسم سياستها الاقتصادية بالكفاءة والانسجام فيما بين أدواتها المختلفة. أما في ظل دولة نامية مثل العراق مرّت بظروف استثنائية وشهدت تضخما بمستويات عالية ومستمرة فإن السيناريو المتحقق يختلف عن الرأي أعلاه. فارتفاع  المستوى العام للأسعار في الاقتصاد العراقي خلال سنوات البحث، وما قبلها، مع الثبات النسبي للدخول النقدية لمعظم شرائح المجتمع، أسهم في تدهور الدخول الحقيقية لتلك الشرائح، الأمر الذي أدى إلى تقليص الادخار النقدي للأفراد للمحافظة على مستوى استهلاكهم. ثم أن الانخفاض الذي حصل في القوة الشرائية للنقود (الوجه الآخر للتضخم) أسهم بدفع الأفراد نحو التخلص من السيولة النقدية باتجاه تحويلها إلى سلع وخدمات يمكن أن تزداد أقيامها بمرور الزمن، الأمر الذي أدى بدوره إلى تفاقم حدة الطلب وارتفاع في الأسعار، وهذا يعني أن التضخم لعب دورا في تخفيض المدخرات النقدية لصالح تشجيع الأفراد على المدخرات العينية، فضلا عن السعي إلى تحويل السيولة من العملة المحلية إلى عملات أجنبية تتمتع بقدر أكبر من الثبات في أقيامها (كما حصل بشكل واضح في أثناء فترة الحصار الاقتصادي) أو في شكل أصول مادية أخرى، ومن ثم فقدان النقود لإحدى وظائفها المتمثلة بخزن القيم. 

من جانب آخر فإن الارتفاع الحاد في الأسعار الذي شهده العراق أدى إلى تشويه نمط الاستهلاك وزيادة التفاوت في المبالغ المخصصة لذلك من قبل الشرائح الاجتماعية المختلفة، إذ أن التباين في قدرتها الإنفاقية أسهم وبشكل ملموس في التأثير على حركة الأسعار وتصاعدها نتيجة ضغوط الطلب على عدد معين من السلع والخدمات مما أنعكس سلبيا على الاستقرار الاقتصادي.

إن ظاهرة التضخم في العراق بمعنى الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار أخذ طابع التضخم الزاحف الذي يتصف بارتفاع كبير في أسعار بعض المنتجات وانخفاض في البعض الآخر، ونظرا لأن نسبة الارتفاع في هذه المنتجات أعلى من نسبة الانخفاض في أسعار المنتجات الأخرى لذلك تأخذ الأسعار طابع التصاعد التراكمي والمستمر وكل ذلك حصل بصورة جلية خلال سنوات البحث. وإن أكبر المجموعات السلعية تأثيرا في ارتفاع المستوى العام للأسعار هي مجموعة المواد الغذائية الزراعية بعامة والمنتجات الحيوانية بصفة خاصة، وهذا ما ولّد ضعفا في الإنتاج الزراعي من ناحية وقدرة قطاع التجارة الداخلية على استغلال هذه الظاهرة من ناحية أخرى، وذلك لتحقيق أرباح كبيرة يمكن الاستدلال عليها من الفرق المتزايد بين أسعار الجملة وأسعار المستهلك.

خامسا:- الأثر على ميزان المدفوعات:

     إن ارتفاع معدل التضخم على الصعيد الوطني بصورة أكبر من معدلات التضخم على المستوى الدولي يؤدي إلى رفع أسعار الصادرات بالنسبة للأسعار السائدة في السوق الدولية، وبالنتيجة يؤدي ذلك إلى تدني قابلية الصناعات المحلية على التنافس في الخارج. بالمقابل فإن التوسع في الإنفاق الحكومي وزيادة الدخول النقدية للأفراد يترتب عليها زيادة في الطلب ليس فقط على السلع المنتجة محليا، وإنما على السلع المستوردة أيضا، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف جزء من موارد الدولة من النقد الأجنبي. وهذا ما ينطبق على الاقتصاد العراقي، فإذا استثنينا صادرات النفط الخام يلاحظ مدى الاختلال (العجز) الذي يعاني منه ميزان المدفوعات، ثم تأتي الضغوط التضخمية، فضلا عن ارتباك السياسات الاقتصادية، لتعمق من مشكلة العجز تلك، وهذا لا يشمل الفترة التي سبقت عام 2003 وما رافقها من حصار اقتصادي فحسب، وإنما يمتد حتى للسنوات التي أعقبت العام المذكور، إذ اتجهت القوة الشرائية المتنامية التي شملت بعض فئات المجتمع ومنها منتسبي الدولة نحو البضائع المستوردة بخاصة في ظل غياب تام للقيود القانونية والكمركية لمدة تجاوزت السنة.

     وعلى هذا يمكن استنتاج التأثير السلبي للتضخم على ميزان المدفوعات، من خلال القوة الشرائية المتزايدة التي لا تواجهها زيادة كافية في الإنتاج المحلي، ومن ثم يرتفع الميل الحدي للاستيراد وتقل مقدرة الاقتصاد الوطني على التصدير، وتهتز قيمة العملة قياسا بالعملات الأجنبية، وتختل بالتالي معدلات التبادل بين السلع الوطنية والأجنبية، ويقل بذلك مجددا الميل الحدي للتصدير.

المبحث السادس:- الاستنتاجات والتوصيات:

يتضح من خلال العرض لنظريات التضخم في الفكر الاقتصادي أنها على اختلاف منطلقاتها ومرحلة نمو الاقتصاد الرأسمالي التي تعكسها والظروف التاريخية التي ظهرت في ظلّها والحلول والسياسات التي تعرضها لمعالجة ظاهرة التضخم تلتقي عند حقيقة جوهرية وهي:

إن التضخم هو في الأساس زيادة محسوسة في المستوى العام للأسعار وهذه الحقيقة تفسّر ظاهرة ارتفاع الأسعار في ظروف الرواج الاقتصادي كما تفسرّها في ظل الكساد، إذ يتجه العرض إلى التناقص بمعدّل أسرع من تناقص الطلب ومن ثم يظل الطلب أكبر من العرض عند المستوى الأقل من الناتج.

ومع أن هذه النظريات جميعها تلتقي عند تفسير التضخم بالاختلال بين العرض والطلب غير إنها لا تقدم الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى هذا الاختلال. وصحيح أن زيادة كمية النقود أو زيادة الإنفاق أو الاختلال بين الاستثمار والادخار أو ارتفاع التكاليف يسهم بمقدار أو بآخر في ارتفاع الأسعار ولكن هذه النظريات لم تفصح عن السبب الذي يؤدي إلى تجاوز كمية النقود أو الإنفاق أو الاختلال بين الاستثمار والادخار وارتفاع التكاليف بالقدر الذي يخل بالتوازن بين العرض والطلب وبالتالي ظهور الضغوط التضخمية والانتكاسات الانكماشية بمعنى مرور الاقتصاد بالدورات الاقتصادية، كما إن هذه النظريات تطرح حلولا ناقصة لظاهرة التضخم والانكماش. فنظرية كمية النقود تطرح السياسة النقدية كحل، ونظرية الطلب تطرح السياسة المالية، ونظرية الاختلال بين الادخار والاستثمار تطرح قضية سعر الفائدة، أما نظرية تضخم الكلفة فتطرح إلى جانب السياسة النقدية والمالية التي تستهدف اقتصاد الزيادة في الأجور سياسة فرض قيود سياسية واقتصادية على مستلمي الأجور والرواتب.

إن التضخم وإن كان بطبيعته ظاهرة نقدية إلا أنه في الواقع انعكاس لاختلال التوازن الاقتصادي، فالتضخم هو انعكاس لاختلال بين الطلب الكلي والعرض الكلي بين نمط الطلب وتشكيلة العرض بين التدفقات العينية (السلع والخدمات) والتدفقات النقدية بين كل عامل من عوامل الإنتاج والطلب عليه بين طلب قطاعات الاقتصاد الوطني من أحد القطاعات وقدرة هذا القطاع على توفير المطلوب منه من السلع والخدمات وأخيرا بين طلب أي قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني وقدرة القطاعات الأخرى على الوفاء بهذا الطلب.

بيّن البحث أن الاقتصاد العراقي شهد التضخم طبقا للتعريف الشائع وهو الارتفاع في المستوى العام للأسعار، إذ كان التغيّر السنوي في الأرقام القياسية العامة لأسعار المستهلك في العراق ايجابيا خلال المدة (1997 – 2008)، وإن اختلفت النسبة في ذلك من سنة لأخرى، كما توضح في الجدول رقم (1)، والاستنتاج الرئيس هنا أن متوسط التغيّر السنوي كان بحدود (15,2%) خلال السنوات 1997 – 2002، في حين تجاوز هذا المتوسط ضعف ذلك في السنوات اللاحقة 2003 – 2008، إذ بلغ حوالي (30,7%).

أما الرقم القياسي الضمني والرقم القياسي لتكاليف الاستثمار فشهدت هي الأخرى تغيّرا سنويا مرتفعا تجاوز نسبة الـ (20%) في معظم سنوات البحث، وكما هو واضح في الجدول رقم (2).

إن مدلولات هذه الأرقام وغيرها من المؤشرات التي تم بحثها تؤيد فرضية البحث، إذ أن أثر الإصدار النقدي الجديد على الأسعار كان واضحا، فشهد العراق تضخما نقديا من خلال زيادة المعروض النقدي بالقياس للطلب عليه، وهذا الاختلال في الاقتصاد العراقي والمتمثل بعدم التوازن بين هذين المتغيرين هو دلالة على أن السياسة النقدية قد سارت على غير هدى وبدون ارتباط وتكامل مع أهداف النشاط الاقتصادي كالإنتاج والاستهلاك والاستثمار. وهذا ما اقترن بسياسة مالية توسعية أبرز ملامحها هو الارتفاع في الموازنة التشغيلية للدولة مقابل تدني وضعف في الجهاز الضريبي. 

وفيما يأتي نستعرض مجموعة من السياسات والخطوات (كتوصيات)، بغض النظر عن كون بعض منها معمول به بشكل أو بآخر وذلك بهدف التكامل في استعراض التوصيات الأساسية لمعالجة ظاهرة التضخم في الاقتصاد العراقي:

< >ضرورة تخفيض الإنفاق الجاري في ضوء مراجعة تفصيلية لمكوناته المختلفة لتحديد أهميتها ومدى ضرورتها على أن تتضمن هذه المراجعة موازنة الدولة وأنشطة القطاع العام.

إقرار التخصيصات الاستثمارية في ضوء معرفة حدود الموارد الحقيقية المتاحة والإقراض الاقتصادي الذي يؤمن فعلا عائدا يفوق أصل القرض وفوائده طبقا لحسابات مالية واقتصادية دقيقة.

إعداد دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية الكاملة للمشاريع الإنتاجية التي تلبي المتطلبات الأساسية الداخلية وبشكل خاص المشاريع الاستثمارية التي تساعد على تعظيم موارد القطر.

الاستمرار في تنظيم وتطوير الأسس الإدارية والتنظيمية لجهاز ضريبة الدخل بحيث يمكن إعادة المسح الضريبي بفترات مناسبة وتكثيف التحري الضريبي والحيلولة دون التهرب بمختلف الوسائل.

ضرورة التمييز بين ضريبة الدخل على العمل الحر والعمل المأجور لتكون مرتفعة بالنسبة للعمل الحر ومنخفضة للعمل المأجور. فضلا عن تقليل الإعفاءات الضريبية حتى تحقق الضريبة أهدافها الاقتصادية.

العمل على زيادة الضرائب على الملكيات العقارية والأصول الأخرى والتي تدخل في عمليات المضاربة على أن لا يضر ذلك بالفئات من ذوي الدخل المحدود.

إعادة النظر بالسياسة النقدية للبلد بما يؤدي إلى تقليص الإصدار النقدي الجديد الذي لا يقابله عرض مناسب من السلع والخدمات.

العمل على وضع سلّم ترتيبي وحسب الأهمية لاستخدام النقد الأجنبي المتوفر بما يضمن زيادة استيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الإنتاجية للقطاع الخاص الصناعي والزراعي بأسعار صرف مناسبة، مع اشتراط تسعير المنتجات بما يتناسب مع كلفة الحصول عليها، بالإضافة إلى تشغيل الجهاز الإنتاجي القائم بطاقاته الكاملة.

اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على مستوى معاشي مناسب لأصحاب الدخول المحدودة والثابتة وحمايتهم من الارتفاعات السعرية الكبيرة، من خلال ربط هذه الدخول بمؤشر ارتفاع تكاليف المعيشة. التحكم بالسياسة السعرية وجعلها عاملا في امتصاص الفوائض النقدية وتقليص استهلاك السلع الكمالية وذلك عن طريق هوامش الأرباح والضرائب غير المباشرة.

جدول رقم (1)

الأرقام القياسية لأسعار المستهلك في العراق للسنوات 1996 – 2009

1993 = 100

السنة

الرقم القياسي العام %

التغيّر السنوي %

1996

2242.1

ـــــــ

1997

2759.2

23.1

1998

3166.7

14.8

1999

3565.0

12.6

2000

3742.5

5.0

2001

4355.3

16.4

2002

5196.6

19.3

2003

6943.5

33.6

2004

8815.6

27.0

2005

12073.8

37.0

2006

18500.8

53.2

2007

24205.5

30.8

2008

24851.3

2.7

2009

24155.1

2.8

 

 

المصدر:- وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي،الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات،المجموعة الإحصائية السنوية لعام للأعوام 2007 – 2009.

ملاحظة:-

1/ تم حساب التغيّر السنوي من قبل الباحثين بالاستناد إلى البيانات المتوافرة في الجدول.

2/ يلاحظ انخفاض الرقم القياسي لعام 2009 مقارنة بعام 2008 وهذا لا يعني انخفاضا في عموم الأسعار في سنة 2009، إنما هو يعود إلى فقرة واحدة حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء وهي الوقود والإضاءة. وتعليل ذلك هو توفّر المشتقات النفطية واعتماد البطاقة الوقودية. ولذلك يتحفظ الباحثان على الرقم القياسي لعام 2009 لأنه لا يعكس حقيقة المستوى العام للأسعار.

 

جدول رقم (2)

الفجوة التضخمية والرقم القياسي الضمني والرقم القياسي لتكاليف الاستثمار في العراق للسنوات 1997 – 2007 (مليار دينار)

الأسعار الثابتة 1988=100

 

 

 

 

السنة

الناتج

المحلي

الإجمالي

GDP

بالأسعار

الجارية

(1)

الناتج

المحلي

الإجمالي

GDP

بالأسعار

الثابتة

(2)

 

 

الفجوة

التضخمية

(1)-(2)=

(3)

 

الرقم

القياسي

الضمني

(1)÷(2)

×100=

(4)

%

 

التغيّر

السنوي

 

(5)

%

 

إجمالي

تكوين

رأس المال

الثابت

GFCF

بالأسعار

الجارية

(6)

إجمالي

تكوين

رأس المال

الثابت

GFCF

بالأسعار

الثابتة

(7)

 

الرقم

القياسي

لتكاليف

الاستثمار

(6)÷(7)

×100=

(8)

%

 

التغيّر

السنوي

 

(9)

%

1997

15093

26,3

15066,8

57388,2

ـــــــ

104,8

0,236

44406,8

ـــــــ

1999

34464

41,8

34422,2

82449,8

21,8

267,2

0,464

57586,2

14,8

2002

41023

40,3

40982,6

101793,8

7,8

2199,0

3,318

66274,9

5,0

2004

47959

33,2

47925,3

144453,3

21,0

2857,8

4,328

66030,5

-0,18

2006

95588

47,9

95540,1

199557,0

19,1

16282,9

16,999

95787,4

22,5

2008

155982

53,2

155929,1

293200,0

23,5

13858,3

13,458

102974,0

3,75

 

 

المصادر:-

  1. وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية السنوية للأعوام 2004، 2007، 2008 – 2009.
  2. وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مديرية الحسابات القومية، الدخل القومي والناتج المحلي الإجمالي للسنوات 1997 – 2004، آب 2005. ص12.

الملاحظات:-

  1. تم حساب الأعمدة (3) (4) (5) (8) (9) من قبل الباحثين بالاستناد إلى البيانات الموجودة في الجدول.
  2. هناك طفرة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لسنة 2008 مقارنة بسنة 2007 في حين أن الناتج المحلي لسنة 2008 حسب صندوق النقد الدولي = 108460 مليار دينار وهذا أقرب للصحة من الجهاز المركزي للإحصاء.

 

جدول رقم (3)

الرقم القياسي لأسعار المستهلك ومتوسط دخل الفرد النقدي والحقيقي للمدة 1997 – 2009

السنة

الرقم القياسي

لأسعار المستهلك

%

متوسط نصيب الفرد

من الدخل القومي

(ألف دينار)

متوسط دخل

الفرد الحقيقي

(ألف دينار)

1997

2759.2

600.4

21.8

1998

3166.7

661.3

20.9

1999

3565.0

1342.1

37.6

2000

3742.5

1936.2

51.7

2001

4355.3

1480.1

34.0

2002

5196.6

1356.5

26.1

2003

6943.5

976.8

14.1

2004

8815.6

1540.2

17.5

2005

12073.8

2030.5

16.8

2006

18500.8

2926.3

15.8

2007

24205.5

3372.4

13.9

2008

24851.3

4125.0

16.6

2009

24155.1

3647.0

15.1

 

المصدر السابق ذكره في الجدول رقم (1)

ملاحظة:- حُسِبَ متوسط دخل الفرد الحقيقي من قبل الباحثّين وفق الصيغة الآتية:-

متوسط دخل الفرد الحقيقي =  

  × 100

 

[1] - مصطفى رشدي شيحه، اقتصاديات النقود والمصارف والمال، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ط6، 1996. ص809.

[2] - المصدر نفسه. ص 811.

3 – Lilaj. Truett , Daleb. Truett , Economics , West Publishing Co , Saintpaul , 1982. P253.

4- J.M.Keynes , The General Theory of Employment , Money and Interest , London , Macmillan and Co , Ltd , Martin's Street , 1942. pp 298-299.                    

[5]- صلاح الدين عبد المسيح كاكو، التضخم ألركودي في المجموعة الاقتصادية الأوربية خلال الفترة 1970 – 1989، أطروحة دكتوراه غير منشورة، قدّمت إلى مجلس كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة بغداد، آذار، 1992.ص19.

6 - J.M.Keynes , Op. Cit. P118-119.

[7] - صلاح الدين عبد المسيح كاكو ، المصدر السابق. ص20.

[8]- وزارة التخطيط – هيئة تخطيط القوى العاملة، الأبعاد الاجتماعية لظاهرة التضخم في الاقتصاد العراقي، بغداد، 1992. ص 16-17.

[9] - للمزيد من التفاصيل انظر:-

- A.W.Phillips , ( Stabilization Policy in a closed Economy ), Economic Journal , No. 254 , June , 1954.

[10]- عوض فاضل إسماعيل الدليمي، النقود والبنوك، بغداد، 1990. ص 650-652.

[11] -  المصدر نفسه. ص 655.

[12] - مصطفى رشدي شيحة، المصدر السابق. ص 850.

[13] - المصدر نفسه. ص 851.

[14] - عوض فاضل إسماعيل الدليمي ، المصدر السابق. ص 638.

[15] - وزارة التخطيط ، المصدر السابق. ص 35.

[16] - وزارة التخطيط – المعهد القومي للتخطيط، الإحصاء للمخططين والباحثين، بغداد، 1988. ص 212.

[17] - عوض فاضل إسماعيل الدليمي، المصدر السابق. ص 636.

[18] - وزارة التخطيط – المعهد القومي للتخطيط. المصدر السابق. ص 213.

[19] - وزارة التخطيط  - هيئة تخطيط القوى العاملة، المصدر السابق.ص 34.

[20] - حسب قرار مجلس الأمن الدولي رقم ( 1483 ) في 22 / 5 / 2003 اعتُبر العراق محتلا رسميا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

[21] - يقاس من خلال ما يأتي:-

الرقم القياسي الضمني = الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ÷ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة × 100

[22] - تقاس كما يأتي:-

الفجوة التضخمية = الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية – الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة

[23] - يقاس من خلال الصيغة الآتية:-

الرقم القياسي لتكاليف الاستثمار = إجمالي تكوين رأس المال الثابت بالأسعار الجارية ÷ إجمالي تكوين رأس المال الثابت بالأسعار الثابتة × 100

[24] - عدنان حسين يونس، التضخم ودور الضرائب المباشرة وإعادة التوزيع في العراق للفترة  1986-1996، المؤتمر العلمي الضريبي الأول، بغداد، 2001. ص37.

[25] - عوض فاضل إسماعيل الدليمي، المصدر السابق. ص677-678.

[26] - وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات،المجموعة الإحصائية السنوية 2008 – 2009.