خلاصة البحث:

تناول هذا البحث موضوع(الرفض في شعر الجواهري- من أنماطه وتجلياته -) بالدراسة والتحليل, وقد قسم على مبحثين سبقهما تمهيد وأعقبهما خاتمة , أبان التمهيد مفهوم الرفض في اللغة والأصطلاح , ودرس المبحث الأول أبرز أنماط الرفض في شعر الجواهري وهما: الرفض السياسي والرفض الأجتماعي, فيما رصد المبحث الثاني أهم تجليات الرفض في شعره عبر ثلاثة مقاصد هي: الغضب والمزاج الثوري أولا, فالسخرية ثانيا, فالأغتراب ثالثا, ثم خلص البحث- بعد ذلك- الى خاتمة مثلت أبرز النتائج التي توصلت اليها هذه الدراسة.

تصنیف البحث: الأدب العربي
البحث بصيغة pdf: PDF icon 170725-094803.pdf
من صفحة: 154
إلى صفحة: 173

المقدمة

 والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، وعلى العترة الطاهرة من آله، والنخبة المنتجبة من صحبه , وبعد.......

 فالحديث عن الجواهري ذو شجون،والخوض معه يصطحبك إلى عالم متنوع يلفه الحماس الثوري والصدق الشعوري والمواقف الواضحة حينا والمتناقضة أحيانا أخر لما تمتعت به شخصيته من جرأة وصراحة في التعبير وكبرياء عنيف قاده –في كثير من الأحيان- الى المواجهة وتحمل الألم الناجم عن عدم تقبل بعضهم لذلك الكبرياء وقد قاده ذلك الأمر الى خوض حياة مليئة بالمتاعب والمصائب والمتاهات، فحورب في فكره وعيشه ورزقه فاعتقل وحبس ونفي وعاش غريبا في بلده وفي خارج بلده، ومات غريبا، ودفن في مقبرة الغرباء بسوريا موصيا أن ترسم على قبره خارطة العراق فرسمت وخط عليها أبيات له تتغنى بحب العراق.

 إن تلك الحياة القاسية المؤلمة كان من أهم أسبابها حالة الرفض الكبيرة التي عاشها الجواهري والتي خطت له كثيرا من ملامح حياته، فعمد الى رسم واقع المجتمع المتردي،وما هو عليه من وهن وخور، وسلبيات لا تعد ولا تحصى، كانت السبب الرئيس وراء ثورته وتمرده الذي دام معه طويلا، في نزاع مرير بين فكره وما يحلم به لنفسه ولمجتمعه، وبين الواقع الذي خنقه بتقاليده وأعرافه البالية، واستسلام الناس لأقدارهم وخضوعهم لسلطة أعلى لا يهمها سوى مصالحها وأطماعها، ولعل هذا كان الدافع الأهم – بالنسبة للشاعر- لإعلان رفضه المطلق لكل أنواع الخضوع والتهاون في سبيل تحقيق الحريات، فجاء شعره – في أغلبه - يحكي رواية ذلك الشاعر الذي أطلق صرخة الرفض بأعلى صوته الذي تصطك منه المسامع، وتتعرى به الحقائق عن كل ما يغلفها من زيف وخداع، بل حتى إنّ ذلك الصوت –لفرط شدته – قد جرح إحساسه المرهف وخيب أمانيه الجميلة التي طالما حلم بها.

ولكون موضوع (الرفض) قد تداخل في كثير من ثنايا شعره التي طبعها بطابع الثورة والمعركة الكبيرة في سبيل تحريرالإنسان من العبودية، فقد جعلنا نختاره عنوانا لبحثنا الموسوم بـ (الرفض في شعر الجواهري- من أنماطه وتجلياته -). ولعل ذلك الاختيار قد فرض علينا متابعة حياته واشعاره بكل تفاصيلها بغية التعرف عن كثب على الأسباب والمؤثرات التي عمقت عنصر الرفض لديه،

أما البحث فقد تكون من مبحثين سبقهما تمهيد تعرفنا من خلاله على مفهوم الرفض لغة واصطلاحا.وقد تضمن المبحث الأول الخوض في أبرز أنماط الرفض في شعر الجواهري وقد قسم على فقرتين تحدثنا في الأولى عن الرفض السياسي،فيما درسنا في الثانية الرفض الأجتماعي.

أما المبحث الثاني فقد تطرقنا فيه إلى رصد أهم تجليات الرفض في شعره وهي: الغضب والمزاج الثوري الذي غلب على شخصيته بفعل الظروف والمواقف التي واجهها، فالسخرية التي وظفها للتعبير عن كثير من حالات الرفض لواقع الناس ورضوخهم واستسلامهم للقدر، ثم الأغتراب الذي كان نتيجة لعدم تحقق أماله في تغيير لواقع المفروض واصلاحه وأعقب ذلك خاتمة مثلت أبرز النتائج التي توصل اليها البحث. وأخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد الهادي الأمين واله الطيبين وصحبه الميامين.

التمهيد

مفهوم الرفض

يقترب من معنى مفهوم الرفض في اللغة معناه في الأصطلاح, فهو في اللغة: الترك في أحد معانيه (1)، وهو في الشعر يعني معارضة النظام وأطر الحياة ومظاهرها، وأسباب هذه الظاهرة كثيرة، منها ما هو ذاتي خاص بالشاعر، ومنها ما هو موضوعي أو خارجي يُلقي بظلاله على الشاعر بوصفه واحداً من أبناء المجتمع وهذا الأخير (الموضوعي) يتعلق بالظروف السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية (2).ويرتبط مفهوم الرفض بمفهومين آخرين متلازمين، الأول: التمرد، وهو حركة فوضوية تصدر عن تجربة الفرد ويكون الرفض فيها لمجرد الرفض وبدون تقديم البديل ولكنه على الأعم الأغلب يؤدي إلى الفكرة. والثاني: الثورة، وهي حركة منظمة تبدأ من الفكرة وتحاول أن تدخلها في صميم الحياة وأن تشكل الفعل بما يتفق وهذه الفكرة حتى تخلق عالماً جديداً (3).

وإذا ما أراد الشاعر أن يصل بفنه إلى مرحلة ناضجة من مراحل الرفض فعليه أن يتخلص من أسر العالم الموضوعي ويبني خطابه الرافض لغويا بحيث يقوم بـ (أدلجة) خطابه الفني، بمعنى أن خطابه يرتكز على وعي الواقع، ولعل ذلك يفسرلنا سبب استهلاك بعض الأعمال الشعرية التي لا تعيش أكثر من يومها أو مناسبتهاالتي قيلت فيها، إذ لم تعبرعن واقعها تعبيراً لغوياً فنياً مؤدلجاً، ومن ذلك نخلص إلى أنّ أبهى صورة ممكنة للنص الشعري الرافض تلك التي تنتصر للفن بقدر ما تنتصر للأيدولوجيا لأنّ كليهما يتطلب الآخر ويعيش من خلاله.

ولا شك في أنّ نظرة الشاعر للحياة تفترض الاندماج فيها وتفهم أبعادها أولاً ثم يكون الموقف الذي يتبناه منها، غير متناسين أنّ لتجربة الشاعر وثقافته وظروف حياته وحياة الجماعة التي يعيش بينها دوركبير في بلورة الموقف الذي ينتهي إليه (4).

والجواهري واحد من الشعراء الذين ولدوا وولد معهم الرفض لكل ما يراه منافياً للقيم الراسخة والمتبلورة في المجتمعات المدنية الحديثة، فضلاً عن التقاليد والأعراف البالية، والطباع المتلونة التي تلونت بها شريحة واسعة من الناس قادة وحكاما ومسؤولين كبار في الدولة من جانب، ومن جانب آخر الشعوب أنفسها بما تمتعت به من رضوخ واستسلام وضعف.وهذا ماسنتناوله بالدراسة في المتن الشعري عند الجواهري

المبحث الأول: من أنماط الرفض في شعر الجواهري

 أولاً: الرفض السياسي

لقد عاصر الجواهري مرحلة سياسية مضطربة أثرّ فيها الفساد السياسي والاقتصادي تأثيراً كبيراً، فأحدث ذلك خللاً ظاهراً في التركيب الاجتماعي. وقد تعددت مصاديق ذلك الخلل، حتى شكلت قدحات شعرية استثمرها الشاعر لبناء واقع فني من ذلك الواقع الموضوعي الذي أستطاع أن يفلت من أسره، ويبني – عبر الرفض – عالماً فنياً لغوياً خاصاً. ولعل هذا الأمرهو أحد أسرار تميز الجواهري الذي تمتزج عنده الإنسانية بالشاعرية. وعندما ننظر إلى الشعر بوصفه إنجازاً لغويا وبناء واقع آخر عن طريق اللغة، فانّنا ندرك أنّ ذلك يعتمد على مدى تمتع الشاعر بحساسية عالية في النظر إلى المواقف، وقدرة خاصة على التعبير. وهذا ما يميز نصوص الجواهري الرافضة.

فقد ظهرت بوادر الرفض عنده منذ طفولته حينما تمرد على واقع دراسته التي فرضها عليه والده " القاسي الصارم " الذي سعى لإعداده كي يتبوأ مكانة دينية متميزة. وكان ذلك هو التقليد الجاري في الأُسر النجفية المعروفة، ولذلك فرض على الجواهري الصّبي منهجاً صارماً بعد أن ختم القرآن وأُلزم بحفظ خطبة من " نهج البلاغة "، وقطعة من " أمالي القالي " وقصيدة من ديوان المتنبي، ومادة من مواد كتاب " سليم صادر " في الجغرافيا يومياً. (5)

وقد عمقّ ذلك الإلزام في داخله الرفض لتلك الدراسة التقليدية " ولعل عقم الدراسة وطرقها الملتوية كانت السبب المباشر في تمرده عليها، كما أنّ ولعه بالشعر في وقت مبكر من حياته حرفه عن جدية الدراسة " (6)، على الرغم مما شاع في مجالس النجف من حلقات فكرية وثقافية مشحونة بالفكاهة والنقد. فضلاً عن الاهتمام بالحياة السياسية والقرب منها. فقد عاصر الجواهري تصاعد المد الوطني والثوري في العراق ابتداءً من ثورة العشرين التي كان لها صداها الواسع في مجتمع النجف بخاصة، والعراق بعامة، والتي جسدها شاعرنا في قصيدته " ثورة العشرين " التي شكلت أولى بذرات الرفض لديه. وقد اهتم فيها بتفاصيل تلك الثورة وثوارها، وقد توضّح من خلالها خطّه السياسي الثوري الرافض لكل أشكال التسلط والجور والظلم. واضعاً نصب عينيه حقيقة راسخة وهي أنّ النضال في تلك المرحلة العصيبة له طرفان: الشعب العراقي بجميع طبقاته في مقابل الإستعمار الأنكليزي والحكومة والمستغلين. وقد جعلته تلك الحقيقة " شاعر المعركة المزدوجة ضد الاستعمار وضد الاستغلال الطبقي الإقطاعي ثم الرأسمالي " (7).

إنّ فكرة الرفض السياسي عند الجواهري تتركز في دحض فكرة التخاذل والتهاون مع المحتل، أو مسايسة الحكام في التوصل إلى أنصاف حلول. فخطاب الجواهري الرافض ينبع من إيمانه الحقيقي بالشعب وقدرته على الانتصار على سلبياته، وإيمانه القاطع بأنّ القضية لا تحسم إلا بالكفاح المسلح وتقديم التضحيات السخية. فـ (الدم) هو الحل الوحيد لحسم الأمر، وإنّ أية محاولة أخرى نتيجتها – عند الجواهري – الرفض. فهو "يجعل من الشهادة جزءًا ضرورياً من التجربة السياسية والشعرية، إنها الفداء الذي يبحث عنه." (8)

لقد تجسد إيمانه هذا بسلسلة طويلة من القصائد الثورية التي تتحدث عن التحرر والشهادة والدم الغالي، ومن أهم تلك القصائد: يوم الشهيد، دم الشهيد، خلفت غاشية الخنوع، الفداء والدم، في مؤتمر المحامين، أخي جعفر، هاشم الوتري، عبد الحميد كرامي، المحرّقة، ستالينغراد،... وغيرها.

إنّ مواكبة الجواهري للأحداث وتعليقاته الدائمة عليها قد جعلت أسمه يتردد في المحافل العربية، وعُرف منذ ذلك الحين بالشاعر الثوري المتمرد الرافض للواقع العربي البائس، والمشارك الصادق في عملية النهضة الفكرية والتحررية للبلدان العربية.

ولعل أهم محطة في حياته هي مشاركته في معركة الجسر(وثبة كانون) عام 1948 ضد معاهدة (بورتسموث) التي تُعدُّ انعطافة مهمة في مسيرته النضالية والشعرية، وفي تاريخ العراق السياسي الحديث، فقد فيها أخاه جعفراً ضمن الشهداء الذين سقطوا على الجسر، فنظم على إثرها قصيدته الهادرة (أخي جعفر) التي يقول فيها (9) (من المتقارب)

 أتعلم أم أنت لا تعلم
فمٌّ ليس كالمدعي قولة
يصيحُ على المُدْقعين الجياع
ويهتفُ بالنفرِ المُهطعين
 

 

بأنَّ جراح الضحايا فمُ
وليس كآخر يسترحمُ
أريقوا دماءكُمُ تطعموا
أهِنوا لِئامكمُ تُكرموا
 

 

إنّ لغة خطاب الجواهري في قصيدته (أخي جعفر) تكاد تضج بمعاني الرفض في كل بيت منها، يحرّكه في ذلك الشعور بالألم والحزن على فقد أخيه، ولكن ذلك الحزن الذاتي قد سما وتكامل عنده ليصبح منطلقاً عاماً للتعبير عن كل معاني الثورة والمواجهة الحقيقية التي عمادها الدم والشهادة والثأر لجراحات الشعب.

لقد توالت المحن والمصائب على رأس الجواهري، وأكبر تلك المصائب همّه السياسي وأزمة المواطنة لديه والحرب الضروس التي شنها كبار الدولة عليه، حتى أصبحت الغربة والتشريد والعوز زاده في رحلته الطويلة، وبسبب من صراحته وجرأته في مواجهة الآخرين، ورفضه المجاملة على حساب نفسه ومواقفه الوطنية، فإنه وعلى أثر قصيدته (عبد الحميد كرامي) التي قالها في الحفل التأبيني الذي أقيم لتلك الشخصية عام 1951م، فإنه قد تعرض إلى الطرد من لبنان ومنع من دخولها مدة من الزمن، يقول:(10) (من الكامل)

باقٍ - وأعمارُ الطغاة قصارُ -
متجاوبَ الأصداء نفحُ عبيرهِ
 

 

من سِفر مجدك عاطر مَوّار
لَطْفٌ، ونَفح شذاته إعصار
 

-----

-----

 

 

تنهى وتأَمرُ ما تشاء عصابةٌ
خويتْ خزائنها لما عصفتْ بها الـشـ
واستنجدتْ - ودمُ الشعوب ضمانُها
 

 

ينهى ويأمرُ فوقها استعمار
ـهوات، والأسباطُ، والأصهار
ورفاهُها - فأمدّها "الدولارُ"
 

 

تُعَدُّ قصيدة الجواهري تلك واحدة من أعمق صور الرفض التاريخي لكل مظاهر الإنصياع والخضوع، بل هي ملحمة إنسانية سمتها الجرأة والتحدي والإفصاح عن كل خفايا النفس مهما كانت العواقب، فالجرأة في مواجهة الأنظمة الحاكمة - لدى الشاعر - بلغت مداها حين "تبلغ النفوس حناجرها ضيقاً بالأوضاع ونقمة عليها، ورفضا لها،وتطلعاً إلى التغيير العاصف، دون أن تجد هذه الأزمة ما يفرجها أو يفجرها" (11).

 وقد وجد الجواهري في نفسه ذلك البطل الشجاع الذي يحاول الاستعاضة عن الجمهور والقائد بنفسه، إذ عَدَّ نفسه "معادلاً موضوعياً لمجمل حركة الواقع وقواه، حتى لكأنه بإمكاناته وطاقاته الخاصة يشكل إحدى ظواهر الطبيعة الخارقة في جبروتها ومكابرتها واجتياحها " (12)، يقول في قصيدته (هاشم الوتري) (13):

(من الكامل)

وتقول كيف يظل نجم ساطع
الآن أُنبيك اليقين كما جلا
فلقد سكت مخاطبا إذ لم أجد
انبيك عن شر الطغام مفاجرا
 

أنبيك عن شر الطغام نكاية
لقد ابتلوا بي صاعقاً مُتَّلهَباً
 

حَشَدَوا علي الجوع ينشب نابه
 

فالأرض تشهد أنها خُضْبتْ دماً
ماذا يضرُّ الجوع ؟ مجدٌ شَامخٌ
إني أظل مع الرعية مرهقا
يتبجحون بأن موجاً طاغياً
كذبوا فملءُ فم الزمان قصائدي
تستل من أظفارهمْ، وتحط من
أنا حتفهم ألج البيوت عليهمُ
 

 

ملء العيون عن المحافل غائباً
وضح الصباح عن العيون غياهبا
من يستحق صدى الشكاة مخاطبا
ومفاخرا, ومساعيا, ومكاسبا
 

بالمؤثرين ضميرهم والواجبا
وقد ابتليت بهم جهاماً كاذبا

في جلد أرقط لا يبالي ناشبا

منّي، وكان أخو النعيم الغاضبا
أني أظلُّ مع الرعية ساغبا
إني أظل مع الرعية لاغبا
سدوا عليه منافذاً ومساربا
أبدا تجوب مشارقاً ومغاربا
أقدارهمْ، وتثلُّ مجداً كاذبا
أُغري الوليد بشتمهمْ والحاجبا
 

 

فالصوت الهادر للشاعر لم يعرف اليأس أو الخوف من المواجهة والبحث عن أرض خصبة تستقبل أفكاره وتستوعبها، فيظل طائفاً بين الأمصار بحثاً عن ذلك الصدى الذي يستجيب لدعواه، في جدلية طويلة النفس بين الإيمان بمقدرة الشعوب على التحرر وبين الاستسلام إلى أنهم محض طين لا يقوى على شيء... ولا يدري شيئاً مما يراد له.

وبمرور الزمن يتطور فعل الرفض عند الجواهري، فمن الرفض العفوي إلى الرفض الواعي الذي يعتمد ثقافة متحررة من القيود والنزعات الذاتية. فتمرد الجواهري في الثلاثينيات يُعدُّ مجرد فعل هجائي مشوب بالقلق والرفض المطلق للسلطة ورموزها، لأنها أساس العنف وشل طاقات الشعب المادية والمعنوية، كما في قوله: (14)

 (من الطويل)

لعمرك في الشعب افتقار لنهضةٍ
فأما حياة حــــــــــــــــرة مستقيمة
وإما ممات ينتهي الجهد عنده
وإلا فلا يُرجى نَهوض لأمةً
 

 

تُهيّج منه كل أشأم أربد
تليـق بشــعب ذي كيـان وسؤدد
فتعذر فأختر أي ثوبيك ترتدي
تقوم على هذا الأساس المُهدَّدِِ
 

 

وكما تتطور لغة الجواهري وأسلوبه الشعري، فإنّ نظراته السياسية والاجتماعية أخذت بالنمو الطبيعي والاكتمال بسبب ما كان يسود المجتمع من سلبيات، فـ "الأحداث التي عصفت بالعراق، وتغلغلت في وجدان الجواهري ووعيه هي التي ولّدت عنده الرفض، وهي قيمة ثابتة، ولكنها ليست قيمة دلالية فحسب، بل هي تشكيلة جمالية تكمن وراءها قيمة فاعلة، تتمثل في الفعل الإرادي الرافض للواقع " (15)، وهذا ما جعل مرحلة الأربعينيات والخمسينيات من أحفل المراحل وأخطرها في حياة الشاعر، لأنها دقيقة وحاسمة على الصعيد الوطني من جهة، ولأنها قاسية وثقيلة على الشاعر نفسه من الجهة الأخرى. فمن أهم عوامل الوعي بالأزمة السياسية استعداد الشاعر الداخلي للتجاوز، فهو في تمرد دائم، ونزوع إلى التجديد، ورفض للبقاء على حالة السبات التي تعيشها الشعوب فنظرته إلى الواقع كانت " تنحو منحى علميا يربط الظواهر بأسبابها الموضوعية، فالفقر والظلم وامتهان كرامة الإنسان وسلب حريته هي نتاج مباشر أحيانا أخرى لفلسفة الحكم وسياسة الحكام " (16)، يقول:(17)

 (من الطويل)

ويا من تبناه "التمرد" يافعاً
تغَنَّ بـ "تموز" فتموز ماردٌ
..................

تنصب "عملاقا" عليه مخايلٌ
 

 

وكهلاً، ومن ناغى التمرد أشيبا
تخطى عقيمات العصور وأتعبا
 

تزكيه "في العشرين" شيخاً مجربا
 

 

فمن التمرد إلى الثورة المنظمة التي استوت أبعادها لديه، يقول: (18)

 (من الطويل)

لو أنّ مقاليد الجماهير في يدي

لَوَ الأمر في كفي لأعلنت ثورة
على كل رجعي بألفي مناهض
 

 

سلكتُ بأوطاني سبـيل التمردِ

على كلِّ هدامٍ بألفِ مشيدِ
يُرى اليوم مستاء فيبكي على الغدِ
 

 

ثانياً: الرفض الاجتماعي

نشأ الجواهري في بيئة تملؤها التناقضات وتسودها الطبقية والمحسوبية، وقد ترك ذلك أثره في نفسيته،فقد بدأ يناقض نفسه أحيانا، فهو حينما خرج على سلطة البيت والمدرسة والمجتمع والبلاط، كان يتصور أنها سجون كبيرة مخيفة، ولكن ذلك لم يؤثر تأثيراً عميقاً فيه، فهو من الناحية العقلية والفكرية كانت شخصيته منفتحة على كل جديد، فهو يمقت العقم والجمود، كما يكره الرتابة والتكرار، ويرفض القيود والأعراف التي تفرض عليه، ويحارب التعصب الديني والعرقي وهو بالتالي يجمع بين الرقة والخشونة، كما يقرن التطرف بالاعتدال، يقول عن نفسه:(19)

 (من البسيط)

واهاً لنفسي من جمع النقيض بها
 

 

نقيضه جمع تحريك وتسكين
 

 

ومن أُولى اهتمامات الجواهري الاجتماعية قضية الطبقية ورفضه التام لها ونضاله الطويل في سبيل الفقراء والمحتاجين، فضلاً عن اهتمامه بالطبقة العمالية التي طالما نادى بحقوقها في محاولة لطرح فلسفته الخاصة عندما أظهر ميلاً إلى اليسار والحركات الاجتماعية التقدمية، يقول: (20)

 (من البسيط)

لكن بي جنفاً عن وعي فلسفة
وأن من حكمة أن يجتني الرُّطبا
 

 

تقضي بأنَّ البرايا صنفت رتباً
فرد بَجهدِ ألوفٍ تعلك الكربا
 

 

فقد أخذ على نفسه مهمة الدفاع عن الطبقات المسحوقة في قصائد متعددة مثل: (الإقطاع)، و (عقابيل داء)، و (العدل)،.... وغيرها. يقول من قصيدته "الإقطاع":(21)

 (من الطويل)

ألا قوة تسطيع دفع المظالم
ألاأعين تلقي على الشعب هاويا
وهل مايرجي المصلحون يرونه
تعالت يد الإقطاع حتى تعطلت
وحتى استبدت بالسواد زعانف
 

 

وإنعاش مخلوق على الذل نائم
الى حمأة الادقاع نظرة راحم
مواجهة أم تلك أضغاث حالم
عن البت في أحكامها يد حاكم
الى نفعها تستاقه كالبهائم
 

 

ولعل من أبرز بواعث الرفض الاجتماعي عنده هو الإحساس الشديد بالغبن والضيم الذي لاقاه على أيدي أهل السلطة من طعن في النسب والإنتماء الوطني والقومي واتهامه بالشعوبية مما ترك آثاراً نفسية عميقة الجذور في داخله، فضلاً عن عدم استيعابه التام لتناقضات المجتمع فهو يجاري التقاليد الاجتماعية وينغمس في حمأة الجنس وطلب الغفران الاجتماعي كما في قوله من قصيدة (النزغة): (22)

 (من الخفيف)

استفيقي لابد أن تُشبهي الدّهـ
لــــــــك فـــي هذه الحياة نصـــيب
 

الف إيحاشة من الدهر قد غطـ
ليلة تغضـــب التقـــــاليد في النا
من ليالي الشــــــــــباب بسامة إن
 

 

 

 

ـر إنقلاباً وأن تحاكي أناسه
إغنـميــه إنتــهـازة وإفتــــراســــة
 

ـت عــليها فـــــــي ليـــــــلة إناسة
س وترضي مشاعرا حساسة
ليـــالي جــلــــها عــبــاســــــــــــة
 

 

فعلى الرغم من إحساسه العميق بقمع الذات المتمثل في موقفه الرافض لتلك التقاليد وذلك التحجر الاجتماعي الذي حاول اختراقه بقصدية تامة انعكست في قصائده الغزلية الحسية الذي يظهر فيها عناده و رفضه الانصياع إلى ما أحكم قبضته رجال الدين في وقتها، ومن أبرز تلك القصائد المتمردة (جربيني) و (النزغة)و (ليلة معها) و (عريانة) وغيرها.

وعلى الرغم من إنّ الجواهري قد ولد لإحدى العوائل النجفية المتدينة إلا انّ نازع الرفض والتمرد في داخله قد بدأ يكبر مع كل موقف من مواقف رجال الدين الذين يناقضون أنفسهم، ويحللون لها ما يحرمونه على غيرهم،من ذلك المنطلق بدأ الجواهري هجومه عليهم ورفضه لدينهم، يقول في قصيدته "جربيني": (23)

 (من الخفيف)

أنا ضد الجمهور في العيش والتفـ
كل مافي الحياة من متع العيـ
التقاليد والمُداجاة في النّا
 

 

ـكـير طُراًّ، وضدُّه في الــــــديــن
ـش ومن لذة بها يزدهيني
س عدوٌّ لكل حرٍّ فطين
 

 

فرجال الدين ورجال الدولة وحكامها أيضا باتوا- في نظره - لا يختلفون كثيرا في استغلالهم الشعوب ومحاولاتهم إسكات صوت الحق والمطالبة باستحقاقات الشعوب. فمحاولة المثقفين أمثاله تتجسد في رفضهم آراء الناس وتفكيرهم الرجعي، يقول في قصيدته (رجعيون):(24)

 (من الطويل)

ستبقى طويلا هــــــذه الأزمـــات
اذا لم ينـلــها مصلـــحون بواســـــل
سيبقى طويلا يحمل الشعب مــكرها
قيودا من الأرهاق في الشرق احكمت
ألم تر أن الشعب جل حـــــقوقــــــه
 

 

اذا لم تقصر عمرها الصدمات
جريئون فيما يدعون كفاة
مساوىء من قد ابقت الفترات
لـتسخـير اهلـيه لـها حـلقــات
هي اليوم للأفراد ممتلكات
 

 

أما قصيدته(علموها) فقد نظمها عام 1929م،وجاءت تأييدا لفتح مدرسة للبنات في النجف،وقد واجه افتتاحها معارضة بعض العلماء،يقول:(25)

 (من الخفيف)

علموها فقد كفاكم شنارا
وكفانا من التقهقر أنا
هده حالنا على حين كادت
 

قادة للجمود والجهل في الشرق
لو بكفي ملأت دور المحـاميـ
ازدراء بالدين أن يحسب الديـ
وبلاء الأديان في الشرق هوج
 

 

وكفاها ان تحسب العلم عارا
لم نعالج حتى الأمور الصغارا
أمم الغرب تسبق الاقدارا
 

على الشعب تنصراستعمارا
ـن عن المرأة الجهولة نــارا
ـن بجهل وخزية أمارا
 باسمه ساموا النفوس احتكارا
 

 

فقد تحدّث في مذكراته عن حجم الإشكالات التي سببها للملك فيصل الأول بسبب أشعاره المتمردة وسلوكه المتطرف، يقول: "ومع ذلك كان يتحملني، فثمة قصائد أقامت الدنيا ولم تقعدها مثل قصيدة "الرجعيون" و "جربيني" التي انتقدت فيها العلماء علماً بأن عائلتي تنتمي إلى هذه الفئة" (26).

أما عامل الفقر فقد كان بالنسبة للجواهري رأس المصائب والبلاء، والعلة التي ليس لها دواء، فقد ورث عن أبيه الفقر والخصاصة وعزة النفس أيضاً، إذ نشأ في أسرة عفيفة لم تحظ من المال والأملاك كما حظيت به الأسر النجفية الأخرى،مما كان له تداعياته الخطيرة في نفسيته وفي شخصيته أيضاً، إذ أدخله ذلك في مطب التناقضات والأماني بين أن يصبح غنياً وصاحب جاه ومركز سياسي واجتماعي يناسب عبقريته وإمكاناته وبين فشله في تحقيق تلك الأماني ومواصلته مسيرة الفقراء ودعوتهم إلى الثورة على أصحاب الملك والسلطة، يقول: (27)

 (من البسيط)

أكاد أخرج من جلدي إذا اضطربت
أقول لو كنز قارون وقد علمت
أقــــول:ماكنز قـــارون, فـــيدمغني
أقول: ليت كفافاً والكفاف به
 

 

هواجـسُ بينَ إيـــقاظ وتــــظنــين
كفاي أن ليس يجدي كنز قارون
أن الخصاصة من بعض السراطين
رحبُ الحياةِ وأقوات المساجين
 

 

وكذلك يقول: (28

 (من الطويل)

تعرّف إلى العيش الذي أنا مرهقٌ
تجدْ صورةً لا يشتهي الحر مثلها
تجدْ حنقاً كالأرقم الصّلّ نافخاً
 

 

به وإلى الحال التي أتكلّفُ
يسوءُ وقوف عندها وتعرّفُ
وذا لبدٍ غضبان في القيد يرسفُ
 

 

فحرب الجواهري حربان، حرب ضد نفسه وأمانيه الضائعة، وحرب ضد المجتمع وتهاونه في حق نفسه، وهذا الحال قد عمق المأساة في داخله وجعل "بذرة الرفض تنمو على ضفاف الواقع" (29).

ولعل هذا ما أوصل الشاعر – أحياناً – إلى مرحلة قاتمة يغلفها اليأس والتشاؤم، يقول في قصيدته "تائه في حياته" (30).

 (من الخفيف)

قلّ صبري على زمان ألدِّ
وتقــــاليـــــد لا تـــطاقُ ونـــــــاسٍ
...................................
حمــلت همهـــم ورحــــتُ غريـــباً
...................................
كيف يسطيع رسم المسرّا
تائه في حياته ليس يدري:
 

 

وخطوبٍ ألبسنني غيرَ بُردي
لا يجـــيدون غير لـــــــؤمٍ وحــــقدِ

عنهم حــــــاملاً همومي وحــــدي

ت نزيلٌ في غرفة مثل لحدي
أي باب إلى السرور يؤديِ
 

 

 فالواقع الاجتماعي اليائس، ويأس الشاعر من الإصلاح وإغراء الناس بالثورة على المستغلين والطامعين قد أورثه الحزن والتشاؤم، وكراهة العيش في العراق وهو حبيبه الأثير، يقول في قصيدته "المحرّقة": (31)

 (من الطويل)

ذممتُ مقامي في العراق وعلني
لعلي أرى شبراً من الغدر خالياً
 

 

متى أعتزم مسراي أن أحمد المسرى
كفاني اضطهاداً أنني طالبٌ شبراً
 

 

المبحث الثاني: من تجليات الرفض في شعر الجواهري

أولاً: الغضب والمزاج الثوري

لقد ظهرت جلياً نقمة الجواهري وغضبه على الناس والمجتمع والكون بأسره كونهم لم يستجيبوا لدعوى الثورة والتمرد على الظلم والطغيان الذي أجهد نفسه في الدعوة إليهما . ولعل ذلك الغضب نابع من المزاج الخاص الذي ميز شاعرنا،فالاضطراب والتناقض واضحان عنده، وهما نتيجة طبيعية لسلوك شاب أمتلك الطاقة الشعرية التي أخرجته إلى معترك الحياة وتعقيدات العصر والمجتمع وهو يواجه خيبة الأمل في استقلال بلاده واستحالة تحقيق العدالة والتقدم فيها، وهذا ما عمق في داخله الشعور بالغضب،وخلق في داخله هاجسا يناديه دوماً إلى الثورة والتمرد،إذ غالبا ما يكون الباعث وراء نظم القصيدة عند الجواهري التأزم والقلق، يقول: " إني أجيد الشعر حين أنوح " (32)، يقول (33):

 (من مجزوءالرمل)

لا أريد الناي إني
عازفاً آناً فآناً
البلايـــــــــا أنطقتـــه
حافظا كل الذي مـــر
سيء الحال ولــكــن
حجز الـهم علـى أنـ
 

 

حاملٌ في الصدر نايا
بالأماني والشكايا
سامــــح الله البلايـــــا
عليــــــــه كالمــــــرايــا
حسنت منه النـــــــوايا
ـفـــاســه الا الـبــقـــايا
 

 

إنّ اعتزاز الشاعر بنفسه وبشاعريته قد وسعّا من دائرة الفخر والمكابرة اللذين يعكسان طبعه الحاد ومزاجه الثوري " إذ كانت نفسه نزاعة......فلم تتمكن منه التربية القديمة وانحسرعن نفسه ذلك الظل الذي انتقل إليه بالوراثة.....فنشأ في ذلك الدور الحساس وبنى نفسه بنفسه وكوّن له شخصية أدبية ممتازة " (34)، يقول في قصيدته "ثورة نفس", يقول (35):

 (من الطويل)

سكّتُ وصدري فيه تغلي مراجلُ
..............................
طموح إلى الحتف المُدبر قادني
...................................
وروضت بالتوطين نفسا غريبة
 

 

وبعض سكوتِ المرء للمرء قاتل
ُ
وقديزهقُ النفسَ الطموح المعاجل

تراني وما تبغيه لا نتشاكل
 

 

وكثيرة أشعار الجواهري التي تعكس النزاع الحاد بين ذاته المتمردة التي تشعر بالغبن والضيم من عدم استحصالها الاستحقاقات المناسبة لمكانته وعبقريته، وبين صّب جام غضبه على ذاك المجتمع الذي دخل في غيبوبة الصمت الطويل والرضوخ المؤلم، فلا يستطيع الشاعر – في هذه الحالة – أن ينسلخ عن مجتمعه ولا يستطيع أن يستمر معه ولايرى فيه استجابة، يقول عن شعبه (36):

 (من الطويل)

ألا إنّ هذا الشعب شعب تواثبت
مقيم على البلوى لزاماً إذا أنبرتْ
يجوز عليه الحكم من متآمر
مساكين أمثال المطايا تسخرّت
فلا الحكم بالحكم الصحيح المتمم
 

 

عليه صروف الدَّهر من كل مجثمِ
له نكبة عظمى تهون بأعظم
وتمشي به الأهواء من متزعم
على غير هدي منهم، وتفهم
ولا الشعب بالشعب الرزين المُعلَّمُ
 

 

فالعلاقة بين الجواهري وشعبه وثيقة جداً وهي تفسر لنا سبب اضطرابه وتناقضه بين حبهم وكره استكانتهم، "وتكشف مدى ما يتمتع به الأديب من درجات العقم والولادة في حالتي التواصل والتفاصل، وحيث يتوغل الأديب في أعماق المجتمع تتبدى له مجموعتان من القيم: مجموعة يحترمها ويعتنقها، وأخرى يجد نفسه معها متناقضاًُ رافضاً " (37).

إنّ جدلية الإيمان المطلق بالشعوب وإرادتها وعزيمتها الجادة في تحقيق النصر، وبين يأسه وقنوطه مما تقع عليه عينه من ضعف وخور في تلك الإرادة قد رافقت الجواهري في مراحل خطيرة من حياته وحياة العراق السياسية. إذ يبقى الجواهري ممزقاً في تردده بين إيمانه العميق بالثورة الذي استحال عنده عقيدة وأيديولوجية واضحة، وبين اليأس من النهوض بثورة عارمة في العراق تحرق الأخضر واليابس كما يريد هو، وبغضب عارم يواجه ذلك المصير المجهول في قصائد ثورية غاضبة هزت الدنيا، يقول من قصيدته "ثورة الوجدان" (38):

 (من البسيط)

ســـكـتُّ حتـى شكـتني غـرُّ أشــعــاري
سلطت عقلي على ميلي وعاطفتي
ثر يا شعور على ضــــيم تكــــــــابده
.....................................
لو في يدي لحبستُ الغيث عن وطن
ما عابني غير أنّني لا أمدُّ يداً
 

 

واليوم أُنطق حــُراً غـــير مهــــــذار
صبرا كما سلطو ماءً على نارِ
أو لا فـــــلست عـلــى شــيء بــثَـوار

مُستسلم وقطعت السلسبيل الجاري
إلى دنيءٍ وأني غيرُ خوّار
 

 

إن الصدمات التي واجهها الجواهري قد طبعته بطابع يكاد يلازمه إلى أُخريات عمره، بالرغم من تهادنه قليلاً

وانخراطه إلى طريق النصح والإرشاد والتوعية إلا أن دلك سرعان ما ينقلب ليعود الشاعر إلى طبيعته الانفعالية الغاضبة فهو بحق شاعر التمرد الذي ألهم الثوار في العراق وفي بلدان أخرى الشجاعة والإقدام والتفكير بمصير الشعوب إذا ما بقيت رازحة تحت نير الاحتلال واستبداده، يقول في قصيدته "ذكرى أبي التمن" (39):

 (من الكامل)

إيه شباب الرافدين ومن بهم
الحاملين من الفــــــوادح ثقــــــــلها
والذائدين عن الحياظ اذا انتحت
والباذلين عن الكرامة – أُرخصتْ -
الفقر اذ طرق الغنى مفتوحة
ومؤججين نفوسهم وقلوبهمْ
والحابسين زئيرهم بصدورهم
 

 

يرجو العراق تبلّج الأسحار
ليسوا بأنـــــــــكاس ولا أغــــــمارُ
كرب ولاذ مكابر بفرار
أغلى المهور وأفدح الأسعار
والبؤس اذ غدق النعيم جواري
شُعلاً يسير على هداها الساري
فإذا انفجرن به فأي ضواري
 

 

فالمقطع السابق وإن كان يبدو فيه الشاعر هادئاً ووديعاً في فخره واعتزازه بشباب الرافدين إلا أنّ الخطاب الغاضب قد انعكست ملامحه في بيان مدى ما يصوره من وعورة درب النضال والجهاد الذي تتطلب الحرية فيه (أغلى المهور، وأفدح الأسعار) وهي بلا شك (الروح)، فضلاً عما يرسم للثائر من صورة المجاهد المزجج بالإيمان والإصرار اللذين يمنحانه القوة التي قد لا يمنحها السلاح وهم الذين يحبسون في صدورهم الضيم والإحساس العميق بالظلم والاضطهاد الذي سينفجر حتماً في المواجهة مع الأعداء.

وللجواهري قصائد رائعة تصف مشاعره الغاضبة التي أعياها التمرد دون طائل يرتجى حين وصل إلى نهاية مسدودة، ورأى إن الواقع برمته بات مهزلة كبرى، وإن سكوت الناس لا يمكن السكوت عنه، فاندفع بقصيدة "أطبق دجى" التي تعد واحدة من أكثر قصائد الغضب تأثيراً ونقلاً للواقع النفسي المتأزم الذي وصل إليه الشاعر، يقول (40):

 (من مجزوء الكامل-المذيل)

أطبق دُجى، أطبق ضبابْ
أطبق دخانُ من الضميـ
أطبق دمارُ على حُما
أطبق جزاءُ على بُنا
أطبق نعيبُ، يُجب صدا
أطبق على متبلديـ
لم يعرفوا لون السما
 

 

أطبق جهاماً يا سحابْ
ـرمُحَّرقاً أطبق عذاب
ة ذمارهم، أطبق تباب
ة قبورهم أطبق عقاب
ك البومُ، أطبق يا خراب
ـنَ، شكا خمولهم الذباب
ءِ لِفَرْطِ ما انحنت الرقاب
 

 

ويستمر الجواهري بالهجاء وإنزال أسواط الغضب والسخط على الناس المتخاذلين الذين أوصلوه إلى هذه المرحلة اليائسة من الإصلاح، فنزلت كلماته حمماً مسنونة على رؤوس الضعفاء من أبناء شعبه، حتى يصل غضبه قمته فيختتم قصيدته بالمقطع الذي ابتدأ فيه، وهو دليل إصرار كبير وإيمان كامل بما يقول لفرط يأسه وجزعه في موقف " يتدثره فيه الهم ويعتصره الألم.... متفجرا بغضب دونه سقر... وحرد لا يُعرف لهياجه حداً، حنقاً على المتخاذلين المتواكلين الذين لزموا الصمت وآثروا انتظار رحمة القدر بهم ورعايته لهم " (41)، يقول (42):

 (من مجزوء الكامل-المذيل)

أطــــبق دجـــــــى لايـــنــبـــلــــــــج
أطبق فتحت سماك خلـ
لا ينفتح – خوفاً عليـ
أطبق إلى يوم النشو
 

 

صبــــــــح ولايخـــــــفق شهـــــاب
ـقٌ في بصائره مصاب
ـه ! من العمى للنور باب
رِ ويوم يكتمل النصاب
 

 

وتتطور لغة الغضب القاسية لديه لتتساوى عنده الأضداد ويظهر الجزع والمرارة في فم الشاعر وهو يراقب أحوال الناس وهي تؤول من سيء إلى أسوأ يقول (43):

 (من الخفيف)

ونجي مثلي غبي وحمل الـ
من أولاء الذين يسخر راعٍ
قال: والحال: قلت: أني من حا
قال: والناس، قلت: شيء هراء
 

 

ـمـرء هم المغفلين غباء
ورعايا منهم، وذئب وشاء
ل هباء خلو كهذي براء
خدم عند غيرهم أجراء
 

 

ثانياً: السخرية

لطالما قاد الغضب والمزاج الخاص للشاعر الجواهري إلى السخرية المرة من الناس، وقد جسّدت رفضه التام لكل أنواع التخاذل والاستسلام للأقدار في نوع من التحدي الصارم لكل النظم التي تَحُد من حرية الإنسان وكرامته. وهو في تحديه قد يلجأ إلى سخرية موجعة ليس كمثلها الغضب ذاته في مخاطبة الحكام المتخاذلين. فهو أحياناً يخاطبهم بألفاظ موسيقية، ولكن موسيقاها تكليم وإثخان، يقول في قصيدته "ما تشاؤون" بوزن يتراقص على الشفاه وطيّه خناجر مسلولة (44):

 (من مجزوء الخفيف)

ما تشاؤون فاصنعوا
فشبـــــاب يخيفكــــــم
وضميــــر يهزكــــــــم
ولسان ينوشكم
ما تشاؤون فاصنعوا
 

 

كلُّ عاص يطوّع
للمطاميــــــر يدفــــــع
بـ (الكراسي)، يُزعزعُ
بالدنانيـــــر يُقطــــــــع
جوِّعوهـــم لتشبعـــــــوا
 

 

إن الأسلوب الساخر من الحكام في هذه القصيدة يتميز بالجدية والإغراء الذي ابتدأ به قصيدته: "ما تشاؤون فاصنعوا.... فرصة لا تضيع" ذلك الإغراء الذي حاول من خلاله أن يموِّه عليهم ما يضمر من احتقار لهم وحنق عليهم وسخرية بهم فهذا "الجد الساخر، والسخرية الجادة لهما منطقهما الذي ليس لأحد أن يتجاوزه دون أن يخرج على المبادئ الأولية التي يحكم علاقتهما بالنفس البشرية" (45).

فالتوقد الذي يميز الجواهري في مرحلة الأربعينيات وما بعدها هو توقد التجربة السياسية وهي في أشد حالاتها القصوى تطرفاً، فهي تجربة المجابهة والمقارعة والقتل،فالبيئة التي عاش فيها الجواهري قد طبعته بطابع الانفعال كما هو حال العراقيين. وقد قيل (قل لي أين تحيا، أقل لك من أنت ؟) (46).

ففي قصيدة "ذكرى أبي العلاء" يجسَّد الشاعر موقفه الرافض لأولئك الدعاة الذين امتصوا دماء الشعب، يقول (47):

 (من البسيط)

وهؤلاء الدعاة العاكفون على
الحابطون حياة الناس قد مسخوا
والفاتلون عثانيناً مهرأة
 

 

أوهامهم صنماً يهدونه القربا
ما سنّ شرع وما بالفطرة أكتُسبا
ساءت لمحتطب مرعى ومحتطبا
 

 

إنّ الدافع الحقيقي وراء تلك اللهجة الساخرة وهو يصف فيها أولئك الحكام، هو حرص الشاعر الكبير على المصلحة العامة للشعب الذي يعده أمانة بأيديهم، ولكن حينما ننظر إلى الحقيقة بإمعان نرى إن تلك الجماعة لا تستحق – أصلاً – ما هي عليه من مكانة وسلطة وجاه، فضلاً عما هم عليه من استغلال الناس ونهب خيرات البلاد، فهم يخدعون الشعب باسم الدين وباسم الوطنية وبمسميات كثيرة أخرى، ولكن هل يفوت ذلك على شاعر كالجواهري ؟؟.

بالتأكيد (لا)، فهو الشاعر الذكي الفطن الجرئ الثائر الرافض لكل ما يحصل، وحين يواجههم فإنه لا يحابي ولا يهادن، وإنما يقول كل ما في قلبه من دون خوف من سجن أو اعتقال أو موت حتى.....يقول رداً على اتهامات بعض الأشخاص الحاقدين، (48):

 (من البسيط)

عـــــدا عــــلي كــما يستكلب الذيب

...............................
اني لأعذر "أحراراً" إذا برموا
والصابرين على البلوى إذا عصفوا
والخـــــابــــطيــن بـــظلـمــاءٍ كأنهمُ

................................
منافقون يرون الناس أنهم
وأنهم قادة صيدً وأنهم
 

 

خـــــلــق بــبــغــداد أنــــماط أعاجيب

بالحر يلويه ترغيب وترهيب
بالصابر الشهم آذته المطاليب
بغل الطواحين يجري وهو معصوب

شمٌّ أباة، أماجيد، مصاحيب
غرّ المصابيح والدنيا غرابيب
 

 

وطالما سخر الجواهري من (زخرفة النظم) وخداع الحكام للناس، يقول في قصيدته "يانديمي" (49):

 (من الخفيف)

يا نديمي: وما هي القيم
شاءهن الخصيم والحكم
من رعاهنّ فهو محتشم
 

 

غير ما زُخْرفت به نظم
وحماهن صارم خذم
أو جفاهن فهو متهم
 

يا نديمي: ومن لظى سقرِ

صــيغ هــــذا اللجام للبشرِ

 

فمخاطبته "النديم" هو صوت المرارة والحنق على الحكام والمحكومين، ولعل هذا الموقف يساعدنا على استكمال أبعاد الصورة الانفعالية التي ينوء تحت وطأتها الشاعر حتى يصل إلى مرحلة خطيرة تعكس آلامه وامتعاضه الشديد من الناس، يصل إلى درجة السخرية الحانقة عليهم، وذلك في قصيدته "تنويمة الجيّاع" وهي احدى أكثر قصا ئد الجواهري سخرية وقدحاً وحنقاً على الناس، يقول (50):

 (من مجزوء الكامل-المرفل)

نامي جياع الشعب نامي
نــــامـــي فـــــإنْ لـــــم تشبعي
نــامــي عـــلى زبــــد الوعــود
نامي تزرك عرائس الـ
تتنوري قرص الرغيـ
 

 

حرستك آلهة الطعامِ
مــــن يقظــــة فــمن المنامِ
يـــداف فــــي عسـل الكلام
أحلام في جنح الظلام
ـف كدورة البدر التمامِ
 

 

لقد بدأ الجواهري قصيدته بصيغة الفعل (نامي) وهذا الفعل لا يراد منه الرؤيا السكونية للحياة –إذا ما تتبعنا دلالته – بل الاستجابة لروح العصر،فكان هذا الفعل مضمونا وشكلا فنيا دقيقا يحمل إيحاءات جديدة عليه، إذ فقد دلالته الحقيقية إلى دلالة مجازية مناقضة لها تماما، وهنا تكمن الشعرية إذ حققت هذه المفارقة خرقا للمألوف وكسرا لطوق الدلالة المعجمية بإنجاز لغوي فني فأضاف بذلك للقصيدة شحنات من الشعرية وهو يبني أو يشكل بنية للرفض عبر نصه الإبداعي (51)

والقصيدة تبنى على فعل الأمر (نامي) الذي يتخذه الشاعر ركيزة لقصيدته،فقد تكرر هذا الفعل (59) مرة خاطب فيه (جياع الشعب) بأسلوب ساخر يهدف الى التحريض والثورة وتلك هي النقطة الحساسة التي يسلط التكرار الضوء عليها.(52)، وهذا التكرار أيضا تكرار نغمة يتقصدها الشاعر "حيث يكسب التكرار المقطع الأول جاذبية خاصة وتناسقا في الإيقاع الداخلي أو التشديد على المعنى "(53).

وقد أفاد الشاعر من وسيلة تكرار الفعل (نامي) في استحضار الصورة الشائعة من هدهدة الأم لطفلها كي ينام وما لذلك من سحر على الطفل،إذ جعل تكرار الفعل أداة سحرية يخضع المخاطب إليها ويستجيب لها بفعل قدرة الشاعر القوية على التخييل وتوليد الصور وبراعته اللغوية بالشكل الذي يجعله يمتلك على المتلقي حواسه كلها في خضم هذا التراكم الصوري الذي يتوخى منه الشاعر استجابة مغايرة تماما لفعل الأمر (نامي)،وهذه المفارقة سر من أسرار تميز الجواهري في تشكيل بنية الرفض في هذا النص الشعري.

 والجواهري إذ يتوجه الى بناء نصه الرافض عن طريق الفعل في هذه القصيدة فإن ذلك يعود الى طبيعة الفعل نفسه والتي تتصف بالدلالة على الحركة والاضطراب (54). فالشاعر يحاول استنهاض الشعب للقيام بالثورة تعبيرا عن رفضه لفساد النظم الحاكمة، ولذلك يلتفت الى ذلك المضمون بنائيا فيعمد الى ما يتصف بالحركة من الأساليب النحوية،لأن رفض النظم والثورة عليها يعني الحركة والاضطراب،وبذلك يلائم الشاعر بين المضمون وبنائه،ولكي يكمل بناء صورة نصه الرافض فإنه يجئ بالقوافي أسماء،ذلك لأن الأسماء تدل على الثبات (55) , وفي ذلك اشارة الى تسلط الأنظمة الحاكمة المستبدة عبر ثباتها في الحكم.

وقد تتراءى لنا المتناقضات العميقة بين الواقع المزيف والحقيقة المرة التي عرض الجواهري كثيراً من تفصيلاتها في قصيدته تلك،وذلك في قوله(56):

نامي على مـــــهد الأذى
واستفرشي صم الحصى
نامي فقد أنهى "مجيـ
نامي فقد غنّى "إلـ
 

 

وتوسّــــدي خــــــدَّ الرَّغام
وتلحفي ظلل الغمام
ـعُ الشعبّ" أيام الصيام
ـه الحرب" ألحان السلام!
 

 

فـ "مُجيع الشعب" و "إله الحرب"،تعبيران يتمخضان عن سخرية لاذعة يجابه بها الشاعر أبناء شعبه الغُفَّل عما يحيط بهم من وعود كاذبة وبيانات زائفة تريهم الظلام نوراً، ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، يقول(57):

نامي جياع الشعب نامي
والشمس لن تؤذيك بعـ
والنور لن "يُعمي!" جفو
نامي كعهدك بالكرى
نامي غداً يسقيك من
 

 

الفجر آذن بانصرام
ـدُ بما توهّج من ضرامِ
ناً قد جبلن على الظلامِ
وبلطفه من عهد "حامِ"
عسل وخمر الفَ جامِ
 

 

ومن معاني السخرية الأخرى التي عكستها تلك القصيدة سخريته من رجال الدين ورجال السياسة الذين خدّروا الشعوب بخطاباتهم الكاذبة ونصائحهم المزيفة، يقول(58):

نامي على تلك العظا
يوصيك أن لا تطعمي
يُوصيك أن تدعي المبا
وتُعوضي عن كل ذ
نامي على الخطب الطّوا
---

---

نامي يُرَحُ بمنامك الز
نامي فحقكِ لن يضيـ
إن "الرُّعاة!" الساهريـ
 

 

ت الغُّرِّ من ذاك الإمام
من مال ربّك في حطام
هج واللذائــــــــــذ لِلئــــــامِ
لــــــــك بالسجـــــــــــود وبالقيــــــامِ
ل مـــــــن الغطارفــــــة العظـــــامِ
---

---

ّعماءُ! من داء عقام
ـع ولستِ غفلاً! كالسَّوام
ـنَ سيمنَعونكِ أن تضامي
 

 

أما قصيدته (طرطرا) فإنها تمثل غاية السخرية والتهكم عنده من شعبه الذي أنهكته الخلافات العنصرية والمذهبية تاركا قضاياه المهمة وخيراته نهبا للمستعمر وأجرائه الخونة،وهذا ما ترك مرارة في فم الشاعر الذي كفر بكل قوانين الخنوع والتخاذل،يقول)59):

 (من مجزوء الرجز)

أي طرطراتطرطري
تـشيـــعي تسنــــــني
تكــردي تعــــــربـــي
تـــعممي تـــــبرنـطي
 

 

تقدمــــي تأخــري
تهودي تنصـــري
تهـاتري بالعنـصر
تعقـــــــلي تسدري
 

 

فانشغال الناس بتوافه الأمور وتهاترهم بالعرق والنسب والمذهب قد ترك مرارته في فم الشاعر الذي كرركفره بقوانين الناس وجهلهم بالذي يدور حولهم، يقول)60):

تقـــــلبي تقلـــب الـــد
تصــرفي كمــا تشــــا
لمن؟!!أللناس؟!!وهـم
عبيـد أجـــــــدادك مـن
ام للقوانيــن ومـــــــا
تأمر بالمعـــروف والـ
 ...........

لمــن؟!!أللتاريخ وهـ

مسخر طوع بنـــــــا
بدرهــم تقلــــــب الـ
 

 

هــــر بشتى الغيــــر
ئيــــن ولا تعتــــذري
حثالـــــة في سقـــــر
رقّ ومـــــن مستأجر
جـاءت بغيـــــر الهذر
ــمنكر فوق المنــبـر
...

ـو فـي يـــد المحبـــر
ن الحاكـــــم المستحر
ـحــــال يـــد المحـرر
 

 

لقد نقل الجواهري بذلك الأسلوب التهكمي الساخر حال المجتمع وما آل إليه من تدنٍ وبؤس دفعاه الى إنزال سخطه وغضبه عليه حينما يئس من إصلاحه وآمن بأن ثمن ذلك الإصلاح باهظ جدا دفعه الشاعر من وقته وأعصابه، ملمحا الى أن عنصر الشر والخداع المجبولين داخل الإنسان قد سيطرا عليه وتحكما به، وليس الى إصلاح ذلك من سبيل.وكذلك تدخل قصيدة "يا ثمر العار" تحت ذلك الأسلوب.

ثالثا: الإغتراب

يعد الإغتراب واحدا من أبرز المصطلحات التي عالجها النقاد حديثا، فهو في نظرهم من أهم السمات المميزة للعصر، وإحدى النقاط الجوهرية التي يدور حولها الصراع بين الاتجاهين: الماركسي والرأسمالي. وتتجلى عنه عدة معانٍ أهمها: التفرد، والتوحد، والضياع، والضعف والاستلاب، والقهر والإذلال، والانطواء على النفس، والانفصال، وغير ذلك من المعاني وإذا ما أصاب الإنسان فانه ينحى به عن الأصالة، ويسلمه إلى القوى المستلبة، إذ أنّ " عوامل تشكيل الإغتراب تكمن في قوى غريبة تتحكم بمصير المرء، وتزيف تطلعاته الأصيلة، إذ تسلب إنسانيته، وتنتزع منه مقومات وجوده، ليكون إنسانا اعتباطيا، يكتنفه الإغتراب وفقدان التوازن " (61)

وتتعدد دواعي الإغتراب، فمنها السياسية، ومنها الاجتماعية، ومنها الدينية، ومنها النفسية، وقد عاش الجواهري جدلية الانتماء والغربة معا، فقد أدى احدهما إلى الآخر، في حين خفف الرفض من وطأة الغربة عليه، إذ:" إنّ الاغتراب يكون ايجابيا، حين يرفض التكيف مع الطبيعة والواقع في محاولة تفسيرهما وتطويرهما، ويكون مدمرا للذات، عندما يستسلم للقوى المستلبة " (62) .

إنّ عدم تكيف الجواهري مع المجتمع، ورفضه لكثير من معتقداته وأفكاره التي طالما حارب من اجل تغييرها، قد أشعره بالعزلة والقلق والإحباط، وهي من دلائل الإغتراب، مما جعله يشعر بالغربة داخل مجتمعه، والرغبة في النزوح عنه واختيار المنفى بدلا عنه. إلا إنّ تلك الغربة ليس لها جذور فلسفية عميقة، وإنما هي نتيجة عدم تفاعله مع الواقع " وبهذا يكون اغترابه عن قيم المجتمع عاطفيا وفكريا، ويتولد لديه الشعور بالرفض للمبادئ والأفكار السائدة، فيحل محل تلك العلاقة الضائعة القلق والتمرد والانفصال على حد تعبير

بعضهم"(63) والجواهري يعبرعن هذا المعنى - وهو يعيش معاناة الغربة في المنفى - (براغ)– بقوله من قصيدته (يا غريب الدار) التي كانت واحدة من عدة قصائد مثلت شعر الغربة لديه:(64):

 (من مجزوء الرمل)

يا غريب الدار وجها
ومزير الناس أطـــــيا
..................

يا غريب الدار لم تكـ
يالبغداد من التـــــــــــا
عندما يرفع عن ضيـ
 

 

ولسانــــــا واقتـــدارا
فــــا وان شط مزارا
 

ـفل لــه الأوطــــان دارا
ريــــخ هزءاً واحــــتقارا
ــمٍ انالـــــــــــته الستارا
 

 

فالغربة المكانية كانت نتيجة حتمية للغربة النفسية التي كان يعيشها الشاعر، وهو يحمل تلك الروح الحساسة المتوثبة التي طالما تميزت بالتفرد والجنوح الى العلا، والنظر إلى الذين يضدونه نظرة دونية، لأنهم لا يستطيعون سلبه ما حرم منه أصلا، يقول:(65)

 (من المتقارب)

بمــــاذا يخوفنــــــــي الإرذلون
أيسلـــــــب عنها نعيــم الهجير
بلى ان عندي خوف الشجاع
اذا شئت أنضجت نضج الشّواء
 

 

ومــــــمّ تخـــاف صلال الفلا؟!
ونفـــح الرمــال وبذخ العرا!!
وطيش الحليم وموت الردى
جلودا تعصّت فمــــا تشتوى
 

 

 فغربة الجواهري ممزوجة بمرارة المواجهة مع الواقع، وهو يرى بإمّ عينيه تردي الحال، وقد غلب الخضوع والخنوع على الناس، يقول (66):

 (من مجزوء الكامل-المذيل)

سبحانك الوطـن المفد
تنعى عليك الســـــــيئا
ويهد حتى بالجــــــــــنــا
 

مــــا أتفـــــه الدنيــا إذا
وإذا الكــــرامة جنــّـــة
 

 

ى ما أعزك من جنـــاب
ت ويزدهى بالأنتساب
ن بنيك ذل الإغتراب
 

غلب الخنوع على الرقاب
بيــــعتْ بمقفرة خـــــراب
 

 

أما بغداد فقد كانت تمثل رمزا لتلك المعاناة الطويلة الممتدة على مدى العصور وهي تواجه اعنف الهزات والمحن، ولكنها بفضل فرسان الفكر والأدب والسياسة، استطاعت الصمود والبقاء شامخة، وقد عبر عن ذلك خير تعبير في قصيدته الرائعة - وهو يعيش تجربة المنفى- (يا دجلة الخير)، التي يقول فيها: (67)

(من البسيط)

حييت سفحك عن بعد فحييـــني
حييت سفحك ظمآناً الوذ بــــــــه
يادجلة الخير: يانبعا افارقـــــــــه
اني وردت عيون الماء صافـــيةً
 

 

يادجلة الخير ياام البساتيــــــن
لوذ الحمائم بين الماء والطــين
على الكراهة بين الحين والحين
 نبعا فنبعاً فما كانت لتروينـــــــي
 

 

 واذا ماقرانا القصيدة بتمعن نجد ان عناصر الرفض بادية في تضاعيفها والشاعريتلهف على أمته، ويتحسر على حالها وهي تقع فريسة لمدعي العلم والدين والأدب-كما يعتقد-.وهو يدعو بلده للثورة والتغيير الذي لا بد منه. ولكن حتى يحصل ذلك التغيير فإنّ الجواهري مات وهو يعاني آلام الغربة.

 

خاتمة البحث ونتائجه

 إنّ الوصول الى نتيجة حتمية توضح حقيقة موقف الجواهري من السياسة والناس قد يداخلها شئ من الصعوبة بسبب تناقض مواقفه واستسلامه أحيانا لبعض ما يعتلج في نفسه من طموح ورغبة في الوصول إلى مراكز مهمة في المجتمع ولما يخالجه من إحساس بالعظمة والكبرياء والأحقية في استحصال جميع حقوقه. ولكن هذا لا يمنع من أننا وبعد متابعتنا الفاحصة لأغلب مواقفه وآرائه وتطلعاته قد توصلنا الى بعض الاستنتاجات التي توضح حقيقة موقفه الرافض لكثير من سلبيات المجتمع والساسة وغيرهم،ومنها:

  • إن بناء مواقفه الرافضة كان على أساس ما يتمتع به من إحساس وطني صادق ومشاعر حقيقية رفضت فكرة الاستهانة بالشعوب وآمنت بان الحريات لا تأتي من الرضوخ والاستسلام، بل إنها تأتي من تقديم التضحيات والمواجهة الحقيقية.
  • إن الحياة السياسية الصاخبة التي رافقت مسيرة الشاعر وأدخلته في دوامتها كانت المحرك الأساس في مواجهاته وتطلعاته إلى الحرية والاستقلال، فضلا عما للمجتمع من دور مهم في تعميق رفضه وإعلان ثورته على التقاليد والأعراف البالية التي إحاطته أو كانت سببا من أسباب تأخره.
  • إن المزاج الثوري الذي رافق الشاعر منذ صباه وهو يواجه أحداثا سياسية كبرى،قد عمق إحساسه بضرورة التغيير والمواجهة الفعلية مع القوى الكبرى التي همها الوحيد إبقاء الشعوب العربية ضعيفة مستكينة لا تقوى على الثورة بوجه الظلم والتعسف، وهذا ما منح الشاعر إحساسا كبيرا بالغضب الذي صبه على الساسة، وعلى الناس أنفسهم حينا آخر.
  • أما السخرية فإنها الثوب الذي البسه الجواهري غضبه وغلف به مرارة إحساسه بالخيبة وهو يواجه فشل الناس في استرداد حقوقهم الضائعة، ونومهم الطويل في عالم الأحلام الذي يخشون الإفاقة منه لئلا يواجهوا الواقع بكل سلبياته وتشوهاته، وهم عاجزون عن تغييره لضعف إيمانهم بأنفسهم وقدراتهم العظيمة اذا ما اتحدوا وواجهوا الأعداء بقوة وصلابة.
  • كان لرزوح الجواهري تحت وظئة الظروف السياسية والأجتماعية التي رفضها, الأثر الواضح في تعميق غربته النفسية داخل وطنه مما حداه الى النزوح عنه واختيار المنفى-مكرها- بديلا عنه فكان إغترابه وليد امرين هما: غربته داخل وطنه, وغربة المنفى, وكان ذلك بعد ان لم يجد سبيلاً الى إصلاح الواقع الفاسد, او تحقيق لأماله وتطلعاته على اقل تقدير.

 وأخيرا فإننا لا نقول بأننا قد الممنا بكل تفاصيل موضوع الرفض لدى الجواهري لما تمثله هذه الفكرة من قوانين خاصة تحددها شخصية الشاعر، وما جبل عليه من علامات القوة والتحدي والفكر الذي يؤمن به في توجيه موضوعات الرفض وإعطائها مكانها الصحيح , فضلا عن طبيعة الظروف التي يعيشها داخل مجتمعه واثر المنظومة الدينية والسياسية والأجتماعية في تلك الظروف ,متمنين أن نكون قد وفقنا فيما اجتهدنا فيه.

فهرست الهوامش

 

  1. لسان العرب – ابن منظور، مادة (رفض).
  2. ينظر: الرفض في شعر الشريف الرضي - حميد مخلف الهيتي 62.
  3. ينظر: ألبير كامو- محاولة لدراسة فكره الفلسفي –عبد الغفار مكاوي 122-123، البنيات الدالة في شعر أمل دنقل – عبد السلام المساوي 240.
  4. ينظر: فلسفة الرفض- غاستون باشلار 153.
  5. ينظر: الجواهري- دراسة ووثائق - محمد حسين الأعرجي 25.
  6. الجواهري شاعر العربية – عبد الكريم الدجيلي 1/27.
  7. دراسات نقدية – محمد مبارك 22.
  8. الشاعر والحاكم والمدينة - جبرا ابراهيم جبرا،من كتاب: محمد مهدي الجواهري- دراسات نقدية 61.
  9. ديوانه 3/ 502.
  10. م.ن 4/592-599.
  11. محاولة في فهم الظاهرة الجواهرية – محمد مبارك 7.
  12. م.ن 8.
  13. ديوانه 3/562.
  14. م.ن 2/239.
  15. أزمة المواطنة في شعر الجواهري – فرحان اليحيى 161.
  16. لغة الشعر الحديث في العراق – عدنان حسين العوادي 343.
  17. ديوانه 7/1056.
  18. م.ن 2/239.
  19. م.ن.5/778.
  20. م.ن 3/426.
  21. م.ن 2/378.
  22. م.ن 1/210.
  23. م.ن 1/215.
  24. م.ن 1/206.
  25. م.ن 1/204-205.
  26. ينظر: مذكراتي – محمد مهدي الجواهري 1/312.
  27. ديوانه 5/784.
  28. م.ن 2/229
  29. أزمة المواطنة في شعر الجواهري 120.
  30. ديوانه 2/276
  31. ديوانه 2/270.
  32. الجواهري شاعر العربية 1/43.
  33. ديوانه 1/120
  34. الجواهري شاعر العربية 1/28.
  35. ديوانه 2/326-327.
  36. م.ن 2/267.
  37. النار والجوهر – جبرا ابراهيم جبرا 109.
  38. ديوانه 1/ 192.
  39. م.ن 3/452.
  40. م.ن 3/567 وما بعدها .
  41. محاولة في فهم الظاهرة الجواهرية 11.
  42. ديوانه 3/569.
  43. م.ن 4/663.
  44. م.ن 4/634.
  45. محاولة في فهم الظاهرة الجواهرية 12.
  46. جماليات المكان /مجموعة باحثين 63.
  47. ديوانه 3/425.والعثانين:جمع عثنون بالضم: اللحية.
  48. م.ن 4/649-651.
  49. م.ن 5/798.
  50. م.ن 4/610.
  51. ينظر: الشعرية - تزفيتان تودوروف،ترجمة:شكري المبخوت ورجاء بن سلامة 75 وما بعدها، في الشعرية - كمال أبو ديب 45،21 وما بعدهما.
  52. ينظر: قضايا الشعر المعاصر-نازك الملائكة 242.
  53. تطور الشعرالعربي الحديث في العراق – د.علي عباس علوان 311 -312.
  54. ينظر:دلائل الاعجاز- عبد القاهر الجرجاني 174.
  55. ينظر:م.ن 174.
  56. ديوانه 4/610.
  57. م.ن.4/611.
  58. م.ن 4/611-613.
  59. ديوانه 3/438.
  60. م.ن.3/439
  61. الأغتراب/ ريتشارد شاخت 92.
  62. م.ن 105.
  63. الأغتراب مفهوما وواقعا- قيس النوري 13.
  64. ديوانه 5/837-838
  65. م.ن.3/478
  66. م.ن.5/766
  67. م.ن.5/773

 

ثبت المصادر والمراجع

اولاً: الكتب

  • أزمة المواطنة في شعر الجواهري (دراسة تحليلية في ضوء المنهج التكاملي) – فرحان اليحيى، منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2001م.
  • الاغتراب – ريتشارد شاخت،ترجمة: كامل محمد حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت ط1 1980
  • ألبير كامو – محاولة لدراسة فكره الفلسفي – عبد الغفار مكاوي،دار المعارف – مصر 1964م.
  • البنيات الدالة في شعر أمل دنقل – عبد السلام المساوي، اتحاد الكتاب العرب – دمشق،ط 1 1994م.
  • تطور الشعر العربي الحديث في العراق –اتجاهات الرؤيا وجماليات النسيج – علي عباس علوان، منشورات وزارة الإعلام – بغداد 1975م.
  • جماليات المكان – مجموعة باحثين (سيزا احمد قاسم وآخرون)،دار قرطبة للطباعة – عيون المقالات للنشر – الدار البيضاء، ط2 1988م.
  • الجواهري – دراسة ووثائق – محمد حسين الأعرجي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر,بيروت 1998م.
  • الجواهري شاعر العربية – عبد الكريم الدجيلي، مطبعة الآداب - النجف 1972م.
  • دراسات نقدية – محمد مبارك، دار الشؤون الثقافية للطباعة والنشر – بغداد 1987م.
  • دلائل الإعجاز- عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني – مكتبة الخانجي – القاهرة 1984 م.
  • ديوان الجواهري – محمد مهدي الجواهري- الأعمال الشعرية الكاملة(1-7)، دار الحرية للطباعة والنشر – بغداد، ط2 2001 م.
  • الشعرية – تزفيتان تودوروف، ترجمة: شكري المبخوت، ورجاء بن سلامة، الدار البيضاء، ط2 1990 م.
  • فلسفة الرفض – غاستون باشلار، ترجمة: خليل احمد خليل – لبنان،ط1 1985 م.
  • في الشعرية – كمال أبو ديب،مؤ سسة الأبحاث العربية – بيروت، ط1 1987 م.
  • قضايا الشعر المعاصر – نازك الملائكة، مكتبة النهضة – بغداد، ط2 1965 م.
  • لسان العرب – ابن منظور، دار صادر ودار بيروت، ط1 2001 م.
  • لغة الشعر الحديث في العراق – عدنان حسين العوادي، دار الشؤون الثقافية – بغداد 1985م.
  • مذكراتي – محمد مهدي الجواهري، منشورات دار المنتظر – بيروت، ط1 1999م.
  • محمد مهدي الجواهري – دراسات نقدية، أعدها فريق من الكتاب العراقيين، واشرف على إصدارها: هادي العلوي، مطبعة النعمان – النجف 1969م.
  • النار والجوهر – جبرا ابراهيم جبرا، دار القدس – بيروت 1975.

ثانياً: المجلات والدوريات

  • الاغتراب مفهوما وواقعا – قيس النوري- مجلة عالم الفكر، المجلد العاشر، العدد الاول، 1979.
  • الرفض في شعر الشريف الرضي – حميد مخلف الهيتي، مجلة آداب المستنصرية – بغداد، العدد 14، 1986م.

محاولة في فهم الظاهرة الجواهرية – محمد مبارك، مجلة الأقلام، وزارة الثقافة والفنون، العدد 2، السنة الرابعة عشرة، تشرين الثاني 1978م.

لغة البحث: عربي