خلاصة البحث:

ملخّص البحث

لا شكّ في أنّ القرآن الكريم منذ نزوله على خاتم الرّسل محمّد المصطفى 6 كان له أثره البالغ على مستمعيه و خاصّة الأدباء بما فيهم الشعراء، فهو لا يزال منبعاً فيّاضاً لمن يريد أن يستلهم من آياته، و قد تأثّر بالمفاهيم القرآنيّة أتباع الدّيانات الأخرى فضلاً عن المسلمين.

أمّا الشعراء الفلسطينيّون في العصر الحاضر، فإنّ البعض منهم قد تأثّر أيضاً بالمعاني القيّمة للقرآن الكريم و قصصه، و استلهم في نضاله ضدّ العدوّ الصهيوني على سبيل "التناص القرآني" و الذي يعتبر موضوعاً جديراً بالدراسة و الاهتمام إلى جانب التّناص الأدبي و التّاريخي و الأسطوري.

تتناول هذه الدّراسة أشعار الشّاعر الفلسطيني المناضل "سميح القاسم" الذي يعدّ من روّاد أدب المقاومة، معتمدة على المنهج التوصيفي ـ التحليلي، بغية الوصول إلى ما اهتمّ به الشاعر من ظاهرة "التّناص القرآني" في أشعاره.

البحث بصيغة pdf: PDF icon 170718-125832.pdf
من صفحة: 96
إلى صفحة: 116

    مقدّمة البحث:

التأثر بالقرآن الكريم كمنبع أصيل للمعاني الإنسانية العالية في آثار رواد الأدب العربي أمر لا يستهان به، ممّا أدّى إلى اهتمام بعض البحوث الأدبيّة أن تتّجه هذا الاتجاه.

تعتبر أحد مناحي الغزو الثّقافي الصّهيوني هو الهجوم على التّراث الديني للأمة الفلسطينية المسلمة، و محاولة سلب ما عند هذه الأمة من الثقافة الإسلامية، و قد أشار غسّان كنفاني في كتابه إلى قول اسرائيلي مثقف إذ اعتقد أنّ عليهم أن يأخذوا أراضي الفلسطينيين و يجعلوهم بمنأى عن الثقافة العربية و الإسلامية و يضعوهم تحت هيمنة الثقافة اليهودية، كما أنّ سياسة إجراء خطة التّجهيل من السمات البارزة للاضطهاد الثقافي الصهيوني، و تهدف هذه الخطّة إلى إرساء استعمار من نوع اقتلاعي تستدرج بدورها اجراءات قمعية اسرائيلية من نوع آخر، تتبدّى في محاربة المعلمين العرب و تشريدهم و منعهم من العمل و وضع سوط التهديد على رقابهم. (انظر:كنفاني، 1968م، ص22)

علماً بأنّ هذا الغزو الثقافي الصهيوني في فلسطين، أدّى إلى أن يفكّر الأديب الفلسطيني في الآيات القرآنية و معانيها العالية كتأمّلهم في الشّخصيات القرآنية مستخدمين ايّاها لبيان ما حلّت بهم من المصائب و المشكلات في سبيل المقاومة، كأنهم وجدوا في المعاني القرآنية ما يزيد فيهم المقاومة و الصبر أمام العدو الغاصب، فاستدعوا هذه الشخصيات في أشعارهم ليعبروا عن معاناتهم الزائدة عن الحدّ. هذا الأمر في حدّ ذاته قد أدّى إلى مضاعفة أهمية تأثير القرآن على الأدب الفلسطيني.

لذا تناولت هذه المقالة أثر المفاهيم القرآنية على أحد الشعراء الفلسطينيين "سميح القاسم" بصفته أحد روّاد شعراء المقاومة، و قد أشير فيها بداية إلى أثر القرآن الكريم على الأدب العربي إشارة موجزة، و إلى الشعر الفلسطيني المقاوم و بدايته، و إلى ظاهرة "التناص" التي ظهرت إثر الدراسات اللسانية في الغرب، علماً بأنّ هذه الظاهرة كانت قائمة في الأدب العربي القديم بتسميات مختلفة كـ "الاقتباس" و "التضمين" و "الاستشهاد" و... و في المقالة إشارة إلى تأثر الشاعر بالقرآن الكريم في مجالين إثنين هما: العبارات و الألفاظ القرآنية و الشخصيات القرآنية.

و ختاماً آمل أن تنال هذه الدراسة رضا الباحثين.

1 ـ القرآن و الأدب العربي:

منذ أن استأنست الجزيرة العربية بالقرآن الكريم حيث أنعم الله تعالى على الإنسان بهذه المكرمة الخالدة و تلطّف عليها بهذا الإعجاز السّماوي استطاعت رسالته أن تستنهض المجتمع العربي و تحول مفاهيمه البالية إلى قيم ومعاني إنسانية عالية. و الشعراء في المجتمع بصفتهم أناس ذوي طبائع حساسة و أحاسيس مرهفة قد تأثروا بتعاليم القرآن بشكل ملموس و منذ نزول القرآن هناك شعراء كحسان بن ثابت و كعب بن مالك و عبد الله بن رواحة قد زيّنوا أشعارهم بآيات قرآنية منورة و كأنهم قد انبهروا بإشعاعات الدعوة السامية و عشقوا مضامينها و اقتبسوا من القرآن صوراً و أفكاراً و استعملوها في مختلف أغراض دعوتهم للتمسك بالدين و الحفاظ عليه.

 و بعد أن انتشرت الرّسالة الإسلامية في أنحاء الجزيرة العربية اهتم الرسول الكريم 6 بالشعراء المناضلين لرفع راية الحق و كان يأنس لشعرهم البطولي ضد المشركين بقوله 6 لحسان "أهجهم و معك روح القدس" (الأنصاري، 1974م، ج1: 14) كما كان يقول لكعب و عبدالله "جبريل لا يكون إلاّ مع الصالحين الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيراً" (الجبوري، 1964م، ص123) و كأنّ الهداية و الإيمان و النور قد دخلت في قلوب الشعراء و جعلتهم يبتهجون بهذا الدين المبين  و المعاني السامية في هذا الكتاب المقدس. و كأنّ كل النعرات الجاهلية و العصبية القبلية التي كانت سائدة قد تبدلت إلى مفاهيم عالية و قيم سامية نادى بها الإسلام. فهذا لبيد بن ربيعة يهتف:

الحمد لله إذ لم يأتني أجلي
 

 

حتى كساني من الإسلام سربالا
 

 

(ابن ربيعة، 1993م، ص137)

ولا شك أنّ هذا التأثر بالقرآن الكريم الذي أشير إليه لا يقتصر على الشعراء في عصر النزول و صدر الإسلام بل يلاحظ اهتمام عظيم من جانب الشعراء بهذا الكتاب المقدس في العصور اللاحقة أيضاً كما يبدو الأمر واضحاً عند أبي تمام الشاعر الشهير في العصر العباسي إذ تأثر بالقرآن كثيراً كأنه غاص في الثقافة الإسلامية حيث نشاهد أنّ بعض الباحثين قد أعربوا عن تعجبهم لهذا التأثر الكبير، وكأن القرآن من أهم المصادر التي استقى منها أبوتمام ثقافته فقلما تخلو قصيدة من قصائده من لفظ قرآني أو صورة قرآنية. (انظر: الدراجي، 1987م، ص62)

أما بالنسبة إلى العصر الحديث فيعتبر القرآن الكريم من أهم مصادر استلهام في الشعر، و كثير من الشعراء  استلهموا من موضوعاته و شخصياته، و قد أشاروا إليها في أشعارهم و كأنّ الشعراء مهما استطاعوا أن يحلقوا في عوالم رحبة في الشعر بخيالهم المبدع فإنهم سوف يبقون أوفياء لرسالة القرآن الكريم كما أنشد محمد مهدي الجواهري لعظمة اللغة العربية و تشرفها بالقرآن الكريم:

الحمد لله الذي  قد رمى
مدرسـة الله أسـتاذهـا
شـرّفـها قـدراً بقـرآنه
 

 

ألسنة الناس بهذا اللّسان
والضاد والنطق بها امتحان
ذاك الذي عجّ له الخافقان
 

 

(الجواهري، 1973م، ج2: 248)

هاتان الظاهرتان؛ التأثر بالقرآن الكريم و الاستلهام منه، أمر واضح في شعر الشعراء الفلسطينيين كأنهم وجدوا في القرآن الكريم ما يناسب بيانهم ممّا حلت بهم من المصائب و التشرّد. و اهتم هؤلاء بالمعاني و الموضوعات القرآنية مستخدمين ظاهرة التناص و من هذا المنطلق امتازت أشعارهم بصفات مميّزة.

2 ـ الشعر الفلسطيني المقاوم: 

قد بدأ الشعر الفلسطيني المقاوم حياته منذ أواسط الستينات التي تعدّ من أوائل ظهور شعر التفعيلة (الشعر الحر) و يعتبر هذا الشعر رائداً في إبلاغ رسالة المقاومة الفلسطينية و ما حلت بالفلسطينيين من المشاكل المختلفة كفقد الوطن و التشرّد و ....

إنّ ظهور الشعر المقاوم في الواقع هو تمهيد للتحول الجديد في الشعر الفلسطيني و مجموعة الشعر العربي، علماً بأنّ مفكري العرب قد تعرفوا على الشعر المقاوم ببركة كتاب غسان كنفاني (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948م 1966م)

 (أنظر: درويش، 1971م،ص20)

و للشعر المقاوم أهمية خاصة من جهات مختلفة:

الأولى: هي موضوعه؛ لأنّ الموضوع الأساسي للشعر المقاوم هو تحرير أرض لها أهمية كبيرة جغرافياً و تاريخياً و ليست هذه الأهمية للشرقيين و المسلمين فحسب، بل هي لكل الأحرار لأنّ هذه الأرض تعدّ مركزاً و رؤبة الحياة التاريخية لليهودية و المسيحية و الإسلام. لنرى ما صرّح به محمود درويش : "إنّ أهمية شعرنا تكمن في التحام هذا الشعر بكل ذرة من تراب أرضنا الغالية بصخورها و وديانها و جبالها و أطلالها و انسانها الذي يظلّ مرفوع الرأس رغم ما ينوء به كتفاه من أعباء انسانها الذي قاوم و لا يزال يقاوم الظلم و الاضطهاد و محاولات طمس الكيان و الكرامة القومية و الإنسانية و كأني به يقول : اللهم لا أسئلك حملاً خفيفاً بل أسئلك ظهراً قوياً ". (المصدر نفسه، ص24)

و الثانية: يعتبر تطوّر شعر المقاومة الفلسطينية مرحلة جديرة بالدراسة في الشعر العربي المعاصر.

(انظر: كنجي، 1371هـ.ش، ص3)

إذاً فلدراسة الشعر المقاوم أهمية كبيرة من أجل تحقيق آمال الأمة الفلسطينية المسلمة.

و خلاصة القول أنّ الأدب بكلّ مكوّناته الشّعرية والنّثرية لم يكن بمنأى عن أجواء الانتفاضة و تجلّياتها، إذ يعتبر الأدب مرآة المجتمع الذي يعيش فيه الأديب، و تمكن الأدب الفلسطيني من أن يجاري الواقع الفلسطيني ويصوّر هموم الأمة، ومشاهد البطولة و الشهادة، فكان أداة إيقاظ و تنوير، عبر آثار الأدباء ـ الشعراء و الكتاب ـ عن وجدان الناس إذ صوّروا مسيرة نضالهم في سبيل الحرية والاستقلال.

 و في الوقت الذي فضح فيه الوجه البشع للكيان الصهيوني، و سياساته التدميرية انتقد الأدب خاصة الشعر مفاسد الواقع، وانحرافات القادة عن الهدف. و للتعبير عن مواقفهم ورؤاهم تعبيرًا فنيًا موفقًا، فاهتدوا إلى استخدام مجموعة من وسائل التعبير الفنية الحديثة، و توظيفها في البناء الفني لقصائدهم من: لغة شعرية موحية، و صور فنية مدهشة، و إيقاعات نغمية ثرة، و مفارقات تصويرية، و استلهام معطيات التراث وعناصره و ذلك من خلال ظاهرة التناص.

3 ـ ظاهرة التناص:

  انطلاقاً من المحاولات الحثيثة لعلمنة النّصّ، و بعد أن تناول النّقاد النص بمفهومه الجديد، كان لابد وأن يظهر مفهوم جديد يتصل بالنّصّ ألا وهو "التناص". والتناص مصطلح من المصطلحات المستحدثة في الأدب والنقد.

وعلى الرغم من أن التناص يبدو مصطلحًا جديدًا، فإنه في الواقع مفهوم قديم؛ ذلك أنّ من يتمعن في معجم النقد العربي القديم يعثر على أكثر من مصطلح يشير إلى عملية التداخل بين النص و النصوص الأخرى، مثل مصطلحات: "الاقتباس" و "التضمين"، و "السرقة" و"الأخذ" وغيرها. فقد عرّف النقاد العرب على سبيل المثال الاقتباس بقولهم: "أن يضمّن الكلام شيئًا من القرآن والحديث، ولا ينبه عليه للعلم به" وعرّف آخرون التضمين بقولهم: " أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلامًا آخر لغيره قصدًا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود " (الحلبي، 1980م، ص 26)

ومن الجلي أنّ "مصطلحي الاقتباس والتضمين وفق تعريفهما يتقاربان مع مفهوم التناص في صورته الحديثة التي ظهرت في الدراسات النقدية المعاصرة، ومن هنا يمكن للدارس أن يدرجهما في دائرة التناص الواسعة، وأن ينظر إليهما بوصفهما فكرتين تحملان الملمح القديم للمصطلح الحديث، وأنهما يعدان مظهرًا من مظاهر تداخل النصوص وخاصة في الخطاب الشعري". (حمدان، 2006م، ص81)

ويعود المصطلح لغوياً إلى مادة "نصص"، حيث تنتمي جميع اشتقاقاتها إلى حقل دلالي واحد. ففي القاموس المحيط للفيروزآبادي: "تناص القوم،  عند اجتماعهم ". (الفيروزآبادي، 1923م، ص319 مادة "نصص")

 ويلاحظ احتواء مادة "تناص" على "المفاعلة" بين طرف وأطراف أخر تقابله، يتقاطع معها ويتمايز أو تتمايز هي في بعض الأحيان.

والتناص كمصطلح نقدي متنوّع يندرج فيه كل ما يتعلق باستدعاء النصوص السابقة في النص اللاحق، وتعود ولادة هذا المصطلح إلى منتصف الستينييات من القرن العشرين في كتابات ميخائيل باختين الذي عني بالتناص: الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص أو لأجزاء من نصوص سابقة. تبلور موضوع التناص على يد جوليا كريستفيا (Julia Kristeva) التي نظرت إلى النص الشعري بوصفه استلهاماً لنصوص سابقة، يعقد معها النص الجديد علاقة تبادل حواري، أو هو: لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، إذ يعتبر كلّ نصّ أدبي متأثر بنص أدبي قد سبقه. (انظر: بنيس، 1997م، ج3: 183)

 إذن كلّ نص هو نتيجة لتجمع العديد من النصوص و لأنّ الكاتب في أصله قارئ ظل يمارس فعل القراءة و يختزن في ذاكرته ما لا يحصى من النصوص و الأفكار التي تدل على اتساع آفاقه و خلفياته التاريخية و الثقافية التي يستحضرها في كل قراءة محاولاً تسخيرها في انفتاح الدلالة.

و" "التناص" بمعنى تداخل النصوص وتفاعلها من الظواهر التي تتسم بها النصوص الأدبية المنتجة بعامة، فالنص لا بدّ له بصورة أو أخرى من أن يتفاعل مع غيره من النصوص الأخرى؛ لإنتاج نص أدبي جديد، يستقي أشياء كثيرة من تجربة الشاعر الذاتية، تنضاف إليها التناصات المقتبسة عمدًا أو عفوًا. فالتناص عبارة عن حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر؛ لإنتاج نص لاحق ". (حمدان، 2006م، ص84)

يبدو ألّا بدّ من وجود تفاعل بين النصوص في كتابة أدباء و هذا الأمر يؤدّي إلى ظهور نصّ جديد، هو نتاج هذه العلاقة بين النصّ الحاضر و السابق.

 و قيل : "إنّ التناص تقنية من تقنيات الكتابة التي يلجأ إليها المؤلف، إما لإكمال نقص أو عجز فكري أو لغوي، و إما بهدف مقصود هو نقل القارئ من زمان لآخر و من مكان لآخر بغية زيادة لهفته و تعطّشه لاستقاء المعنى الذي يتزايد و يتعدد بفعل ذلك الانتقال، فالنصوص الأدبية منسوجة من نصوص و أعمال كتابية أخرى، و حتى الأجناس الأدبية كذلك باتت تأخذ من بعضها البعض، فالأدب كله متناص". (تاوريريت، 2008م، ص61)

و هناك تقسيمات مختلفة لهذه الظاهرة كتقسيمه إلى "الامتصاص" و"الاجترار" و "الحوار"، و هذا التقسيم ينسب إلى كريستفيا. (انظر: رستم پور، 1384هـ.ش، ص 17) و هناك تقسيم آخر للتناص حسب توظيفه في النصوص و هو التناص الظاهر و التناص الخفاء، الأوّل (التناص الظاهر) الذي يدخل ضمنه "الاقتباس" و "التضمين" و الثاني (التناص الخفاء) الذي يكون المؤلف فيه غير واع ٍ بحضور النص أو النصوص الأخرى في نصه الذي يكتبه. (أنظر: المصدر نفسه، الصفحة نفسها)

أما التناص مع النص القرآني الذي نحن بصدد دراسته في أشعار سميح القاسم فيعتبر من نوع التناص الديني و هو تداخل النصوص الدينية، و يقصد به تداخل نصوص دينية مختارة عن طريق "الاقتباس" أو"التضمين" من القرآن الكريم أو الحديث الشريف مع النص الأصلي للقصيدة بحيث تنسجم هذه النصوص مع السياق الشعري، و تؤدي غرضًا فكريًا أو فنيًا أو كليهما معًا. (أنظر: المصدر السابق، الصفحة نفسها).

4 ـ نظرة موجزة إلى حياة سميح القاسم:

 بما أنّ ظروف الحياة الشخصية و الإجتماعية لأديبٍ ما قد تؤثر على خلق آثاره الأدبية، فلا شك أنّ الإشارة إلى حياة الشاعر "سميح القاسم" لا تخلو من فائدة و إن كانت بصورة موجزة.

1ـ 4 ـ سميح القاسم:

ولد سميح القاسم، الشاعر الفلسطيني الكبير الذي ما يزال يفيض بالشعر و الإنتاج الأدبي، عام 1939م لعائلة درزية فلسطينية في مدينة الزرقاء الأردنية. أنهى دراسته الإبتدائية في الرامة في مدرسة دير اللاتين و في المدرسة الحكومية و أكمل دراسته الثانوية في كلية تيراسانطة و في المدرسة البلدية في الناصرة، و درس الفلسفة و الإقتصاد السياسي لمدة سنة في موسكو، و بعد تخرجه عمل في التعليم لمدة خمس سنوات ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي الإسرائيلي. و عمل في الصحافة مع مجلة أسبوعية. (www.aklaam.com) و بعدها انتقل للعمل في تحرير مجلة " الغد " و جريدة " الإتحاد "، ثم ترأّس اتّحاد الكتّاب العرب و اتّحاد الكتّاب العرب الفلسطينيين في اسرائيل منذ تأسيسها و هو اليوم رئيس مجلس إدارة تحرير صحيفة " كل العرب" الصادرة في الناصرة. (com. www.sofne)

إن الجو الثقافي الذي نشأ فيه سميح القاسم أسهم إسهاماً كثيرًا في بلورة ثقافته العربية و نزعته التقدمية، لأنه من أسرة آل حسين و هذه الأسرة معروفة بميلها الشديد للثقافة. (أنظر: صدوق، 2000م، ص 315) كان سميح القاسم مثل بقية الشباب  الفلسطنيين يقوم بأعمال دبلوماسية ولم يكن أعمى تجاه المسائل السياسية لوطنه بل حاول أن يستخدم مقدرته و موهبته في أيام شبابه، فأسس منظمة الشبان الدروز الأحرار في الخمسينات للتصدي لقانون التجنيد الإلزامي الذي فرض على أبناء الطائفة العربية الدرزية و على الشركس و البدو مستهدفـًا تمزيق جماهير الشعب العربي الباقي على تراب وطنه تحت الحكم الإسرائيلي، و هذا الأمر أثار عليه حفيظة السلطات العسكرية فاعتقلته و ساقته مكبّلًا. (أنظر: المصدر نفسه، الصفحة نفسها)

 و بعد أن سجن الشاعر أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي و مقاومته الصلبة أمام الإحتلال الصهيوني مثلا عام 1961م و عام 1967م في حرب حزيران، وضع رهن الإقامة الجبرية و الإعتقال المنزلي و طرد من عمله.(أنظر: الخضراء الجيوسي، 2000م، ص387)، و لكن هذا الظلم من جانب الإسرائيليين أثار في نفسه روح المقاومة ضد الصهاينة و كرس معظم أشعاره للثورة الفلسطينية. و الروح الحماسية و الثورية واضحة في أشعاره، متمثلة في أبياته كأنه في كل كلمة من أشعاره يريد إدانة اسرائيل و تهييج العرب ضد الصهاينة، إذ أنه يعتبر اسرائيل حالة تاريخية طارئة على المنطقة.

 إنّ سميح يؤكد على أنه غير مغادر لبيته الصغير على سفوح جبل حيدر في "الجليل" تمسكـًا بنبوءة ووعد أجداده بأن الحياة والموت تتوقف في هذا المكان (www.sofnet.com). وفيما يتعلق بالمفاهيم الدينية وانعكاسها على أشعار سميح القاسم خاصة أنه يمتد من أصول درزية، أكد الشاعر أنه ليس قبليًا وليس من الجاهليين الجدد رغم اعتزازه بعائلته العريقة  و الكريمة و ذات التاريخ المشرف حسب وصفه. (www.aljareeda.com)

أصدر الشاعر دواوين شعرية منها: مواكب الشمس (1958م)، أغاني الدروب (1964م)، دخان البراكين (1968م)، سقوط الأقنعة (1969م)، قرآن الموت والياسمين (1971م)، الموت الكبير (1972م)، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم (1971م)، الكتب السبعة / شعر (1994م)، سأخرج من صورتي ذات يوم (2000م) و.... (انظر: معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين1995م، ج2: 255).

و له أعمال نثرية مختلفة من القصة و الرواية و المسرحية. إنّه في معظم قصائده و أعماله النثرية، يركز على بيان المأساة الموجودة في فلسطين و المصيبة العظيمة التي حلت بالعرب. من أشهر أعماله النثرية هي: الصورة الأخيرة في الألبوم (1980م)، الرسائل/ بالاشتراك مع محمود درويش (1989م)، مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام / بحث وتوثيق (1990م) و... .(www. jehat.com)

و له بعض أعمال مسرحية منها: قرقاش (1970م)، المغتصبة ومسرحيّات أخرى (1978م) و.....(المصدر نفسه)

5 ـ التناص القرآني في شعر سميح القاسم:

استلهم الشاعر، سميح القاسم، من القرآن الكريم في أشعاره مع الالتفات إلى مجالين إثنين: المجال الأوّل هو المفردات والعبارات و المجال الثاني هو الشخصيات القرآنية.

1ـ 5 ـ تناص المفردات و العبارات القرآنية:

يقتبس سميح القاسم ألفاظاً من القرآن الكريم لتجسيد الصورة الشعرية و ذلك لإضفائها على تلك الصورة مزيداً من الواقعية، و جعلها أشدّ أثراً و أعمق نفوذاً، إذ تصطبغ المعاني بدلالة تتسم بالوضوح و الدقة. يقول في قصيدة "نشيد الأنبياء":

ما الحشر المباغت؟

ما " سقر " ؟

لا بد أن أمضي

عذابي وردة

و فمي حجر ....      (القاسم، 1991م، ج3: 148)

و يقتبس مرة أخرى و يقول :

جالد إذا أفلحت، منتزعاً خطاك من الوحول الدّاميات

و عد إلى فردوسك المهجور

للجنّات تجري تحتها

الأنهار، للقصر الكبير    (القاسم، 1991م، ج4: 22)

سميح هنا يخاطب الفلسطيني قائلاً: اتركهم في ظلالتهم حتى يومهم الأخير، و خلّص نفسك من المخاطر التي تحفّ بك ثم عد إلى فردوسك و جنتك المهجورة. فقد اقتبس الشاعر "للجنات تجري تحتها الأنهار" من الآية الكريمة ﭿ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ    ﭚ   ﭛ  ﭜﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢﭣ  ﭤ  ﭥ   ﭦ  ﭧ      ﭾ (سورة البينة، 8) و هذه الآية تكرر معناها في سور القرآن الكريم ففي موقع آخر قال تعالى ﭿ ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ   ﮚ  ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ          ﭾ (سورة البروج، 11)

و في اطار الصورة الشعرية السابقة يتسائل سميح ما الحشر المباغت ؟ ما سقر ؟ مستخدماً الألفاظ القرآنية لتعطي دلالات و إيحاءات بأنّ عذابه و آلامه صورة تناقضية، فهي جنة و رضوان من جهة و حشر و سقر من جهة أخرى فعذابه وردة و فمه حجر. اقتبس سميح كلمتي "حشر" و "سقر" من قوله تعالى : ﭧ ﭨ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭿ ﮗ  ﮘ       ﮙ  ﮚ  ﮛ        ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ    ﮡﭾ (سورة الحشر، 2) و ﭿ ﰖ  ﰗ    ﰘ  ﰙ   ﭾ (سورة المدثر، 42)

الشاعر سميح القاسم يوظّف التناص القرآني ضمن نصه الشعري عندما يقول:

أنت يا مولاي رحمنٌ رحيمٌ

و الذي يغضبُ من عدلكَ يا مولاي

شيطان رجيم         (القاسم، 1987م، ص462)

كأنّ الشاعر يريد بيان رضاه بالقضاء المقدر من جانب الله تعالى، و أنّ ما حلت بهم هو من العدل الإلهي و لا قدرة لأحد أن يعصي الله و يغضب من عدله، إذ سيصبح كالشيطان الرجيم مغضوبــًا. و الشاعر هنا يشير إلى الصفتين العظيمتين لله تعالى و هما الرحمانية و الرحيمية، و كأنّه يشعر مع كل وجوده بفضل الله و رحمته عليه و على الجميع. هذه السطور تذكر القارئ بالآية الكريمة ﭿ ﭑ       ﭒ  ﭓ  ﭔ     ﭾ و تذكره بأمر الله للاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في قوله تعالى: ﭿﮝ  ﮞ  ﮟ   ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤﭾ (سورة النحل، 98) و يلمّح الشاعر أيضاً بقصة عصيان الش يطان لله تعالى عندما رفض أن يسجد لآدم فأصبح رجيمـًا كما أشار الله في كتابه الكريم إلى هذه الغطرسة، إذ يقول عزّ و جلّ: ﭿ ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪﭾ (سورة الحجر، 34).

و في قول الشاعر في قصيدته باسم "البحث عن الجنة":

مأساتك السّوداء كانت منذ قال الله: فليكن الوجود

و كان...ثم بدا له أن يصنع الشّمس اللّعينه و الحياة

                               (القاسم، 1987م، ص 306)

في الحقيقة أشار إلى الشقاء الذي ما زال يرافق الإنسان من الأزل و قارئ هذه السطور يتذكّر الآيات القرآنية التي تشير إلى خلق الكون، و كيف تجلّى الكون بأمر الله سبحانه، و لعل الشاعر يرمز بأنّ في فقد آدم 7 الجنة مصيبة خالدة عظيمة لبني آدم، و هكذا الفلسطيني قد قــُدّر له من الأزل أن يفقد جنته ـ وطنه ـ . و الشاعر يشير إلى هذه النقطة، إذ أنّ من يبحث عن وطنه عليه ألــّا يغفل و ألّا ينتابه النوم و إن كانت هذه المأساة مقدرة له منذ بداية الخلق و في الحقيقة يريد الشاعر تقوية روح المقاومة في مواطنيه.

و في موقع آخر يقتبس القاسم قول الله عزّ وجلّ: ﭿ ﭫ  ﭬ  ﭭ    ﭾ (سورة الفجر، 7) في قصيدة "أنادي الموت"، حيث يقول:

أبداً تجذب وجهي بالنّداءات الخفية

لمكان خلف أسوار الشقاء

فيه شيدت قصوري الذّهبية

إرمي ذات العماد ....

إرمي  ... أمنحها من كلّ قلبي للعباد

                     (القاسم، 1991م، ج1: 305)

تعكس الصورة الشعرية هنا روافد دلالية و معاني ممتدة لا تقتصر على دلالة واحدة، منسجماً في ذلك مع ما ذهب إليه الجاحظ حيث يقول: "ثم اعلم أنّ حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأنّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية، و ممتدة إلى غير نهاية، و أسماء المعاني مقصورة معدودة و محصلة محدودة". (الجاحظ، د.ت، ص76)

 و في قصيدة "ذات العماد" استوحى القاسم الدلالة القرآنية لتعطي ظلالاً بعيدة للمعاني و إضاءة للقصيدة، و ذلك حيث اقتبس النص القرآني ﭿ ﭫ  ﭬ  ﭭ    ﭾ (سورة الفجر، 7) و ذات العماد زيادة تعريف بـ "عاد" أي من قوم عاد الذين كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، و كانوا أشد الناس خلقاً و أقواهم بطشاً و قد ذكرهم هود النبي7 بنعم الله تعالى و أرشدهم إلى استخدامها في طاعة الله جلّ و علا. و "ذات العماد" في القصيدة أعطت دلالة إيحايِية تنسجم مع الدلالة القرآنية، فالشاعر حزين حيث القتلى و الدماء و هناك خلف أسواره الشقية أي في وطنه شيّدت القصور الذهبية، فعاد الأولى كانوا يتمتعون بالنعمة، و عاد الثانية التي أرادها الشاعر هي المدينة الفاضلة التي يحلم بها.

الشاعر عندما يصف لنا أغانيه و أشعاره يبين لنا أنّ هذه الأغاني من الدموع التي طهرتها روح الربّ و كأنه يريد بيان ما يجول في قلب الفلسطيني من الحزن و الآلام:

من دموع طهّرتها روح ربّ

                     (القاسم، 1987م، ص38)

كأنّ هذا المفهوم قد أخذه الشاعر من القرآن و من الآية الكريمة ﭿ ﯮ  ﯯ  ﯰ   ﯱ  ﭾ  (سورة الحجر، 29).

و قارئ هذه السطور:

سبحان الواضع قدرته في خشب العود

الله..  الله؟؟....

 سبحان الواضع قدرته فينا

                     (القاسم، 1987م، ص175)

تتداعى للقارئ هذه الآيات ﭿ ﮩ  ﮪ   ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ   ﯔ  ﯕ     ﯖ  ﯗ ﭾ   ﭿ ﯵ  ﯶ  ﯷ   ﯸ  ﯹ             ﯺ  ﯻ   ﯼ  ﯽ   ﭾ (سورة يس، 36 و 83) و كأن الشاعر يجسم للقارئ كلّ ما يجيش في صدر الفلسطينيين بالنسبة إلى الوطن العزيز، الوطن الذي يأمل كلّ فلسطيني أن يعود إليه و يتخلّص بذلك من الغربة و هذا الأمر يتطلب منه أن يحتفظ بالقدرة و الإيمان كي يستطيع المقاومة أمام الأعداء.

قال سميح القاسم:                       أرضنا،

من عسل ـ يحكي ـ بها الأنهار ـ يحكي ـ

من حليب

(القاسم، 1987م، ص64)

إنّ الشاعر في كثير من أشعاره حول الأرض المقدسة لا يرضي بتوصيفها أقلّ من الجنة، الأرض التي هي جنته المفقودة، الأرض التي تجري فيها أنهار من العسل و اللبن، الأرض التي كانت مهبط الأنبياء و الملائكة و كأنه يريد الإشارة إلى قداسة هذه الأرض و يريد أن يذكر الحياة الرغيدة التي كانت للفلسطينيين قبل الاحتلال الصهيوني، و كذا يريد تأجيج نار الحزن الذي ليس في قلبه فقط بل في قلب كلّ الفلسطينيين و كلّ العاشقين لهذه الأرض المقدسة، و يدعوهم إلى المقاومة أمام غاصبي هذه الجنة.

كما يلاحظ في السطور المذكورة، أنّ الشاعر قد استلهم في تصوير الوطن من الآيات القرآنية في وصف الجنة و يذكــّر القارئ بهذه الآيات الكريمة: ﭿ ﮆ  ﮇ       ﮈ  ﮉ  ﮊﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ   ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ   ﮖ     ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ   ﮟ  ﮠﮡ   ﮢ  ﮣ  ﮤ   ﮥ           ﮦ  ﮧ   ﮨ  ﮩ ﭾ (سورة محمد، 15)  

و قارئ هذه السطور:

من قديم الزمان

أسرجوا الصّافنات الجياد

                     (القاسم، 1987م، ص412)

التي أشار الشا عر فيها إلى الصراع القديم بين الحق و الباطل يذكر بهذه الآية الكريمة: ﭿ ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ    ﭾ (سورة ص، 31)

 و يصور الشاعر في إحدى قصائده باسم "رسالة إلى الله"، جميع أحزانه و آلامه، عندما يقول:

عفوك اللهم إن كان حروفي مستفزّه   

أنا انسان من الطّين                                

 أنا الخاطئ مذ كنت

و مولاي المنزّه !!!

               (القاسم، 1987م، ص 65)

إنّ القارئ يتذكر الآيات التي تدور موضوعه حول خلق الله تعالى الإنسان من طين مثل هذه الآيات : ﭿ ﮤ  ﮥ   ﮦ  ﮧ  ﮨﮩ  ﮪ      ﮫ  ﮬ     ﮭ  ﮮ  ﭾ (سورة السجدة، 7) و ﭿ ﭡ  ﭢ     ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬﭭ  ﭮ  ﭯ    ﭰ    ﭾ (سورة الانعام، 2).

و كذا قول الشاعر في قصيدته: 

علّموني أنه سبحانه يحيي و يفني ما يشاء

                    (القاسم، 1987، ص238)

في الحقيقة يريد الشاعر أن ينوّه بما استوعبه من مفاهيم دينية، و لعله يريد أن يذكر القارىء بهذه الآية: ﭿ ﭼ  ﭽ   ﭾ   ﭿ  ﮀ    ﭾ (سورة يونس، 56)

و كذا قول الشاعر:

كان إذا نشنش ضوء         

 على حواشي اللّيل....يوقظ النّهار

 ويرفع الصّلاة

في هيكل الخضرة، و المياه، و الثّمر

فيسجد الشّجر               

و ينصت الحجر

            (القاسم، 1987م، ص53)

فالشاعر استخدم ظاهرة "التناص" في عبارته (فيسجد الشجر) من الآية الكريمة ﭿ ﮆ   ﮇ  ﮈ    ﭾ  (سورة الرحمن، 6) و لعلّه أراد أن يشير إلى الصّلح و الأمن الحاكمين على الأرض المقدسة قبل الاحتلال، وكأنّ الأشجاركانت ساجدة و الشجر كان يصغي إلى ما يقال و ما يدور بين الناس. و لعلّ الشّاعر أراد أن يبين أنّ الحجر اليوم له دور متميّز، هذا الحجر الذي يستخدمه الشباب الفلسطينيون سلاحـًا لهم أمام الأعداء و يرمونه بكل غضب، و كأنّ الحجر يحمل كلّ حقد الفلسطينيين إلى الأعداء .

و في قصيدة "الوصول إلى جبل النّار" أي إلى مدينة نابلس، يصوّر الشّاعر معاناة طلّاب المدارس و العمّال و المثقّفين الفلسطينيين الذين واجهوا الاحتلال، و حين دبّت المجنزرات و سحقت الأجساد، و اختلط الدّم بالدّم و دوت الصّرخة و زلزلت الأرض و أيقظت الأم طفلها، يقول سميح:

إلى جبل النّار ـ من مرشدي ؟

و دبّت علينا مجنزرة، سحقت بعض أقدامنا

اختلط الدّم بالدّم، ما عدت أعرف جرحي من جرحهم

دوّت الصّرخة القانية:

" وقوفاً " !

و زلزلت الأرض زلزالها

                    (القاسم، 1991م، ج2: 320)

اقتبس سميح في هذا النص من الآية القرآنية ﭿ ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ    ﭾ  (سورة الزلزلة، 1) دلالة على هول المحتل و رعبه، و سحقه الناس كيوم القيامة، حينما تهتز الأرض و تتزلزل، و تخرج ما في باطنها من الأجداث فالجامع بين الدّلالتين هو الصّورة المروّعة المرعبة.

الشّاعر يصف صفوف العدو المنهزمة:

وانهاروا عهنًا منفوشاً       (القاسم، 1987م، ص 345)

 لا شك أن الشاعر اقتبس هذه العبارة من القرآن الكريم : ﭿ ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯﭾ  (سورة القارعة، 5)

و ما أجمل ما قال الشاعر في إحدى قصائده! :

أعطيني قبلة ميلادي                           

ولتكن اللّيله بردًا و سلامًا               

 في نار حبيبي          (القاسم، 1987م، ص185)

و إن كان مضمون هذه الكلمات غزلية لكنها تذكرنا بآية قرآنية. لعلّ الشاعر يريد أن يشير إلى المحبوب و هو الوطن عندما يأتي بكلمة "قبلة" و يتمنى الوصال، و أراد تبديل ليلة مظلمة كنار ٍمحرقة إلى برد و سلام و هذا التحوّل أي تحوّل النار إلى برد و سلام يذكر القارئ قصّة ابراهيم 7 الذي ألقي في نار نمرود و أصبحت النار له برداً و سلامــًا بإذن الله تعالى. (سورة الأنبياء، 69)

و نرى أيضاً في آثار الشاعر اقتباسات من آيات القرآن الكريم كعناوين لدواوين شعره:

(و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم) وعنوان القصيدة (ما تيسر من سورة السلاسل، 1/553) (و حكمة الموتى لنا .. و لجيدنا .. حبل المسد، 3/367)، (اعتصم بالله و الشعب القدير لا بأس بستاناً تصير، 3/516).

2ـ 5 ـ تناص الشخصيات القرآنية:

من مظاهر التناص القرآني في شعر الشعراء الفلسطينيين هو استدعاء الشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، و الشاعر سميح القاسم استلهم من هذه الشخصيات لبيان مأساة الاحتلال وكذا ما يعانونه من ظلم و تعسّف حلّت بالفلسطينيين.

1ـ 2ـ 5ـ هابيل وقابيل:

من الشخصيات القرآنية التي يستدعيها الشعراء في أشعارهم هي شخصية "هابيل" و "قابيل"؛ إذ "تعتبر حادثة قتل قابيل أخاه هابيل رمز الخطيئة التي مارسها الإنسان ضدّ أخيه و رمز الشر الذي لا يزال يعاني منه الإنسان إذ قام الشعراء المعاصرون بتصوير هذه الحادثة التي تدلّ على شناعة قتل الصّهاينة الشّعب الفلسطيني الأبرياء" (رستم بور، 1384هـ .ش، ص25) و الشاعر سميح القاسم استخدم لفظ "قايين" رمزاً للحكام الظالمين و المستبدين إذ يقول:

دوري مع الأعصار ! يا قطعان ! ضيّعك الرّعاة !

و ابكي ربيعًا مات ...مات !!

من يوم شاء الله أن تهوى يدا قايين،

قاتلتين، غائصتين في الدم، في الحياة

و يروح يصرخ من وراء السّدل

في عسف الطّغاة..... الأغبياء من الطّغاة

ـ قايين!  يا قايين !  أين مضت بهابيل خطاه ؟ !!

إذهب !   يرافقك الشّقاء..... جزاء فعلتك الحرام!

قدّر عليك السهد و الألم المبرّح و السّقام 

                                 (القاسم، 1991م، ج4: 18)

كأنه يشير في هذه السطور إلى ما حلّ بالفلسطينيين من مصائب و بلايا و تشرد. و الجدير بالذكر أنّ هذه القصة قد ذكرت في التوراة أيضاً، و سميح قد وظّف هذه القصة ـ قصة قايين و أخيه هابيل حيث تنازعا على فتاتهما ـ مشكلاً درامياً فانقلبت الصورة الموميانية إلى صورة حيّة لها الحيويّة و الحركة، و استخدم سميح القاسم الدّلالة العميقة في تصوير لوحته الشعرية حيث أعطت الدلالة ممثلّة في الصّراع اليهودي و الفلسطيني على ملكية الأرض، و كان من جراء هذا النّزاع استقرار المحتل و تشرد الفلسطينيين إما في المنفى أو في السجن.

2ـ 2ـ 5ـ النبي آدم 7:

إنّ النبي آدم 7 هو أبوالبشر و يمثل في الحقيقة بداية الخلق البشري، لنرى سميح القاسم في قصيدته "الخطيئة و الوثن" عندما يريد الإشارة إلى المدة الطويلة لزمن الاحتلال و كذا عندما يريد أن يبيّن حزنه للقارئ يشير إلى زمن آدم 7 و يذكر في السّطور اللاحقة الخطيئة التي ارتكبها آدم إذ أدت هذه الخطيئة إلى خروجه من الجنة، و لعلّ طرد آدم من الجنة يشبه طرد الفلسطينيين من الوطن الذي يشبه الجنة عندهم، و تشردهم و عليهم أن يقاوموا أمام الأعداء الغاصبين حتى بذل ِ مهجتهم:

دوري مع الأعصار! يا قطعان! ضيّعك الرعاة!

وابكي ربيعا مات ...مات!

و تهيّأي للمسلخ المشؤوم تهدر فيه زاكية الدّماء...

من القرون الخاليات!            

من يوم أنشب آدم المغدور في حواء نابـًا

....و يهزّ صوت الله اركان الوجود:

ـ اليوم تفقد جنتي! فاخرج يرافقك الشّقاء

                              (القاسم، 1987م، ص312)

هذه السطور تذكرنا بالآيات القرآنية التي وردت فيها قصة آدم 7 و خروجه من الجنة و يذكر سميح صفة " المغدور " لآدم و فيه إشارة أنّ الشيطان قد غدر آدم في الجنة. (سورة البقرة، 31ـ 37)

3ـ 2ـ 5ـ النبي نوح 7:

وظّف سميح القاسم كسائر الشعراء الفلسطينيين قصّة نوح النبي7 ذات الدّلالات المتنوّعة في شعره، لما في هذه القصّة من عبر للبشرية جمعاء، فابتعاد نوح النبي7 عن وطنه و استقراره في السفينة لفترة خاصّة حتّى استقرّت على الجودي، فهي تتناسب مع ما يعانيه الشّعب الفلسطيني في أزمته مع الصّهاينة.

"استدعى الشعراء النبي نوح 7 بصور و دلالات متعددة فوظفوا هذه الشخصية إما من خلال رمز الحمامة البشّارة وجاءت إلى نوح بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أنّ الطوفان قد انتهى فاستوى بسفينته على الجودي".

(رستم پور، 1384هـ.ش، ص 28)

سميح قد أشار إلى تلك الحمامة في هذه السطور إذ يقول:

أصبح اليوم حمامة

حملتْ قصفة زيتون..و طارت..

في بلاد الله.. جبريلا..بشيراً بالسّلامة!!!

                                        (القاسم، 1987م، ص516)

يبدو أنّ الشاعر لا يفكر في شئ إلّا حكم الصلح و الأمن و الطمأنينة في أرضه، و كأنّه يرى يوماً قد زال فيه كل ظلم و جور، و انهار الظالمون و هلك فيه الجبّارون القساة وكما أنّ سفينة نوح 7 وصلت إلى ساحل النجاة و الأمن و رست فيه و نجى المؤمنون من الطوفان العصيب فسيأتي اليوم الذي يسكن فيه الفلسطينيون المضطهدون أرضهم المقدسة بكلّ أمن و طمأنينة.

الشاعر المناضل سميح القاسم قد وظّف شخصية نوح 7 في السطور الآتية لبيان مضي مدة طويلة و زمن بعيد ويقول:

من عهد نوح آمنت بوجوهنا

من عهد نوح !

رضيت بروّاد القبائل

من عهد نوح !

رضيت بغرغرة الجلالل

من عهد نوح !

رضيت برنات المعاول

من عهد نوح !     (القاسم، 1987م، ص253)

4ـ 2ـ 5ـ النبي موسى 7:

النّبي الذي كلّمه الله تعالى من شجرة و أرسله إلى بني اسرائيل ليهديهم إلى الصّراط المستقيم. يشير سميح في قصيدة "أبطال الراية" إلى قصة موسى 7عندما رأى ناراً و ذهب كي يأتي بقبس منها و هناك سمع صوتاً من جانب الله تعالى. يقول الشاعر مخاطبا النبي موسى 7:

آنستَ ناراً ضوأت سيناء  ! ثم سمعتَ

قل .. ماذا سمعتَ ؟ سمعتَ صوتَ الله

يا موسى  .. فبشّر في البرية !    (القاسم، 1987م، ص 319)

و فيها اقتباس من القرآن الكريم: ﭿ ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ      ﯠ       ﯡ  ﯢ  ﯣ     ﯤﭾ (سورة طه، 10) و ﭿ ﮅ  ﮆ   ﮇ   ﮈ  ﮉ       ﮊ  ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ   ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔﭾ (سورة النمل، 7)

و قال أيضاً مشيراً إلى الألواح و العجل و هذان يتعلقان بقصة النبي موسى7:

ألواحك الآجر تغري النّمل و الدّيدان

و الإبريز في العجل المدلّل يخطف الأبصار

يقذف بالعقول الدّكن في دوّامة غضبى دجية !

(القاسم، 1987م، ص 318)

و قضية العجل الذهبي الذي صنعه السامري في غياب موسى7 معروفة و قد وردت في القرآن الكريم: ﭿ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ       ﭚ  ﭛ  ﭜ    ﭾ (سورة طه، 88) و ﭿ ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ   ﯓ    ﯔ  ﯕ  ﯖﯗ  ﯘ    ﯙ  ﯚ    ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ   ﯟﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ    ﭾ (سورة الأعراف، 148) و الله تعالى في كثير من الآيات الكريمة قد لام هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً لهم بعد أن جاءتهم البيّنات، كسورة (سورة البقرة،92) إذ قال تعالى: ﭿ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ   ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﭾ.

و في قصيدة أخرى باسم "كذب السحر" الشاعر يكذّب السّحر لأنّ غضبه لا يهدأ، و لايصمت عندما يقول:

أبصر في ما أبصر

فرسانك الأحرار

ضرب البحر الصّاخب بعصاه السّحرية

فانشقّ البحر

ألقى في القوم عصاه فصارت أفعى

تتلوى و تفح و تسعى

سحرٌ ؟       (القاسم، 1991م، ج2: 552)

فالشاعر هنا يشير إلى خروج بني اسرائيل من مصر، و غرق فرعون و قصة السّحر و السّحرة، و فيها إشارة إلى الآيات القرآنية التي اقتبس منها بعض الألفاظ إضافة إلى المعنى، قال تعالى: ﭿ ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ   ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ   ﭞ   ﭟﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ   ﭪ  ﭾ (سورة طه، 65 و 66) فسميح القاسم اقتبس الكلمات القرآنية (الساحر، عصا، انشق البحر، تسعى) التي وردت في النص القرآني، هناك سحر أمام عصا موسى بإيحاء من الله فأصبحت حية تسعى تبتلع الحبال و العصي حتى لم تبق منها شيئاً إلا و ابتلعته و السحرة ينظرون إلى ذلك المشهد الفريد من نوعه و قد تجلّى لهم أنّه إعجاز، أما في نص سميح القاسم فهناك تطابق، ثم هناك انحراف في عدم تصديقه للسحر من خلال تكرار الشاعر لعبارة "كذب السحر" ثلاث مرات.

5ـ 2ـ 5ـ النبي عيسى بن مريم 7:

إنّ شعراء كثيرين أشاروا إلى هذه الشّخصية و استدعوها في أشعارهم، و استقرّ توظيف هائل لها لما يتعلق بالحياة و تعاليم المسيح و صلبه، كأنّ محاورة المسيح تبدو سهلةً كما أنّ الفنانين استطاعوا أن يصوّروا المسيح أشقر، أسمر، أو أسود. (انظر: رستم پور، 1384هـ.ش، ص32)

سميح القاسم استخدم في كثير من أشعاره هذه الشخصية القرآنية و الموضوعات التي تتعلق بها، إنه يلمح و يشير إلى عقيدة سائدة بين المسيحيين بأنّ المسيح 7 صُـلب و قتل لكي يغفر جميع الذنوب وكأنّ المسيح 7 تحمّل كلّ الذنوب من أجل الناس، و هذا الموضوع نجده جلياً في سطور من قصيدة باسم "رسالة إلى الله"  إذ يخاطب الشاعر ربّ العالمين بقوله:

أرضنا                    من عسل ـ يحكى ـ بها الأنهار ـ يحكى ـ

                                                            من حليب

أنجبت ـ يحكى ـ كبار الأنبياء

و عشقناها

و لكنا انتهينا في هوانا أشقياء

و حملنا كلّ آلام الصّليب

يا أبانا، كيف ترضى لبنيك البسطاء

دون ذنب  ـ كل ّ آلام الصّليب ! !   (القاسم، 1987م، ص65)

و في الحقيقة سميح أراد أن يشير إلى مدى الحزن و الأسى و الغم ّالذي انتاب الفلسطينيين إذ هم تحملوا كلّ ذلك و كذا تشردهم و فقدهم الأرض. إنّ سميح في قصيدة أخرى يشير إلى المصائب و المحن التي ابتلى بها المسيح 7 أيضاً و جروحه التي لا تندمل بقوله:

  فليس من تلميذك المعهود

  ليس سوي مسوح

           فارحم جراحك يا مسيح           (القاسم، 1987م، ص321)

و الشاعر كذلك يشير في كثير من أشعاره إلى حالة المسيح 7 مصلوباً و يستخدم كلمات "صليب" و "مصلوب" و منها قوله:

قدماً قدماً

يا شعباً في كوبا

ما عاد مسيحاً مصلوباً

                      (القاسم، 1987م، ص 321)

و هذه العقيدة تختلف عمّا جاء في القرآن الكريم بشأن المسيح7، إذ يرد ّالقرآن قول المسيحيين بأنّ المسيح قتل مصلوباً في قوله تعالى: ﭿ ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿﮀ  ﮁ  ﮂ   ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐﮑ   ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﭾ (سورة النساء، 157)

 و الجدير بالذكر أن سميح اختار عنوان "و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم" لأحد دواوينه.

6ـ 2ـ 5ـ يعقوب و يوسف7:

هذان النبيان الكريمان7 عند الأدباء رمز للفراق و الوصال، إذ تشكل قصّة النبي يوسف7 بكلّ أحداثها مادة غنيّة في الشعر العربي المعاصر.

سميح أشار إلى قصة يوسف7 في بعض قصائده، و قد التحمت هذه القصة بتجربة الشاعر الشعرية، و تحولت إلى دلالة رمزية للواقع الفلسطيني، إذ قام من خلالها بتجسيد هموم الفلسطينيين و أحزانهم، فالشاعر اختار عنوان قصيدته هذه "يوسف" و شرح فيها الحزن المؤلم ليعقوب النبي7 في فراق ولده يوسف7 و قد أشار إلى عودة يوسف إلى كنف أبيه بكل فرح و سرور، عندما يقول:

أحبائي!  أحبائي !

إذا حنّت عليّ الرّيح              

و قالت مرّة : ماذا يريد سميح؟                  

  و شاءت أن تزوّدكم بأنبائي ..

فمرّوا لي بخيمة شيخنا يعقوب           

 و قولوا : إنّني من بعد لثم يديه عن بعد              أبشّره......أبشّره....

بعودة يوسف المحبوب !            

  فإنّ الله و الإنسان....

                                في الدنيا على وعد !!!

                                                   (القاسم، 1987م، ص594)

 و كأنّ الشاعر أراد أن يقول كما أنّ يوسف عاد إلى حضن أبيه سيعود أبناء هذه الأرض المقدسة إلى حضنها الحار و سيبدأون الحياة بكل سرور و اشتياق. إذاً فالفلسطيني لا بدّ له من المقاومة و عليه ألا يسمح لليأس أن يدبّ في نفسه و يحتفظ بكل آماله و طموحاته حتى الوصول إليها، و يشير الشاعر أيضاً إلى وعد الله سبحانه و المؤمنين و الصابرين بالظفر. و أنّ الشباب الفلسطينيين و هم مؤمنون حقّاً بقضيتهم هم الغالبون، و ما النصر إلّا من عند الله العزيز القدير. و يلاحظ أنّ كلمات الأمل و الرجاء  و التي تنوّه بهذا المضمون تموج في القصيدة، مثل "أبشّره".

واستلهم الشاعر من قصة يوسف7 في قصيدة أخرى، عندما أقبل عليه إخوته فعرفهم و هم له منكرون، و طلب منهم أن يأتوا بأخيهم الأصغر و قد شرط عليهم إذا لم يأتوا به فلا كيل لهم، إذ اقتبس الشاعر بعض الآيات كاملة من سورة يوسف، فقصة يوسف و إخوته أثارت ظلالاً للنّص الشّعري، و أوجدت علائق عميقة بين ما هو فيه و ما جرى ليوسف و يعقوب7.

فشاعرنا سميح القاسم في أجواء القصيدة يصوّر لنا حالته النفسية و كيف أنّه منبوذ من قبل مجتمعه، و عندما يشمّ تراب الوطن تتداعى له تلك التأملات التي كانت تنتاب جدّه، و عندها يحمل الرّباب ليعزف بها، و إذا بالرّباب تُعرف يد العازف، و ترحب به ترحاباً بالغاً، إلّا أنّ هناك صوتاً مدويّاً إلى جانب هذا العزف السّار ألا و هو صوت القتلى و الجرحى و قد نزفت الدماء من أبدانهم، و قد تعالت هذه الأصوات و هي مشوبة بالدماء.

إنّها صورة مفرحة مؤلمة، فيها الأمل المرجوّ، و فيها المعاناة و التضحية من أجل الوطن الذي لطالما يطلب الدماء و التضحية كي يتحقق ما يصبون إليه:

شممتُ تراب بلادي فأكد أني ورثت كما ينبغي

رئة عن رئة

و لما أخذت ربابة جدي و أنشدت هذي الشروقية البكر صاحت ربابة جدي:

يدا عازفي مئة بالمئة.

و لكن صوتاً جديداً يغرغر بالدّم صوتاً

جديداً، فأين ؟

...

...

فماذا يجيء غداً ؟

فماذا يجيء

            (القاسم، 1991م، ج4: 85 ـ 87)

ﭿ ﮚ  ﮛ        ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ     ﮢ  ﮣ  ﮤ   ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ   ﮪ  ﮫ  ﮬﮭ  ﮮ    ﮯ    ﮰ  ﮱ  ﯓ   ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ    ﯝ          ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ     ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﭾ (سورة يوسف، 58ـ 61)

7ـ 2ـ 5ـ  هاجر و اسماعيل:

من الشخصيات القرآنية التي استوحاها الشاعر هي شخصية اسماعيل و هاجر في القصة القرآنية عندما بدأت تهرول ذهاباً و إياباً عند الماء لتسدّ رمق وحيدها، فعثرت على الماء أخيراً و كانت "زمزم". استخدم الدلالة القرآنية للغوص في سبر أعماق المعاني، يقول سميح القاسم في سربية " ثالث أكسيد الكربون " في مقطع سيرة "بنيون":

صاح صيحته فارس الدّم و الياسمين

هاجر المتعبة

سئمت في المنافي ولائمها المرعبة

سئمت غوث جبريل و المافيا ..

و أضافت وكالات أنبائنا ..

أصبحت "زمزم" بئر نفط ... و "بنيون" غرثان مستكلب

ايه يا هاجر انتظري طائر الرّعد و الإخوة الباسلين

ايه، و انتظري طفلة تتقن الموت و البعث

عنقاء من دير ياسين .. طالما سئمت الانتظار

و قبيل النهار

أسرجت خصرها للفتى إسماعيل

و مضت في الطريق الطويل ...

إنها في الطريق إلى بيتها

في الطريق .. و ما من دليل

غير دم القتيل

صاح بنيون من مهده العسكري :

ـ لن تعود !

ـ هاجر احترقت .. مرة .. مرتين !

و لغمنا الحدود !

صاح بنيون من مهده لن تعود

و استعدّ الجنود ...

                       (القاسم، 1991م، ج4: 187)

فالسيدة هاجر أعطت دلالة أخرى هي رمز لفلسطين التي سئمت المنافي، و هاجر فلسطين التي احترقت، و "زمزم" دلالة على النفط العربي، و "بنيون" رمز لصهيون و"الفتى إسماعيل" رمز للفلسطيني العربي.

8 ـ 2 ـ 5 ـ النبي يونس 7:

يستلهم الشاعر شخصية يونس7 حين ابتلعه الحوت، فكان متأرجحاً بين الكشف و البوح، و بين التّخفي و التّجلي، و ما بين الغموض و الوضوح، فعندما يقدم له النادل قهوته يتوحّد معها، و فجأة يشقّ القهوة حوت هائل، يغزو قهوته،  و تبقى القهوة مع فنجانها معلقة ما بين الأرض و السماء، و سميح القاسم هنا في قصيدته يقلب الحقائق لتكون الدلالة مغايرة، و وفق ما ورد في القرآن الكريم أنّ الله سبحانه و تعالى أوحى إلى الحوت ألا تأكل له لحماً، و لا تشهم له عظماً  و البطن تكون له سجناً، وقيل: إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه. قالوا: ولمّا استقرّ في جوف الحوت حسب أنه قد مات، فحرّك جوارحه فتحركت، فإذا هو حي، فخرّ لله ساجداً، وقال: يا ربّ اتّخذت لك مسجداً في موضع لم يعبدك أحداً في مثله، فعند ذلك و هنالك قال ما قال بلسان الحال والمقال كما اخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السرّ والنّجوى، ويكشف الضرّ والبلوى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأنبياء، 87) (ابن كثير، 1983م، ص 156)، و في قصيدة سميح كان يونس يتوجّع حيث كان صوته مكتوماً، ليصوّر الواقع الفلسطيني المتمثّل بالصّراع الدائم بين الحوت و هو الاحتلال و يونس المتمثل بالفلسطيني المتخفي، المتشرد، المنفي فيقول في قصيدة "ماذا حدث للمتنبي حين دخل مقهى في شعب بوّان":

و يشقّ عباب القهوة حوت هائل

من أعماق الحوت يأتي مكتوماً صوت يونس

" إلي ّ إلي ّ، يا صاحبي ! "

لا يتردّد و لا يجري حساباً

يلج بطن الحوت

و يبقى فنجان القهوة وحيدا

معلقاً في الفضاء !    (القاسم، 1991م، ج4: 28)

9 ـ 2ـ 5ـ النبي محمد 6:

يستلهم الشاعر سميح القاسم  بما يتعلق بالرسول الكريم 6من القصص، إذ يقول في قصيدة " الموت قبل موعد المبارزة ":

كلّ الذي أملكه

قربة مائي هذه، و هذه الرّبابة

و كسرتا خبز (دمي الأدام)

و قبضة من حشف البيد قبيل الغارة الأخيرة

خذها إذن و بشّر

يا أيها المدثّر    (القاسم، 1991م، ج2: 228)

الدّلالة في النّصّ الشّعري تمتصّ الدّلالة القرآنية و هي دلالة على حال الرسول 6 عندما بلغه قول قريش فيه إنه ساحر، إذ قال بعضهم: ليس بساحر و قال البعض الآخر: كاهن، و منهم من قال إنّه شاعر و قال آخرون إنه ساحر يؤثر، أما الدلالة في النص الشعري "يا أيها المدثر" فهي تنصرف إلى الفلسطيني الحزين خذ ما تملك و بشّر، خذ  ربابتك، و كسرة خبزك بيدك و بشّر و قل يا أيها الفلسطيني: إني قُتلت قبل موعد المبارزة.

و في قصيدة "نخلة النص" يكرّر سميح القاسم النصّ القرآني بقوله:

كلّ الذي أملكه

على جياد النّار

فانهض إذن و بشّر

يا أيها المدثّر       (القاسم، 1991م، ج2: 511)

مع أنّ هذه العبارة اقتباس حرفي من القرآن الكريم: ﭽ ﮬ  ﮭ         ﭼ (سورة المدّثّر، 1)، و المخاطب في الآية هو النبي محمد6 أمّا المراد منه في النص الشعري هو الفلسطيني.

إن سميح القاسم في قصيدته "المعراج الأرضي" هكذا يقول:

لا تعقدي يا أمّه زَندَيهِ

لا تغمضي عينيه

أنت أجزت الموت في العبادة

فاشعلي المصباح

و هيّئي الفراش و الوسادة

لعلّه يرتاح

في قمّة الولادة

لا تعقدي يا أمّه زَندَيهِ

لا تغمضي عينيه

لم يحسن الكتابة

لكنني قرأت في الوصية

بخطّه ... قرأت في الوصيّة

عن جنّة شقيّة

يمنحها شبابه

و مرّة .. يجبل في ترابها ترابه

لا تعقدي يا أمّه زَندَيهِ

لا تغمضي عينيه

إسراؤه الأرضيّ

لا يرضى سوى معراجه الأرضي ...

                       (القاسم، 1991م، ج1: 484)

هنا يستوعب سميح قصة الإسراء و المعراج، التي أشار إليها سبحانه في قوله: ﭽ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ     ﭙ     ﭚ  ﭛ  ﭜ   ﭝ  ﭞ  ﭟ     ﭠ  ﭡﭢ  ﭣ      ﭤ  ﭥ  ﭦ    ﭼ (سورة الإسراء، 1)،  لتعطي الدلالة الروحية الدينية رمزاً وطنياً عميق المدى، و يزيد توضيحاً للنص الشعري، فعندما قرأت وصية الشهيد، و كانت عن جنة شقية، و المقصود وطنه، فالإسراء في القرآن الكريم هو رحلة الرسول 6 الرّوحية و الجسدية من مكة إلى بيت المقدس، و من ثم  معراجه إلى السّموات السّبع، أما في نص سميح فالإسراء و المعراج رحلة الشّهيد و علاقته بأرضه فلسطين، و الجنّة في القرآن هي جنّة النعيم أما الجنّة في القصيدة فهي جنة شقية و هي أرض فلسطين.

و قد كرّر سميح لفظ المعراج و الإسراء و البراق مستوحياً النصّ القرآني ليعمّق ارتباطه بالأرض كارتباط الإسراء و المعراج بمحمد الرسول الكريم 6، و كذا ليعيد إلى الذاكرة الجماعية للمسلمين، أما تغيّر الدلالة هنا فبستان حبيبي هو إسراؤه، أما فاكهة هذا البستان فمعراجه، و "براقه" هو الذي يوصله إلى هذا الوطن عن طريق حبّه لله:

بستان حبيبي إسرائي

معراجي فاكهة حبيبي

و "براقي" شغفي بالله !

شغفي بالله !                 (القاسم، 1994م، ص50)

و يأخذ سميح من القصص الإسلامية المتعلقة بالنبي 6 قصة الحمامة و العنكبوت حينما هاجر الرسول6 من مكة إلى المدينة و لاذ بغار "ثور" متقياً شرّ أذى قريش و خشية على دعوته، راصداً أكبر الفرص لتبليغ رسالته، يقول في "نشيد الأنبياء":

أحراء ! هل هجرت حمامتُك الوديعة ؟

هل جفتك العنكبوت ؟

أحراء

هل دهمت قريش أمان لائذك الكريم ؟

فراح تحت سنابك الكفّار

مغدوراً يموت ؟ !

عادت مني و أبولهب

عادا ... فما تبت و تبّ !    (القاسم، 1991م، ج4: 25)

إن تغير الدلالة هنا يبرز جلياً ليصور الواقع الاجتماعي و السياسي، و يبتعد عن المباشرة مقترباً من الآفاق الإيحائية، مرسلاً إلى المتلقي ألواناً و أنواعاً من الإيحاءات، و من خلالها يربط بين العلائق المباينة، حدّ الائتلاف، فـ"قريش" في النص الشعري هي دلالة على "المحتلّ"، و "حراء" هي ملجأ الفلسطيني المتشرد الذي يلوذ به لبعض الأحايين و الهجرة هي الحلّ لهذه الأزمة.

 

نتائج البحث

لا ريب أنّ أحد مصادر استلهام الشعراء العرب في خلق آثارهم الأدبيّة هو القرآن الكريم و تعاليمه العاليّة، و ممّا لا شكّ فيه أنّ "التّناص القرآني" في البلدان الإسلاميّة، و خاصّة فلسطين بعد الغزو الثقافي من جانب العدوّ الصّهيوني أصبح أمراً مشهوداً.

لقد انتهت هذه الدراسة إلى أنّ الشاعر "سميح القاسم" و الذي يُعتبر رمزاً من رموز المقاومة الفلسطينيّة قد اتّخذ هذا النهج "التّناص القرآني" في بعض أشعاره أيضاً، مستلهماً من الذّكر الحكيم، كي يبيّن موقفه من الاحتلال، فهو من منطلقه هذا يريد إثارة شعور التّحرّر و المقاومة لدى الشّعب الفلسطيني، و ذلك باستخدام بعض المفاهيم القرآنيّة لشحذ عواطفهم، و قد ظهرت هذه الظاهرة في آثاره في مجالين:

أ ـ العبارات القرآنيّة.

ب ـ الشّخصيّات القرآنيّة.

إنّه يحاول أن يستمدّ من التّراث الإسلامي، و خاصّة من القصص القرآنيّة ليعطي بعداً دلاليـّاً للواقع السّياسيّ و الاجتماعيّ، و كذا الوضع المتأزّم في الأراضي المحتلّة و ما يعانيه شعبه من الواقع المرير الذي يواجهه هذا الشّعب المهضوم حقّه. 

مصادر البحث

كتب:

ـ  القرآن الكريم .

ـ ابن ربيعة. لبيد. (1993م). ديوان لبيد بن ربيعة العامري. بيروت: دار الكتاب العربي.

ـ ابن كثير. أبوالفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر. (1983م). قصص الأنبياء. بيروت: دار الفكر.

ـ الأنصاري. حسان بن ثابت. (1974م). ديوان حسان بن ثابت. حققه وليد عرفات. بيروت: دار صادر.

ـ بنيس، محمد، (١٩٩٠ م).  الشعرالعربي الحديث، بنياته وإبدالاتها. المغرب: دار توبفال.

ـ تاوريريت. بشير. (2008م). التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر. دمشق: دار و مؤسسة رسلان للطباعة و النشر و التوزيع.

ـ الجاحظ. أبوعثمان عمرو بن بحر. (د.ت). البيان و التبيين . تحقيق عبد السلام هارون. ط2. بيروت: دار الجيل. 

ـ الجواهري. محمد مهدي. (1973م). ديوان الجواهري. جمعه إبراهيم السامرائي و آخرون. بغداد: مطبعة الأديب البغدادية.

ـ الجبوري. يحيى. (1964م). شعر المخضرمين و أثر الإسلام فيه. بغداد: مطبعة الإرشاد.

ـ الحلبي. شهاب الدين محمود. (1980م).  حسن التوسل إلى صناعة الترسل. تحقيق ودراسة أكرم عثمان يوسف. بغداد: وزارة الثقافة والإعلام.

ـ حمدان. عبدالرحيم حمدان. (2006م). التناص في مختارات من شعر الانتفاضة المباركة. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية و الإنسانية.

   ـ الخضراء الجيوسي. سلمى. (2000م). موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر. د.ن.

ـ الدراجي. محمد عباس. (1987م).  الإشعاع القرآني في الشعر العربي. بيروت: عالم الكتب.

ـ درويش. محمود. (1971م). شئ عن الوطن. بيروت. دار العودة.

ـ‌  صدوق. راضي. (2000م). شعراء فلسطين في القرن العشرين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات و النشر.

ـ الفيروزآبادي. محمد بن يعقوب. (1923م). القاموس المحيط. مصر: المطبعة الأميرية.

ـ القاسم. سميح. (1987م). ديوان سميح القاسم. بيروت: دارالعودة.

ـ   ـــــ. (1991م). المجموعة الكاملة . كفر قرع: دار الهدى.

ـ  ـــــ . (1994م). الكتب السبعة. بيروت: دار الجديد.

ـ كنفاني. غسان. (1986م). الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948ـ 1968م. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

ـ  معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين. (1995م). الكويت: مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري .

مجلّات:

ـ رستم پور. رقية. (1384هـ.ش).  التناص القرآني في شعر محمود درويش. مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية و آدابها.

مواقع الكترونيّة:

ـ www.aklaam.com

ـ www.sofnet.com

ـ www.aljareeda.com

www.Jehat.com ـ

لغة البحث: عربي