تصنیف البحث: الفقه وأصوله
البحث بصيغة pdf: PDF icon waqf.pdf

الأهداف والمنهجية

يستهدف هذا البحث وضع إطار فقهي لما يتبرع به المسلم من جهد في أوقات محددة خدمة للمشاريع الإنسانية التي أصبحت اليوم ركيزة من ركائز المجتمعات المتقدمة، حيث أصبحت هذهِ المجتمعات تقوم على ثلاثة قطاعات أساسية؛ القطاع العام، والقطاع الخاص، والقطاع التطوعي الذي أخذ ينمو نمواً متسارعاً في المجتمعات الإنسانية المتطورة، ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعلى رأسها الكويت التي باتت اليوم رائدة العمل الإنساني التطوعي في العالم.

ولاعجب في ذلك ولاغرابة أن تجد ظاهرة التطوع والتبرع في المجتمعات الإسلامية، إذ حثّ الإسلام على التطوع والقيام بالأعمال الخيرية، ففي القرآن الكريم والسنة النبوية العشرات من النصوص الداعمة لفكرة التطوع، وقامت سيرة المسلمين على مر التاريخ على هذا النهج، فكانت الحضارة الإسلامية نتاجاً لمشاركة جميع أبناء المسلمين وتعاونهم على بناء الدولة والمجتمع، إذ يساهم كل فرد من أبناء المجتمع في إرساء هذهِ الحضارة التي شاهدنا تألّقها في التاريخ البشري، وللوهلة الأولى نستطيع أن نؤكد من خلال دراسة اجتماعية اقتصادية على أنّ الجزء الأكبر من هذهِ المساهمات كانت تطوعية تبرع بها أفراد عن طيب خاطر بأموالهم أو جهدهم أو خبرتهم.

والوقف هو الإطار الواسع للتبرع وكان ولايزال ركيزة مهمة من ركائز الاقتصاد الإسلامي، وأدى دوراً مهما في تقدم الأمة الإسلامية إلى الأمام.

وإذا عرفنا في الماضي التبرع بالمال، فقد نشأت نتيجة لتطور المجتمعات البشرية وحاجاتها المستمرة أنواع أخرى من التبرع كالتبرع بالجهد والخبرة والوقت والذي يطلق عليه بالتطوع الذي بات ظاهرة مهمة أخذت تتسارع في النمو، فكان لابد من تحديد أطر فقهية لهذهِ الظاهرة حتى يصبح الدافع إلى التطوع مضاعفاً؛ لأنه ينطلق من منطلقات شرعية.

يستدعي البحث عن إطار فقهي للتطوع بالوقت إلى:

أولاً: معرفة القيمة الحقيقية للوقت

ثانياً تكييف عنوان الوقف على التطوع بالوقت.

ثالثاً: تكييف العناوين الأخرى كالصدقة والنذر والعهد واليمين والإجارة على مفهوم التطوع بالوقت.

رابعاً: تطبيق القواعد الفقهية على ما يبذله المسلم من جهدٍ في إطار الوقت.

خامساً: تطبيق العناوين الفقهية المذكورة على تكوين المؤسسة الطوعية، ومحاولة تأهيل هذهِ المؤسسة، واستثمار جميع العناوين الفقهية التي ذكرناها للدعوة إلى التطوع والتبرع بالوقت والخبرة والجهد.

المبحث الأول: القيمة الحقيقية للوقت

ليس هناك بحث مستقل في الفقه يتناول موضوع الوقت لكن يمكننا الوصول إلى صورة متكاملة عن حقيقة الوقت وأهميته من خلال جملة عناوين ومسائل فقهية تعرّض لها الفقهاء في مباحث العقود والإيقاعات خصوصاً عقود البيع المتنوعة.

وبصورة عامة يمكن الاستدلال على أهمية الوقت: بأنّ أكثر العقود هي بحاجة إلى عنصر الوقت.

وأول ما يطرأ على الذهن عند وقف الوقت هو السؤال: هل للوقت ثمن في الفقه الإسلامي؟ وكيف تنظر الشريعة الإسلامية إلى الوقت؟

والجواب: عندما ننظر إلى مسائل كبيع النسيئة نجد بأن الشريعة الإسلامية أباحت زيادة في دفع الثمن في النسيئة باعتبار مقدار المدة، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على أنّ للوقت ثمناً كلما زادت المدة زاد الثمن أيضاً.

وهناك موارد عديدة نجد فيها أنّ الشارع منح قيمة مادية للوقت فمع أية زيادة في الوقت لابد من زيادة في الثمن من هذهِ الموارد:

  1. الفارق بين النقد والنسيئة: فكلما زادت مدة النسيئة زاد الثمن.
  2. خيار التخلّف عن دفع الثمن: كلما تأخر المشتري في دفع ثمن السلعة التي اشتراها فللبائع خيار الفسخ أو التراضي على ثمن جديد أكثر من الثمن الذي اتفقا عليه ويسمى بخيار التخلّف.
  3. مدة الإجارة: فالثمن المقبوض في الإجارة لابد من أن يتناسب ومدة الإجارة فكلما زادت المدة زاد ثمن الإيجار. فالذي يستأجر بيتاً للإيجار لمدة سنتين ما يدفعه من ثمن يختلف عما لو كانت المدة سنة واحدة. كذلك مَن يستأجر عاملاً لمدة شهر فما يدفعه المؤجر للأجير يختلف عما يدفعه في مدة شهرين، وهذا ما يؤكد لنا على أنّ للوقت ثمناً باعتبار ما يبذله العامل الأجير من جهد في هذا الوقت، فكلما طال ازداد الثمن لأنه قام بعمل أكثر.
  4. الزواج المنقطع: فإذا اخلت الزوجة في المدة وطالبت بالانفصال قبل المدة المقررة فمن حقّ الزوج أن يقلل من قيمة المهر بحسب المدة المنقطعة.
  5. ثمن التأخير في العمل: فإذا اتفق صاحب العمل مع العامل على ثمن في مدة معينة فتأخر العامل في إتمام العمل في تلك المدة فمن حقّ صاحب العمل إنقاص أجرة العامل بمقدار مدة التأخير مما يدلّ على أهمية الوقت وأنّ له ثمناً مقداره يعتمد على مدة التأخير.

وسنأتي إلى ذكر بعض المواضيع التي يمكننا الاستدلال بها على أهمية الوقت وقيمته ورأي الفقهاء فيها.

المطلب الأول: بيع النسيئة

وهو ما يسمى اليوم بالبيع بالتقسيط؛ وهو بيع يُعجل فيه السلعة ويتأجل فيه الثمن كله أو بعضه على أقساط معلومة لأجل معلوم. وهو من المسائل المتعارف عليها اليوم، وأخذ ينتشر انتشاراً كبيراً في معاملات الأفراد والشركات حتى الدول فيما بينها، فيتم شراء البضائع بالتقسيط من شركات معروفة وهي بدورها تشتري هذهِ البضائع بالتقسيط أيضاً من المورّدين أو المنتجين، والنسيئة من المعاملات الجائزة التي صرّح بجوازها الفقهاء من كلّ المذاهب الإسلامية، إذ رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنه اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد([1]). فيجوز أخذ زيادة من المال في مقابل التأجيل، وهذا ما ذهب إليه أكثر الفقهاء إلا القليل الذين قالوا بحرمته بحجة أنه ربا.

ففي بدائع الصنائع (الفقه الحنفي): "الثمن قد يزاد لمكان الأجل".([2])

وفي بداية المجتهد (الفقه المالكي): "جُعل للزمان مقدارٌ من الثمن".([3])

وفي الوجيز للغزالي (الفقه الشافعي): "الخمسة نقدً تساوي ستة نسيئة".([4])

وفي المبدع (الفقه الحنبلي): "الاجل يأخذ قسطاً من الثمن".([5])

وفي نيل الأوطار (الفقه الزيدي): "يجوز بيع الشيء باكثر من سعر يومه لأجل النساء".([6])

وفي شرح النيل (الفقه الاباضي): "يلزم للأجل قسطاً من الثمن فيزيد الثمن بالأجل وطوله وينقص بعدم الأجل وبقصره".([7])

وفي جواهر الكلام للنجفي (الفقه الإمامي) في مبحث الفقه والنسيئة (وإن اشترط التأجيل للثمن).

بعد أن ذكر رواية أحمد بن محمد: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام في خطابه لأصحابه: إن هذا الجبل قد فُتح على الناس منه باب رزق فقال: إذا أردت الخروج فاخرج فإنها سنة مضطربة وليس للناس بدٌ من معاشهم فلا تدع الطلب فقلت: إنهم قوم ملاء ونحن نحتمل التأخير فنبايعهم بتأخير سنة قال: بعهم. قلت: سنتين قال: بعهم، قلت ثلاث قال: لايكون لك شيء أكثر من ثلاث سنين.([8])

وفي رأي صاحب الجواهر جواز التأخير حتى أكثر من ثلاث سنين؛ بل لايبعد جواز ذكر المدة حتى يعلم المتعاقدان عدم ادراكها عادة كالتأخر إلى الف سنة مستدلاً بذلك على اصالة اللزوم مع عدم التقصير من البايع في فوات الأجل الذي له قسطٌ من الثمن.([9])

وفي شرائع الإسلام للمحقق الحلي: "إذا اشترط تأخير الثمن إلى أجل ثم ابتاعه البائع قبل حلول الأجل جاز بزيادة كان أو بنقصان حالاً ومؤجلاً إذا لم يكن شرط ذلك في حال بيعه وإن حلّ الأجل فابتاعه بمثل ثمنه من غير زيادة جاز، وكذا إن ابتاعه بغير جنس ثمنه بزيادة أو نقيصة حالاً أو مؤجلاً.

وإن ابتاع بجنس ثمنه بزيادة أو نقيصة فيه روايتان اشهرهما الجواز([10]).

ويقول المحقق" ويجوز بيع المتاع حالاً ومؤجلاً بزيادة عن ثمنه إذا كان المشتري عارضاً بقيمته.([11])

القرض والقيمة المعنوية للوقت.

لم يجعل الشرع الإسلامي الحنيف للزمن في عقد القرض أي قيمة تبادلية نظراً للأسباب الآتية:

  1. إن إقرار القيمة المالية، يُخرج القرض عن أهدافه وهو مساعدة الغير، والتبرع لعمل الخير.
  2. إن اقرار هذهِ القيمة سيتنافى مع ضمان المقترض للقرض وبالتالي فإنه يخالف حديث الخراج بالضمان([12]).
  3. إن إقرار هذهِ القيمة يجعل من الزمن سبباً في الزيادة على أصل القرض وهو الربا بعينه. إذن الفرق بين البيع والقرض ان البيع تبادل مختلفين يدفع سلعة مقابل المال بينما القرض تبادل مثلين مال بالمال فالأول أجيز فيه الزيادة والثاني لم يجز فيه الزيادة وهو الربا.

المطلب الثاني: السَلَم

السَلَم من البيوع المؤجلة وهو دليل على قيمة الوقت من الناحية الاقتصادية، إذ يجري في السلم تخفيض ثمن السلعة لتأخر قبضها بما يعني تغير قيمة المبالغ المالية فالعين خيرٌ من الدين، والمال خير من المؤجل.

وقد جعل جمهور الفقهاء الأجل شرطاً لصحة عقد السلم؛ باعتبار أن للأجل قيمة تبادلية، أو اعتبار أن نقص ثمن المسلم فيه في الغالب من حالات بيوع السلم وفقاً لتوقعات كل من المسلم والمسلم إليه ناشئة عن تعجيل دفع ثمن المسلم فيه عن موعد تسليمه المحدد في العقد. ولما كان عقد السلم قد شُرع على سبيل الرخصة والاستثناء من عقد البيع، والاستثناء لايُقاس عليه في عقود المعاوضات الأخرى فضلاً عن قيام عنصر المخاطرة لأنه يترتب على التأخير في تسليم المعقود عليه (المسلم فيه) عن قبض الثمن خسارة للمسلم (المشتري) بسبب عوامل السوق المختلفة.

المطلب الثالث: خيار التأخير

وهو أحد الخيارات التي يحق فيها فسخ العقد عند التأخير في تسليم السلعة، إذ يقتضي تعجيل كل من المتبايعين تسليم العوض الذي استحقه الآخر بالبيع مع تسليم صاحبه له ما استحقه هو بالبيع، فالعقد مبني على التسليم والتسلم، نعم إذا لم يسلم أحدهما ما عليه – عصياناً أو عجزاً- لم يجب على الآخر التسليم ولو امتنع أحد المتبايعين من التسليم مع حضور الآخر له، كان للآخر إجباره عليه.

ويختص البيع بأنه مع عدم تسليم البيع وعدم تسليم الثمن لايثبت الخيار إلّا بعد ثلاثة أيام فإن جاء المشتري بالثمن وقبض المبيع فهو والّا كان للبائع الخيار والفسخ بعد الثلاثة.

هذا والظاهر جريان ذلك إضافة إلى عدم قبض المبيع وحده، فلو قبض البائع الثمن ولم يقبض المشتري المبيع مع بذل البائع له يكون البيع لازماً إلى ثلاثة أيام ويثبت الخيار بعدها للبائع.

ويسقط خيار التأخير بالتراضي، إما بعوض أو بالمسامحة والتنازل عن الحق وهذا ما يؤكد لنا بأن للمدة الزمنية قيمة حقوقية يترتب عليها آثار مالية عديدة.

ذكر صاحب مفتاح الكرامة: روى أصحابنا ان المشتري إذا لم يقبض البيع، وقال البائع: أجيئك بالثمن ومضى، فعلى البائع الصبر ثلاثاً ثم هو بالخيار بين فسخ العقد مطالبة بالثمن ونحوها([13]).

المطلب الرابع: الشرط الجزائي في العقود

أفتى الفقهاء بجواز الشرط الجزائي الذي يضعه المتعاقدون كتعويض في حالة تأخير العمل، وهو ما تم الاتفاق عليه أثناء العقد أو في اتفاق لاحق قبل الاخلال بالالتزام على مقدار التعويض الذي يستحقه، مثلاً صاحب العمل عند عدم التزام العامل بتنفيذ العمل في المدة المقررة.

والشرط الجزائي كما بينه الفقهاء على شكلين:

الأول: هو ما كان اتفق عليه تنضيداً للأعمال على الشكل الذي يراد له أو عدم الوفاء بالموعد المعين وهو أمرٌ مباح لأنه يجري في إطار "المؤمنون عند شروطهم".

الثاني: هو ما كان اتفق عليه  في الوفاء بالدين، فإذا تأخر المدان عن وضع الدين فهذا الشرط ساقط لأنه نوع من الربا إلا في حالات خاصة فصلها العلماء في كتبهم الفقهية.

وهذا أيضاً يدل على ما للوقت من قيمة مادية وثمن يقوَّم بعدد الايام فإذا كان التأخير أسبوعاً مثلاً فالشرط الجزائي هو دفع (100 ألف دينار) مثلاً والشهر مليون دينار وهكذا يصبح للزمن قيمة مادية.

المطلب الخامس: مهر الزواج المنقطع

المهر هو شرط في عقد الزواج المنقطع يبطل بلا مهر، بينما ليس المهر شرطاً في صحة العقد الدائم فلا يبطل بلا مهر([14]).

ويتقدَّر المهر بالمراضاة([15]).

وتتجلى قيمة الوقت عند الخلل في المدة المعينة حيث ذكر الفقهاء: "إذا أخلت المرأة بالمدة المعينة في عقد الزواج المنقطع كان له (الزوج) ان يضع من المهر بنسبتها([16]).

فلو تمتع بها -مثلاً- أسبوعاً بسبعة دنانير فتخلفت يومين قطع من المهر دينارين وهكذا([17]).

وهذا ما يُبين لنا بأن للزمن قيمة مادية. صحيح ان الخلل في المدة مخالف لما تم التعاقد عليه فلابد من أن يترك أثراً في التزام الزوج، لكن ذهب الشارع إلى تقويم المدة التي أخلت بها الزوجة بجزء من المهر بما يتناسب والمدة التي وقع فيها الخلل.

المطلب السادس: مدة الإجارة

الإجارة على الأعمال تقع على عمل معلوم كالبناء والزراعة وحمل البضائع ويسمى بالأجير، وهو من يقدم جزءاً من وقته وجهده للقيام بعمل ما في مدة معينة.

ويقسم الأجير على نوعين: أجير خاص وأجير مشترك.

الأجير الخاص وهو من يعمل لواحد ويستحق الأجر في مقابل ما يُقدمه من خدمة في المدة المتفق عليها، كمن استؤجر للخدمة سنة أو لرعي الغنم وهو لايضمن ما تلف في يده وعمله.

الأجير المشترك: وهو الذي يعمل لغير واحد أي لعامة الناس ولايستحق الأجر حتى يعمل كالصباغ والحداد ونحوهما والمتاع في يده أمانة لايضمن إذ هلك وإن شرط ضمانه للإيجار، ولو استأجره ليحمل له متاعاً إلى موضع معين بأجرة في وقت معين فإن قصر عنه نقّص من أجرته شيئاً جاز ولو شرط سقوط الأجرة إن لم يوصله فيه لم يجز وكان له أجرة المثل. وإذا قال: أجرتك كل شهر بكذا صح في شهر، وله في الزائد أجرة المثل إذ سكن وقيل: تبطل لتجهّل الأجرة، والأول أشبه([18]).

مما سبق يتضح جلياً أن الإسلام لم يقر بأن للزمن المجرد عوضاً مالياً بل الذي يفهم عدم جواز أخذ العوض المالي مقابل مجرد الزمن ولايُفهم من ذلك أن نقول ليس للزمن قيمة اقتصادية فلا يستوي في الأجرة استلامها في أول الشهر أو في آخره كما لايستوي في ثمن البيع المؤجل والمال، ولكن ليس ذلك للزمن بمجرده بل بما يقتضيه التأجيل من تضحيته بالفرصة البديلة التي يمكن أن يحصل عليها الدائن حال التعجيل.

المبحث الثاني: العناوين الفقهية والتكييف الشرعي للعمل التطوعي

من اللوازم الضرورية منح عنوان فقهي للتطوع بالوقت وما يترتب على ذلك من المنفعة، حيث ان الانشداد إلى التطوع والتحمس إليه سيكون أكبر لو تأطر بإطار فقهي يشعر من خلاله المتطوع أنه يؤدي وظيفة شرعية يُؤجر عليها، كما أن الإطار الشرعي يجعل من الممكن احتواء التطوع وإخضاعه لضوابط وقوانين تستدعيها عملية التنظيم التي تتطلبها عملية التطور خصوصاً في حالة التطوع الجمعي.

وعند طرح فكرة التطوع على العناوين الفقهية نجد أن عدة عناوين يمكن أن تستوعب هذهِ الفكرة مع وجود بعض الاختلافات الطفيفة.

ولما كانت دائرة التطوع دائرة واسعة فلابد من استيعاب جميع هذهِ العناوين من وقف وصدقة ونذر وعهد وإجارة وما شابه ذلك. ولنبدأ أولاً بالوقف.

العنوان الأول: الوقف

استدل الفقهاء على الوقف بعدة روايات أهمها:

  1. رواية ابن أبي الجمع، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "حبّس الأصل وسبّل الثمرة".([19])
  2. وعن الدعائم عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "الصدقة والحبس ذخيرتان فدعوهما ليومهما".([20])
  3. وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال "تصدق رسول الله صلى الله عليه وآله بأموال جعلها وقفاً وكان ينفق منها على أضيافه.([21])
  4. وعن ضريس عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرَّ برجل يغرس غرساً في حائط له فوقف عليه فقال: ألا أدلك على غرسٍ (أثبت أصلاً ... إلى أن قال فقال الرجل: أشهدك يا رسول الله أن حائطي هذا صدقة مخصوصة على فقراء المسلمين من أهل الصفة فأنزل الله تبارك وتعالى (فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى)([22]).
  5. وعن محمد بن مهران قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام أوصى أن يُناح عليه سبعة مواسم فأوقف لكل موسم مالا يُنفق([23]).
  6. وعن أبي مريم قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام عن صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وصدقة علي عليه السلام فقال هما لنا حلال وقال: إن فاطمة جعلت صدقتها لبني هاشم وبني المطلب.([24])
  7. وعن الصفار أنه كتب الى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام في الوقف وما رُوي فيه عن آبائه فوقع: الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله.([25])

واستناداً لهذهِ الروايات عرّف الفقهاء الوقف بأنه عقد تحبيس الأصل واطلاق المنفعة.([26])

وعرفه صاحب الروضة هو تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة.([27])

وذكروا أربعة شرائط للموقوف هي: أن يكون عيناً، مملوكة ينتفع بها مع بقائها ويصلح اقباضها([28]).

وهذا هو الرأي الأول الذي يرى الوقف مقيداً بالعين المملوكة، وشرط بقاء العين ما يُسمى بالتأبيد.

وهناك رأيٌ آخر يرى أنّ الوقف أمرٌ عُرفي ولم يعلم زيادة الشارع على الأمر العرفي إلّا فيما يتضمن من ذلك([29]).

ويرى أصحاب هذا الرأي أيضاً أن كلام الأئمة ]في الوقف[ مورد والمورد لايخصص. وفي معرض رد هذا الفريق على القائلين بعدم صحة (وقف الدين والمنفعة والكلي والمبهم والمردد).

"رؤية العقلاء؛ صحة هذهِ الأوقاف، إذ الوقف كما تقدم عقلائي قد امضاه الشارع، فكلما لم نحقق شرطاً زائداً من الشارع كان اللازم الرجوع إلى المقدار العقلائي، وأوقاف الأئمة عليهم السلام لم تكن حاصرة بل من باب المصداق، فإذا شمل الدليل لمثل هذه الأوقاف لم تكن بذلك بأس والاجماع محل نظر صغرى وكبرى وعدم دخول المنفعة تقدير تماميته إنما ينفع في المنع عن وقف المنفعة فقط بالاضافة إلى عدم تمامية الدليلن إذ المقصود من الوقف الانتفاع كما هو عقلائي فإذا حصل الانتفاع كفى ويشمله دليل الوقف نحو الوقوف حسب مايوقفها أهلها فعدم شمول مثل (حبس الأصل وسبل الثمرة) غير ضار.

وكيف كان ففي ما ذكر من الأدلة ]أدلة الوقف[ مناقشة واضحة خصوصاً بعد أن كان الوقف عقلائياً وشمله الإطلاق، لكن مخالفة المشهور مشكلة خصوصاً بعد أن لم تكن هذهِ الأقسام متعارفة مما يسبب الشك في شمول الإطلاق لاحتمال الانصراف. ثم الظاهر بناءً على ما تقدم من صحة أوقاف الأقسام الخمسة صحة وقف الحقوق، كحق التحجير وحق الترجمة والطبع والنشر وحق الصوت وحق الاختراع وغيرها من الحقوق المستجدة."([30])

"ولا كلام في أنه يجوز وقف هذهِ الحقوق قصداً واستقلالاً، أما إذا كانت تابعة فقد أجاز الشافعية والمالكية وقفها، ويرى الأحناف أن وقف هذهِ الحقوق ولو تبعاً لايجوز؛ لأن الحق لايتموّل عندهم".([31])

وبناءً على هذا الرأي يقول الشيرازي: "أمّا ما يدل على عدم لزوم التأبيد فهي إطلاقات". (أوفوا بالعقود) فإن الوقف قسم من العقد، بل يجب الوفاء به إذا كان إيقاعاً، إذ لافرق في العقد والإيقاع في وجوب الوفاء للمناط في العقود، لذا يلزم الوقف والابراء والعتق والاعراض وما أشبه فتأمل.

واطلاقات أدلة الوقف نحو الوقوف على حسب ما يقفها أهلها وإن الوقف عقلائي والعقلاء لايرون لزوم التأبيد والشارع لم يردعهم كأوقافهم عليهم السلام فإنه يؤيد صحة الوقف المؤقت لوحدة المناط"([32]).

خلاصة هذا الرأي؛ توسيع دائرة الوقف لتشمل كل ما ينتفع به الموقوف عليه وكل ما يخطر في بال الواقف من المصالح التي تنفع المجتمع بشرط أن تكون في ضمن دائرة الشريعة الإسلامية. ومن هذهِ المصالح صرف ما يمتلكه الإنسان من خبرة وتجارب وملكات يتمكن من وقفها للأعمال الخيرية. فلو كان بمقدور الواقف وقف ما يمتلكه من حقوق كما هو مبين في الرأي السابق فمن باب الأولى أن يكون بمقدوره أيضاً وقف خبراته وملكاته المتنوعة في سبيل الله في الأعمال الخيرية.

من هنا نستطيع أن نستنتج جواز وقف الوقت كأحد الاحتمالات لابعنوان الوقت بل بعنوان وقف الخبرات والملكات في أزمان محدودة بعد أن ظهر عدم اشتراط التأبيد. وهذا أحد الاحتملات التي يمكن لنا أن نستدل على جواز وقف الوقت باعتبار ما يقع فيه من منافع وأعمال ونحوها ولكن لملازمة هذه ولزوم وقوعها في الزمان يعبّر عنه بوقف الوقت تسامحاً.

النوع الثاني : الصدقة

الصدقة لها مفهوم واسع ابتداءً بالتصدق بالمال وانتهاءً بالكلمة الطيبة مروراً بالوقت والجهد والخبرات وما يمتلكه الإنسان المسلم من علوم وفنون وملكات، فكل ما يبذله المسلم من عطاء في سبيل الله هو في دائرة الصدقة. إلّا أن الصدقة بحاجة إلى إيجاب وقبول وإقباض فيمكن تنظيم هذا العقد بشكل يسهل وصفه في إطار المؤسسة الخيرية كما ذكر الفقهاء حيث لايجوز الرجوع فيها، أيضاً ذكر الفقهاء بأنها تجوز على الذمي وإن كان أجنبياً لقوله عليه الصلاة والسلام "على كل كبد حرى أجر"([33])

وهذا ما يوسع من دائرة التطوع من خلال هذا العنوان ليشمل المستفيد منها حتى من غير المسلم.

أما علاقة الوقف بالصدقة؛ فلاشك بأن الوقف هو نوع من أنواع الصدقات.

إذ الصدقة قد تطلق ويُراد بها الوقف، بل الغالب في الأخبار التعبير عن الوقف بالصدقة، بل لفظ الوقف قليل فالوقف هو الصدقة الجارية أي المستمرة في مقابل المذكورات.

 والمراد بكلمة تصدقت بما هو التصدق بثمرتها وهو عبارة أخرى عن تسبيل ثمرتها لأن الصدقة هو الإعطاء مجاناً بقصد القربة، وهو قولهم وتعبيرهم عن الوقف: الصدقة لاتـُباع ولاتُورّث.([34])

النوع الثالث: النذر

وهو أحد الطرق الشرعية المؤدية إلى حركة التطوع، إذ يتمكن المسلم أن ينذر في سبيل الله بالتبرع بوقته وجهده في ضمن الأنشطة الانسانية قربة إلى الله تعالى مقابل ما يطلبه من الله من عافية أو غائب يعود إلى بلده أو ما شابه ذلك من الحاجات. والنذر هو إلزام المكلف نفسه شيئاً لله غير ملازم بأصل الشرع بكل قول يدل عليه، ويشترط في الناذر البلوغ والعقل وأن يكون مسلماً، ويُشترط في نذر المرأة بالتطوعات إذن الزوج.([35])

ويمكن أن يتحقق بصيغ التبرع([36]) بأن يقول: أتبرع من وقتي لله كذا ساعة في اليوم في خدمة المعوقين أو كبار السن أو ما شابه ذلك.

وهو أمرٌ مشروع في حق من يعلم في نفسه القدرة على الوفاء وهو عبادة من العبادات؛ لان الله أمر بالوفاء به ومدح الموفين به يقول تعالى : (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا)([37]).

شروط النذر:

  1. أن ينشأ النذر بصيغة تشتمل على قوله (الله) أو ما شابه ذلك من الأسماء الحسنى المختصة به جل وعلا.
  2. أن يكون الشيء المنذور حسناً راجحاً شرعاً حين العمل.
  3. أن يكون الشيء المنذور مقدوراً عليه وباستطاعة الناذر القيام به.
  4. أن يكون طاعة لله، فلا يجوز النذر في موارد المعصية أو الأنشطة التي تؤدي إلى المعصية. ([38])

عدم الوفاء بالنذر:

  1. إذا عجز الناذر عما نذره سقط فرضه، فلو نذر الحج مثلاً فصُدَّ سقط النذر، وكذا لو نذر صوماً معجزاً، لكن روي في هذا أن يتصدق عن كل يوم بمدٍّ من طعام.
  2. إذا خالف نذره عامداً وجبت عليه الكفارة، وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم.
  3. وإذا عجز عن دفع ما في ذمته من مال في النذر بسبب الفقر مثلاً فيصوم ثلاثة أيام متواليات.

العنوان الرابع: العهد

وهو أيضاً طريق آخر يؤدي إلى التطوع في الأعمال الخيرية وهو يشبه النذر، وهو أن يعاهد الله على القيام بعمل ما أو يترك عملاً ما مخالفاً للشرع أو يقول عاهدتُ الله، أو عليّ عهد الله أنه متى كان كذا فعليّ كذا. فإذا كان ما عاهد عليه واجباً أو مندوباً و ترك مكروهٍ أو اجتناب محرمٍ لزم ، ولو كان بالعكس لم يلزم. ولو عاهد على مباحِ لزم العهد كاليمين، ولو كان فعله أولى أو تركه فليفعل الأولى ولا كفارة.

وكفارة المخالفة في العهد هي كفارة اليمين، وفي رواية كفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان([39])

وهي عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً، أو صوم شهرين متتابعين.

شروط العهد

يصلح العهد بهذهِ الشروط:

  1. لابد من ذكر الصيغة ولابد من النطق، وهل ينعقد بالنية القلبية بدون التلفظ؟ قال البعض: نعم يصحّ وعند المحقق الحلي لاينعقد إلّا بالنطق([40])
  2. أن يكون ما عاهد الله عليه أمراً راجحاً وحسناً ولو رجحاناً دنيوياً شخصياً، كالعمل الخيري في خدمة الطبقات الفقيرة من الناس، وهو أبرز مصاديق الأعمال الراجحة التي يريدها الشرع.

مخالفة العهد

لايختلف حكم مخالفة العهد عن مخالفة النذر فراجع ما سبق.

العنوان الخامس: اليمين

يشترط في الإيمان ما اشترط في النذر:

  1. اشتراط النطق فلو لم ينطق بلفظ الجلالة لم ينعقد([41]).
  2. أن يكون ما آقسم عليه مقدوراً ومستطاعاً حين الوفاء به وراجحاً شرعاً ويكفي لو كان مباحاً إذا حلف أو أقسم على فعله لمصلحة دنيوية ولو كانت شخصية.
  3. لاتنعقد من الولد مع والده إلّا باذنه وكذا يمين المرأة إلّا أن يكون اليمين في فعل واجب أو ترك قبيح.([42])
  4. لاتنعقد اليمين إلّا على المستقبل لاعلى الماضي بشرط أن يكون واجباً أو مندوباً أو ترك قبيح أو ترك مكروه أو على مباح يتساوى فعله وتركه أو يكون البر أرجح.
  5. لاتنعقد على غير المقدور مثل قوله: والله لاصعدنّ السماء بدون وسيلة طيران.

كفارة اليمين

يجب الوفاء باليمين ولو خالفها عامداً وجبت عليه كفارة، وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، ومع العجز عن ذلك يصوم ثلاثة أيام متوالياً([43]).

العنوان السادس: الإجارة (اجارة الأعمال)

ذكرنا الإجارة في مبحث القيمة المادية للوقت، والآن نشير إلى الإجارة كعنوان من العناوين الفقهية التي تتكيف مع فكرة التطوع في الأعمال الخيرية للقيام ببعض الأعمال في مقابل أجر، لكن هذا الأجر يتبرع به لإحدى المؤسسات الخيرية، وقد سمى المحقق الحلي ذلك بالأجير الخاص؛ وهو الذي يتم استئجاره لمدة معينة، فلا يجوز له العمل لغير المستأجر إلّا بإذنه ولو كان مشتركاً جاز، وهو الذي يُستأجر لعمل مجرد عن المدة([44]).

ولما كانت الإجارة عقد من العقود فيمكن أن تنظم في إطار مؤسسي ويتم التعاقد مع الأجير، وهناك عبارة لابد من ذكرها في العقد وهي؛ آجرتك، والإجارة كما ذكر الفقهاء عقد لازم لاتبطل بالتقايل أو بأحد الأسباب المقتضية للفسخ([45]).

التطوع وقاعدة السلطنة

السلطنة من القواعد المشهورة لدى الفقهاء، وجاءوا على ذكر هذه القاعدة في باب المعاملات، واستنبطوا بواسطتها أحكاماً كثيرة منها مسألة المعاطاة حيث ذكرها الشيخ الأنصاري وغيره من الأعلام.

ويقصد بالقاعدة كل مالك لشيء هو مسلط على التصرف فيه بما يشاء ضمن الحدود الشرعية.([46])

فكل ما هو غير محرم شرعاً يمكن للمالك أن يتصرف بماله سواء في بيعه أو إهدائه أو وقفه وكل التصرفات الأخرى.

واستدل الفقهاء على حجية هذه القاعدة بالحديث المشهور "الناس مسلطون على أموالهم" وأضافوا إلى الأموال "أنفسهم" استناداً للآية (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)([47])

لاشك في جواز وقف الأموال استناداً إلى هذهِ القاعدة، أمّا وقف النفس ومتعلقاتها فبحاجة إلى دراسة فقهية استدلالية معمقة.

"وأمّا تسلط الناس على أنفسهم فلم يرد في نصوص الباب ولا كلمات الأصحاب في شيء من أبواب الفقه فيما تصفحنا، فإن كان المراد تسلط الإنسان على نفسه في أبواب الإجارات فيجوز له أن يكون أجيراً على كل أمر مشروع بأي أجرة أرادها وامثال ذلك، فلا شك في ثبوت هذهِ السلطنة له، بل يمكن أن يقال إنه من قبيل الأموال، لأن أفعال الإنسان الحر وإن لم تكن أموالا بالفعل لكنها أموال بالقوة فتأمل.

وإن أبيت عن ذلك فعمدة ما يدل على تسلط الإنسان على الأموال من بناء العقلاء يدل على تسلطه على نفسه من هذهِ الناحية وكذلك بالنسبة إلى عقد النكاح وأشباهه فإنه مسلط على نفسه من هذهِ الناحية في كل أمر مشروع، وجميع ما يدلُّ على اشتراط الاختيار وعدم الإكراه والإجبار."([48])

المبحث الثالث: تطبيقات العناوين الفقهية على المؤسسات التطوعية.

لاشك أن الهدف الأسمى للمؤسسات التطوعية هو إشراك أكبر عدد من المتطوعين وبخبرات متنوعة في حركة التطويع، وهذا ما ينمي هذه المؤسسة ويدفع بها إلى الأمام لتصبح مؤسسة حقيقية في المجتمع تقوم بأعباء ومسؤوليات كبيرة في خدمة أكبر عدد من أبناء المجتمع، لذا كان من الضروري الاستفادة من جميع العناوين المذكورة سعياً من أجل تجنيد أكبر عدد من المتطوعين.

من هنا سنضع أمام المتطوعين جميع الخيارات الشرعية المباحة كي تدفع للخوض في حركة التطوع كوقف الوقت والصدقة والنذر وما شابه ذلك، وذلك باتباع هذهِ الخطوات:

الخطوة الأولى:

في البدء لابد من فتح الأبواب أمام التطوع ليختار أحد العناوين الفقهية المناسبة لمشاعره ورغائبه الدافعة للتطوع وعلى أساس رأي العلماء ومراجع الدين الذين يرجع إليهم في الفتوى، وبعد ذلك لابد من معرفة ما يمتلكه من خبرات وكفاءات وما يريد أن يحققه من غايات في خلال الأعمال الخيرية التي يريد القيام بها.

ويتحتم علينا في بداية الأمر أن نضع أمام المتطوع استمارة تتضمن العناوين التي ذكرناها والمدد الزمنية والخبرات التي يمتلكها المتطوع بما هو مبين في الجدول:

العنوان الذي ترغب إليه

عدد الساعات

الخبرات التي تملكها

المجالات التي تريد أن تعمل فيها

1- الوقف: وصيغته ]وقفت كذا ساعة أو يوم، أو شهر، من وقتي في سبيل الله [

2- الصدقة: وصيغتها (أتصدق كذا ساعات من أوقاتي في سبيل الله)

3- النذر لله: لله علي نذر إن تم (تذكر حاجتك) ثم تحدد (مدة التطوع)

4- العهد:

أعاهد الله أن أفعل كذا (ذكر المدة) إذا تم ]ذكر الحاجة سواء في الإتيان أو الترك[

5- اليمين:

أقسم بالله أن أقوم ]ذكر المدة المقررة للعمل[ إذا تم ]ذكر السبب[

6- الإجارة: اجارة الأعمال يؤجر مدة من وقته بالمال أو يدفع ثمن الإجارة إلى مؤسسة خيرية.

يتم ذكر الساعات في اليوم ويحدد الأيام أو الاسابيع أو الشهور.

يتم ذكر الخبرات المتنوعة (الطب، الهندسة، التدريب، الخياطة وما شابه ذلك)

1- العمل في مستوصف خدمي.

2- العمل في مصنع خيري.

3- العمل لرعاية المسنين.

4- العمل في سوق خيرية.

5- العمل في مجالات رعاية الأطفال اليتامى.

6- العمل في الخياطة أو النجارة أو ماشابه ذلك ألى آخر الاختيارات.

 

 

الخطوة الثانية: التعاقد مع المتطوع

يقتضي البناء المؤسساتي للتطوع أن يكون هناك التزام متبادل بين المؤسسة والمتطوع، وذلك بإبرام عقد يحدد فيه المدة الزمنية ونوع العمل ومكانه، فبدون هذا العقد يصبح التطوع شيئاً من العمل الفردي غير المنظم.

وجميع العناوين الفقهية المذكورة يمكن وضعها في صيغة تعاقدية يفرض على المتطوع الالتزام بالمدة ونوع العمل ومكانه، وهو من أساسيات العمل الجمعي المؤسساتي الذي يفرض على المتطوعين واجبات ويمنحهم الحقوق، وهي بالطبع حقوق معنوية وليست حقوق مادية، لأن ما يقوم به هو عمل تطوعي بصيغة شرعية. وإذا كان عمل المتطوع في مؤسسة مختلطة تجمع بين العمل التطوعي والمردود المالي كـ(صندوق قرض الحسنة) فإنه يستطيع أن يتبرع بالأجرة لمؤسسات أخرى متخصصة في مجال الأعمال الخيرية.

الخطوة الثالثة: التدريب

الكثير من المتطوعين بحاجة إلى التدريب، وهم الذين تبرعوا بأوقاتهم لكنهم عديمو الخبرة. فهؤلاء بحاجة ماسة إلى التدريب وهنا تتحمل المؤسسة التطوعية مسؤولية تدريبهم في ضمن حاجات المؤسسة نفسها أو حاجات المؤسسات التطوعية التي تشترك فيما بينها في عمل تضامني وتتبادل المنافع فيما بينها خدمة للمصلحة العامة.

الخطوة الرابعة

 القيام بالعمل التطوعي والانتساب إلى إحدى المؤسسات الانسانية، وهي الخطوة الأخيرة التي يخطوها المتطوع، فإذا كان ذا خبرة فيزجّ في العمل بصورة مباشرة في ضمن المعلومات التي يقدمها في الاستمارة. وإذا لم يكن ذا خبرة فيتم تدريبه حتى يتهيّأ للقيام بالأعمال الخيرية التي حددها في الاستمارة.

نماذج من تطبيقات العمل التطوعي في صدر الإسلام:

أعمال التطوع في العهد الإسلامي الأول وما بعده من العهود الإسلامية لاتعدّ ولا تحصى وقد كُتب في ذلك المجلدات. وأفضل مثال على ذلك بناء المسجد النبوي في المدينة المنورة، فكل العمل كان تطوعياً ابتداءاً من بذل الأرض أو تنظيفه أو بنائه، كل ذلك تم بصورة تطوعية حتى تم بناء المسجد على أحسن وجه.

فالأرض كانت لسهل وسهيل ابني عمرو، تبرعا بها بعد أن حاول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله شراءها، فأبيا إلّا أن يتبرّعا بها.

بعدها أخذ المسلمون بإزاحة الموانع من نخيل وقبور وحفر، ثم الشروع بالبناء حتى اكتمل المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أحد هؤلاء المتطوعين بل كان على رأسهم.

والنموذج الآخر هو حفر الخندق فقد جعل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لكلّ عشرة من المسلمين أربعين ذراعاً يقومون بحفرها وهو أحدهم أيضاً، فكان يحمل التراب من الخندق حاله حال بقية المسلمين.

ونجد صورة رائعة عن التطوع والعمل الإنساني والتدريب على الكتابة والطبابة والضمادة في الحروب في أخبار السيرة النبوية وفي حياة الصحابة حتى النساء المؤمنات فقد ضربن بأروع صور التطوع، نذكر منها:

  1. الشفاء بنت عبد الله، كانت تقوم بتعليم النساء القراءة والكتابة.
  2. أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، كانت تشارك المسلمين في غزواتهم فتقوم بتضميد الجرحى وتزودهم بالماء، بل بلغ بها الأمر انها دافعت عن رسول الله يوم أحد عندما فر الجيش من حوله.
  3. أم عطية نسيبة بنت الحارث الأنصارية، شاركت في أكثر غزوات النبي صلى الله عليه وآله وكانت تقوم بتجهيز الطعام للمقاتلين وتضميد جرحاهم ومساعدة مرضاهم وهي القائلة غزوتُ مع رسول الله سبع غزوات أخلفهم في رجالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى واقوم على المرضى([49]).
  4. وهناك عشرات النماذج من المتطوعين والمتطوعات تزخر بها كتب السير والتاريخ يمكن الرجوع إليها.

الخلاصة:

وقف الوقت من الموضوعات المستحدثة وفيه اختلف الفقهاء بين من يرى إمكانية وقف الوقت وبين من لايرى ذلك. بدعوى أن الوقف يقع على الأعيان ومن لوازمه التأبيد.

ولما كانت الحاجة ماسة إلى تكييف شرعي لظاهرة التطوع المنتشرة اليوم في العالم وجدنا عناوين شرعية أخرى يمكن تطبيقها على هذهِ الظاهرة إضافة إلى من لايرى بأساً في إطلاق عنوان الوقف، وهذهِ العناوين هي: الصدقة، النذر، العهد، اليمين، إجارة الأعمال.

وهي تؤدي المؤدى نفسه في تحفيز المجتمع على التعاون والتكاتف والتطوع في الأعمال الخيرية بحيث لاتختلف في مؤداها عنوان الأعمال الخيرية.

التوصيات:

  1. دعوة اصحاب الفضيلة العلماء والدارسين إلى كتابة المزيد من الأبحاث في هذا المجال فثمة موضوعات لم يتم التبحر فيها، وهي من حاجات المجتمع الأساسية كموضوعات الوقف، والتعاون على البر والتقوى وما شابه ذلك من الموضوعات.
  2.  تربية الجيل على أهمية الوقت سواء من خلال الأبوين، أو من خلال المناهج المدرسية وتثقيف المجتمع على أهمية استثمار أوقات الفراغ في الأعمال الإنسانية.
  3. استحداث مؤسسات وقفية تقوم باستيعاب المتطوعين للعمل الخيري، وتنظيم أوقاتهم وطاقاتهم لزجها في الأعمال الخيرية المتنوعة.
  4. الحاجة إلى وجود قاعدة بيانات عن الأفراد المتطوعين في كل مدينة وكفاءاتهم ومجالات عملهم وأيضاً قاعدة بيانات عن المؤسسات التطوعية وحاجة هذهِ المؤسسات إلى الاختصاصات المتنوعة التي يتحلى بها هؤلاء المتطوعون.
  5. تشريع قوانين وانظمة للتشجيع على الاستثمار ومنح امتيازات للمتطوعين كما تفعل الدول المتقدمة حيث يُعفى المتبرعون بالمال للمؤسسات الخيرية من الضريبة.
  6. دعوة طلبة الجامعات والمدارس إلى الانخراط في العمل التطوعي والاشتراك في المؤسسات التطوعية المتنوعة.
  7. تخصيص منظمات المجتمع المدني جزءاً في أنشطتها للعمل الخيري.
  8. رفع شعار "خدمة الشعب واجب مقدس" في كل مؤسسات ووزارات الدولة ليصبح الرائد لكل موظفٍ حكومي هوخدمة الناس في أثناء الوظيفة وخارج وقت العمل.

المصادر والمراجع

  • ابن رشد؛ محمد بن أحمد القرطبي: بداية المجتهد، دار الكتاب العربي، ط 1، بيروت 2004م.
  • ابن النجار، تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي (ت 972): منتهى الارادات في جمع المقنع من التنقيح وزيادات، مؤسسة الرسالة، ط 1 ، بيروت 1997م.
  • أبو حامد الغزالي (ت 505): الوجيز في فقه الإمام الشافعي، دار الارقم، ط 1، بيروت 1997م.
  • أحمد فراج حسين، محمد كمال الدين: نظام الارث والوصايا والأوقاف في الفقه الإسلامي، المؤسسة الجامعية، بيروت، 2001م.
  • اطفيش، محمد بن يوسف: شرح كتاب النيل وشفاء الغليل، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1986م.
  • الإيرواني، باقر: القواعد الفقهية، مؤسسة الفقه للطباعة والنشر، ط1ن قم 1418.
  • البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، دار الشعب، مصر.
  • الحسيني، محمد جواد (ت 1226): مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، دار احياء التراث العربي، بيروت.
  • الشوكاني، محمد بن علي الصنعائي: نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، دار النوادر، بيروت.
  • الشيرازي، محمد بن مهدي الحسيني (ت 2002): القواعد الفقهية دار العلوم/ بيروت.
  • الشيرازي، محمد بن مهدي الحسيني (ت2002): الفقه، دار العلوم / بيروت، 1988م.
  • العاملي، زين الدين بن علي الجبعي الشهيد الثاني: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، مؤسسة آل البيت، ط2، قم، إيران.
  • العاملي، زين الدين بن علي الجبعي الشهيد الثاني: مسالك الافهام غلى تنقيح شرائع الإسلام، مؤسسة المعارف، إيران.
  • القشيري النيسابوري (ت261) مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم دار الكتب العلمية، ط2، بيروت 2006م.
  • الكاساني، أبو بكر علاء الدين (ت 587): بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، ط2، بيروت 1986م.
  • الكركي، علي بن الحسين: رسائل الكركي، تحقيق محمد الحسون، مكتبة المرعشي، قم، إيران.
  • المحقق الحلي، أبو القاسم نجم الدين: شرائع الإسلام، تعليقات السيد صادق الشيرازي، ط1، انتشارات استقلال، 1383ه.ش.
  • النجفي، محمد حسن (ت1266) جواهر الكلام، ت القوجاني، دار الكتب الإسلامية، طهران 1398 هـ.ش
  • النوري، ميرزا حسين (ت1320ه.): مستدرك الوسائل، مؤسسة آل البيت، ط3، بيروت، 1991.

 

 

[1]-  صحيح البخاري ح2068، صحيح مسلم ح16703.

[2]- الكاساني: بدائع الصنائع 5/187.

[3]- ابن رشد: بداية المجتهد 2/108.

[4]- الغزالي: الوجيز 1/85.

[5]- ابن مفلح: المبدع 4/105.

[6]- الشوكاني: نيل الأوطار 5/160.

[7]- أطفيش: شرح النيل 319/9.

[8]- النجفي: جواهر الكلام 23/99.

[9]- النجفي: جواهر الكلام 23/100.

[10]- المحقق الحلي: شرائع الإسلام 1/291.

[11]- النجفي: شرائع الاسلام 1/295.

[12]- شرائع الإسلام 1/292.

[13]- الحسيني: مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 4/579.

[14]- حاشية الشيرازي على شرائع الإسلام 2/545.

[15]- شرائع الإسلام 2/545.

[16]- شرائع الإسلام 2/545.

[17]- حاشية الشرازي على شرائع الاسلام ج / 545.

[18]- شرائع الإسلام 1/426.

[19]- النوري: مستدرك الوسائل 2/511 ح1

[20]- مستدرك الوسائل 2/511 ح3

[21]- مستدرك الوسائل 2/511 ح5.

[22]- سورة الليل: آية 6 ومستدرك الوسائل 2/511 ح7.

[23]- المستدرك 2/511 ح9.

[24]- المستدرك 2/294 ح8.

[25]- المستدرك 2/295 ح1.

[26]- مسالك الأفهام ص 31.

[27]- الروضة البهية ص 164.

[28]- شرائع الإسلام 2/446.

[29]- الشيرازي: الفقه 60/13.

[30]- الفقه: 60/31.

[31]- أحمد فراج: نظام الارث والوصايا والأوقاف في الفقه الإسلامي ص 213.

[32]- الفقه: 60/75.

[33]- شرائع الاسلام : 1/468.

[34]- الشيرازي: القواعد الفقهية 1/223.

[35]- شرائع الإسلام 2/163.

[36]- شرائع الإسلام 2/163.

[37]- سورة الانسان: آية 7.

[38]- شرائع الإسلام 2/164.

[39]- شرائع الإسلام 2/ 171.

[40]- شرائع الإسلام 2/171.

[41]- شرائع الإسلام 2/151.

[42]- شرائع الإسلام 2/151.

[43]- حاشية الشيرازي على شرائع الإسلام 2/148.

[44]- شرائع الإسلام 12/421.

[45]- شرائع الإسلام 1/424.

[46]- الإيرواني؛ باقر: القواعد الفقهية ص 96.

[47]- سورة الأحزاب: آية 6.

[48]- الشيرازي: القواعد الفقهية 2/37.

[49]- صحيح مسلم ح3380.

ملاحظات: بحث مقدم إلى مؤتمر الوقف الجعفري في الكويت