المادة: أصول الفقه 2
mp3:
الملف: Microsoft Office document icon asol 16.doc

ومثال ثالث:

(ثمّ أتمّوا الصيام إلى الليل).

يراد بـ(الليل) - هنا - دخول الليل إذ لا حدّ يفصل بين النهار والليل إلا بانتهاء الأوّل وهو نفسه ابتداء الثاني.

فمن يقول بدخول الغاية في المغيّا لابدّ من استمرار الصوم لجزء من الليل ليتحقّق الاتمام.

ومن يقول بعدم دخول الغاية في المغيّا يتحقّق الإتمام بالنقطة الزمانية التي هي انتهاء النهار وابتداء الليل.

وتحقّق المخالفة بأن تأخذ الغاية خلاف حكم المغيّا.

وفي ضوء هذا يكون الفرق بين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة هو أنّ جملة مفهوم الموافقة لا دلالة لفظيّة فيها على المفهوم، وإنّما استفيد حكم المفهوم بدلالة العقل، فهي في واقعها دلالة عقليّة أفدناها عن طريق الاستنتاج العقلي.. بينما الجملة في مفهوم المخالفة دلالتها لفظيّة، تعتمد الاستعمال اللغوي الاجتماعي والفهم العرفي.

تعريفه:

تعرّفنا في تعريفنا لرصيفه مفهوم الموافقة أنّه سمّي بذلك لموافقته الحكم المنطوق إيجابا أو سلبا، وأنّ هذا المفهوم (مفهوم المخالفة) سمّي بذلك لمخالفته لحكم المنطوق في الإيجاب والسلب، بمعنى أنّه إذا كان المنطوق إيجابا كان المفهوم سلبا، وإن كان المنطوق سلبا كان المفهوم إيجابا.

وبهذا عرف في المؤلّفات الاُصوليّة:

ففي (إرشاد الشوكاني): مفهوم المخالفة: وهو حيث يكون المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم إثباتا ونفيا، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به.

ويسمّى (دليل الخطاب) لأنّ دليله من جنس الخطاب، أو لأنّ الخطاب دالّ عليه.

وفي (مختصر ابن اللّحام): مفهوم المخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم.

وفي (اُصول المظفّر): مفهوم المخالفة: ما كان الحكم فيه مخالفا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق.

مفرداته:

إنّ أقسام أو أنواع أو موارد مفهوم المخالفة - كما سمّيت في الكتب الاُصولية - والتي يراد بها مفرداته، هي:

- مفهوم الشرط.

- مفهوم الوصف.

- مفهوم الغاية.

- مفهوم الحصر.

- مفهوم العدد.

- مفهوم اللقب.

 

مفهوم الشرط

موضوع البحث:

يدور البحث الاُصولي - هنا - حول محور دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم.

وببيان أجلى: انّه يحاول الإجابة عن السؤال التالي: هل للجملة الشرطيّة ظهور في المفهوم؟

هدف البحث:

ويهدف الاُصوليون من بحثهم في دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم إلى الوصول إلى الأمرين التاليين:

1- تحرير قاعدة كليّة تنطبق على جميع القضايا الشرطيّة موضوع البحث.

2- تعيين ظهور المفهوم لتنقيح صغرى لكبرى الظهور.

الجملة الشرطيّة:

التسمية بالجملة الشرطيّة هي التسميّة النحوية العربية، ويقابلها في المنطق اليوناني اسم القضيّة الشرطيّة.

والجملة الشرطية: هي التي تتألّف من جملتين تتوقف إحداهما على الاُخرى، وتؤلّف الاُولى الشرط، والثانية جزاء الشرط.

ومن هنا عرفت بأنّها تعليق شي‏ء بشي‏ء إذا وجد الأوّل وجد الثاني.

عناصرها:

تتكوّن الجملة الشرطيّة من العناصر التالية:

أداة التعليق + الشرط + الجزاء.

أدوات التعليق:

يعرف التعليق نحويا بأنّه ترتيب شي‏ء على آخر بأداة.

ومثاله هنا: ترتيب الجزاء على الشرط وربطه به بواسطة الأداة.

ولهذا عرف (المعجم الوسيط) أدوات الشرط بالألفاظ التي تستعمل في هذا الترتيب، مثل: إن ومن ومهما.

فأدوات الشرط هي: ألفاظ معروفة في لغتنا، وظيفتها تعليق الجزاء على الشرط في الجملة الشرطيّة وبيان توقف ثبوت الجزاء على ثبوت الشرط، وانتفائه بانتفائه.

الشرط:

عرف الشرط بما يتوقف عليه الشي‏ء من حيث الوجود والمعرفة.

والمراد به اُصوليا ما يكون سببا لتعلّق الحكم.

فمثلا: لو أخذنا المثال المشتهر بين الاُصوليين وهو (إن جاءك زيد فأكرمه):

- فالحكم في هذه الجملة الشرطيّة هو (وجوب الإكرام) المستفاد من فعل الأمر (اكرم).

- وموضوع الاكرام هو (زيد)، ولكن بشرط مجيئه.

- فـ(المجي‏ء) في هذه الجملة هو سبب تعلّق الحكم بموضوعه وهو زيد.

ولهذا عرف بعضهم الشرط بما يتوقف الحكم عليه.

فالشرط - هنا - أعمّ منه ومن السبب في المصطلح الفلسفي.

الجزاء:

الجزاء: هو الحكم المرتبط بالشرط في الجملة الشرطيّة إيجابا وسلبا.

كالإكرام - في المثال المتقدّم - المرتبط بالمجئ بحيث متى ثبت المجئ ثبت الاكرام، وإذا انتفى انتفى.

هذه هي الجملة الشرطيّة في منطوقها، فما هي في مفهومها؟

دلالتها على المفهوم:

هل للجملة الشرطيّة دلالة على المفهوم؟

أو قل: هل لها ظهور في المفهوم؟

الذي توصّل إليه الاُصوليون من استقرائهم لمفردات الجملة الشرطيّة في اللغة العربية أنّها على نوعين، هما:

1- ما يكون الشرط فيها ومتعلّقه (موضوعه) متساوقين في الوجود، مثل (إن رزقت ولدا فاختنه)، فالرزق الذي هو الشرط، والولد الذي هو الموضوع تساوقا في الوجود.

وبتعبير آخر: ما يكون الحكم فيها مرتبطا ثبوتا وانتفاءً بالموضوع لا بالشرط.

فوجوب الختان - في المثال - مرتبط بالموضوع الذي هو الولد فإن وجد الولد وجب الختان، وإن لم يوجد لا يجب.

2- ما يكون الشرط فيها ومتعلّقه غير متساوقين في الوجود بالشكل المذكور في المثال المتقدّم، بل هما مختلفان، فقد يوجد الموضوع ولا يوجد الشرط، كما في مثال (إن جاءك زيد فأكرمه)، فزيد الذي هو الموضوع غير مساوق في وجوده لوجود الشرط الذي هو المجئ، فقد يوجد الموضوع بدون شرطه، وقد يوجد مع شرطه.

أو قل: إنّ الحكم فيها مرتبط سلبا وإيجابا بالشرط، فإن وجد الشرط وجد، وان فقد فقد.

فالاكرام - في المثال - المتقدّم - مرتبط بالمجئ الذي هو الشرط فإن ثبت ثبت وان انتفى انتفى.

وفي هدي هذا:

فبالنسبة للنوع الأوّل قالوا:

- إنّها جمل شرطيّة ولكن لا مفهوم لها لأنّ انتفاء الحكم فيها متعلّق بانتفاء الموضوع لا بانتفاء الشرط، وشرط مفهوم الشرط أن يكون الحكم معلّقا على الشرط، وهو هنا ليس كذلك.

وبسبب هذا عبّروا عنها بـ(السالبة بانتفاء الموضوع) بمعنى أنّ نفي الحكم فيها ارتبط بنفي الموضوع لا نفي الشرط.

- وإن طلب الحكم فيها يكون من تحصيل الحاصل.

ولأجل هذا استبعدوا الجمل الشرطيّة من هذا النوع عن حريم النزاع ومجال البحث، وقصروا محور البحث على الجمل الشرطيّة من النوع الثاني.

وقالوا بالنسبة للجملة الشرطيّة من النوع الثاني: إنّ دلالتها على المفهوم جاءت من توافرها على القيود التالية:

1- أن يكون هناك ترتب بين الشرط والجزاء في جملة المنطوق.

2- أن يكون الترتّب المذكور على نحو العليّة بمعنى أن يكون الشرط علّة للجزاء.

3- أن تكون العلّية المذكورة منحصرة بالشرط.

واستدلّوا على ظهور الجملة الشرطيّة في هذه الاُمور الثلاثة التي هي الطريق إلى دلالتها على المفهوم، بالوضع والإطلاق، وعلى النحو التالي:

- ففي الترتّب:

استدلّوا بالوضع، وعلى نحوين:

الأوّل: الرأي المشهور الذي يقول: إنّ ظهور الجملة في هذا الترتّب دلّ عليه أداة الشرط لأنّها وضعت من قبل أهل اللغة لوظيفة الربط بين الشرط والجزاء بتوقّف الجزاء وترتّبه على الشرط.

الثاني: مذهب الحكيم الاصفهاني الذي يقول: إنّ الربط بين الشرط والجزاء يستفاد من هيئة الجملة، وذلك أنّ هذه الهيئة الخاصة بترتّب الجزاء على الشرط وظفت من قبل أهل اللغة لذلك.

ويرجع هذا الاختلاف بين الرأي المشهور ومذهب الاصفهاني إلى أنّ المشهور نظروا إلى المسألة من خلال الجملة الشرطيّة العربية، وهي: كما تقدّم - تتألّف من ثلاثة عناصر، هي:

أداة التعليق + الشرط + الجزاء.

ووظيفة الأداة هي تعليق الجزاء على الشرط.

أمّا الشيخ الاصفهاني فانّه نظر إلى الجملة في اللغة مطلقا، أي الجملة الشرطيّة بما هي جملة شرطيّة في أيّة لغة كانت، ذلك أنّ بعض اللغات كاللغة الفرنسية، الشرط فيها له هيئة معيّنة تدلّ عليه.

ولأنّ اللغات تختلف في تركيبة الجملة الشرطيّة يكون لكلّ لغة طريقة في فهم وإفهام التعليق.

والنقطة التي تلتقي عندها الجمل الشرطيّة في اللغات هو توقف الجزاء على الشرط.

- وكذلك العلّية فإنّها مستفادة - عندهم - من الوضع اللغوي ذلك أنّ هيئة الجملة الشرطيّة - في رأيهم - وضعت للاثنين بوضع واحد.

- أمّا الدليل على ظهور الجملة في الإنحصار فهو الإطلاق.

هذا ما ذكروه إلا أنّه قد يلاحظ عليه: انّ الجملة الشرطيّة ذات المفهوم هي اُسلوب من الأساليب اللغوية الاجتماعيّة التي دأبت المجتمعات البشريّة على استعمالها من محاوراتها وخطاباتها، وفهمها وفق ما ألّفته وأنسته من التركيب والتعبير، وهذا يقتضينا أن نحلّل النصّ تحليلا لغويا اجتماعيا لا تحليلا فلسفيا عقلانيا.

وقد تنبّه إلى هذا اُستاذنا الشهيد الصدر بعد مناقشته لما ذكروه من أدلّة لاستظهار توافر القيود الثلاثة في الجملة الشرطيّة لتعطي ظهورها في المفهوم حيث قال: فالأولى في ذلك كلّه أن يستظهر عرفا كون الجملة الشرطيّة موضوعة للربط بمعنى التوقّف والإلتصاق من قبل الجزاء بالشرط، وعليه فيثبت المفهوم.

وبعد هذا نقول: إنّ شرط دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم هو أن يفهم العرف منها:

1- أنّ التوقّف فيها قائم بين الجزاء والشرط، لا بين الجزاء ومتعلّق الشرط.

2- أن لا يكون طلب الحكم في جملة المفهوم المقابلة لجملة المنطوق تحصيلا لحاصل.

القاعدة:

والقاعدة: هي أنّ كلّ جملة شرطيّة أفادت توقّف الجزاء على الشرط، وتعلّقه به لا بمتعلّقه (موضوعه) هي ظاهرة في المفهوم.

التطبيق:

لنأخذ مثالا لذلك صحيح حمّاد بن عثمان في بيان حدّ الترخّص الذي يلزم المسافر المغادر من بلده تقصير الصلاة عند الوصول إليه، وهو: عنه(عليه السلام): إذا سمع الأذان أتمّ المسافر.

المنطوق:

الحكم: وجوب إتمام الصلاة.

الشرط: سماع الأذان.

الموضوع: المسافر.

البيان: الحكم - هنا - معلّق على الشرط ثبوتا وانتفاءً، فإذا تحقّق الشرط (سماع الأذان) وجب الإتمام، وإذا لم يتحقّق الشرط لا يجب الإتمام.

المفهوم:

هو: إذا لم يسمع الأذان لا يتمّ.

وفي صحيح ابن سنان في الموضوع نفسه جمع بين المنطوق والمفهوم، فكلّ جملة مذكورة هي منطوق نفسها ومفهوم الاُخرى.

(عن التقصير؟ قال(عليه السلام):

إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ.

وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر).

 

مفهوم الوصف

مفردات الجملة:

تتألّف جملة الوصف المبحوث عنها - هنا - من ثلاثة عناصر، هي: الوصف. الموصوف. التعليق.

الوصف:

- الوصف من الكلم العربية التي يجوز فيها حذف الواو من أوّله، والتعويض عنها بتاء في آخره، فيقال فيه: صفة، مثل وعظ وعظة ووسم وسمة ووعد وعدة ووصل وصلة.

- وأيضا هو من الكلم المفهومة المعنى لدى الكلّ بالمستوى الذي لا يحتاج معه إلى التعريف.

- ومع هذا عرف بما يشير إلى معناه وينبّه عليه:

- فعرف - لغويّا – بـ(ما يميّز الشي‏ء أو ينسب إليه).

- ونحويا: رادف النحّاة العرب بين الوصف والنعت فعرفوا كلّاً منهما بالآخر، ومن ذلك قولهم: النعت: هو الوصف الذي يكمل موصوفه بدلالته على معنى فيه أو في ما يتعلّق به.

والنعت أحد التوابع الخمسة (النعت. التوكيد. البدل. عطف البيان. عطف النسق).

- ولكنّه (أعني الوصف) اُصوليا هو أوسع منه نحويا إذ يعمّ النعت وسواه فيدخل فيه الحال النحوي والتمييز النحوي ونحوهما  ممّا يصلح أن يكون قيدا لموضوع التكليف.

الموصوف:

هو ما تتعلّق به الصفة ويقيّد بها.

التعليق:

نقدّم تعريفه فيما سبق.

ويراد به هنا توقف حكم الموصوف على الصفة.

موضوع البحث:

وكما استقرأ الاُصوليون جمل الشرط العربية فرأوها تتنوّع إلى مجموعتين:

- مجموعة يرتبط الحكم فيها بالشرط.

- ومجموعة يرتبط الحكم فيها بالموضوع.

كذلك هنا استقرأوا جمل الوصف العربية فوجدوها تتصنّف إلى مجموعتين أيضا، هما:

1- ما يكون فيها الوصف نفسه موضوع الحكم، أي أنّ الوصف في الجملة لايذكر معه موصوفه ليعتمد عليه ويكون الموصوف هو موضوع الحكم والوصف قيّدا له، وإنّما كان الوصف مجردا عن الموصوف موضوعا للحكم، كما في قوله تعالى: (السارقُ والسارقة فاقطعوا أيديهما).

فالسارق والسارقة وصفان لم يعتمدا على موصوف مذكور، وأخذا بنفسهما موضوعا للحكم وهو وجوب القطع.

2- ما يكون فيها الوصف قيدا لموضوع الحكم، أي أنّ الموصوف يذكر في الجملة ويعتمد الوصف عليه، كما في المأثورة المعروفة (في الغنم السائمة زكاة)، فـ(السائمة) هي الوصف، وموضوع الحكم هو (الغنم)، والحكم هو وجوب الزكاة وقد تعلّق بالغنم، والسائمة أخذ قيدا للموضوع الذي هو الغنم.

وكما استبعدوا في مفهوم الشرط الجمل الشرطيّة التي ارتبط الحكم فيها بالموضوع لا بالشرط، كذلك استبعدوا هنا جمل الوصف التي يرتبط فيها الحكم بالوصف نفسه، وقصروا البحث على النوع الثاني وهو ما ارتبط الحكم فيها بالموضوع مقيدا بالوصف.

وعلّله شيخنا المظفّر بقوله: والسرّ في ذلك أنّ الدلالة على انتفاء الوصف لابدّ فيها من فرض موضوع ثابت للحكم يقيّد بالوصف مرّة ويتجرّد عنه اُخرى حتّى يمكن فرض نفي الحكم عنه - اُصول الفقه(1).

والمراد بالتقييد أو أخذ الوصف قيدا للحكم هو أن يكون للوصف دخل في الحكم دخلا علّيا، بمعنى انّه علّة الحكم المنحصرة، كما مرّ نظيره في مفهوم الشرط.

 

الهوامش:

(1)-اُصول الفقه 1/106.