المادة: أصول الفقه 2
mp3:
الملف: Microsoft Office document icon asol 10.doc

ورتبوا على هذا الثمرة التالية:

قال اُستاذنا الشهيد الصدر في الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة - موضوع المعنى الحرفي، تحت عنوان (الثمرة):

الثمرة:

قد يقال: إنّ من ثمرات هذا البحث أنّ الحروف بالمعنى الاُصولي الشامل للهيئات إذا ثبت انّها موضوعة بالوضع العامّ والموضوع له الخاص، فهذا يعني انّ المعنى الحرفي خاصّ وجزئي وعليه فلا يمكن تقييده بقرينة خاصّة، ولا إثبات إطلاقه بقرينة الحكمة العامّة لأنّ التقييد والإطلاق من شؤون المفهوم الكلّي القابل للتخصيص، وممّا يترتّب على ذلك انّ القيد إذا كان راجعا في ظاهر الكلام إلى مفاد الهيئة فلابدّ من تأويله كما في الجملة الشرطيّة، فإنّ ظاهرها كون الشرط قيدا لمدلول هيئة الجزاء، وحيث انّ هيئة الجزاء موضوعة لمعنى حرفي وهو جزئي فلا يمكن تقييده، فلابدّ من تأويل الظهور المذكور.

فإذا قيل إذا جاءك زيد فأكرمه دلّ الكلام بظهوره الأوّلي على انّ المقيّد بالمجي‏ء مدلول هيئة الأمر في الجزاء وهو الطلب والوجوب الملحوظ بنحو المعنى الحرفي فيكون الوجوب مشروطا، ولكن حيث يستحيل التقييد في المعاني الحرفيّة فلابدّ من إرجاع الشرط إلى متعلّق الوجوب لا إلى الوجوب نفسه، فيكون الوجوب مطلقا ومتعلّقه مقيّدا بزمان المجي‏ء على نحو الواجب المعلّق الذي تقدّم الحديث عن تصويره في الحلقة السابقة.

ولكنّ الصحيح انّ كون المعنى الحرفي جزئيا ليس بمعنى ما لا يقبل الصدق على كثيرين لكي يستحيل فيه التقييد والإطلاق بل هو قابل لذلك تبعا لقابليّة طرفيه، وإنّما هو جزئي بلحاظ خصوصيّة طرفيه بمعنى انّ كلّ نسبة مرهونة بطرفيها، ولايمكن الحفاظ عليها مع تغيير طرفيها.

وأخيرا:

-1 تتمثّل المعاني الحرفيّة - عند الاُصوليين - في الحروف والأدوات وهيئات الأفعال وهيئات الأسماء المشتقّة وهيئات الجمل.

2- وبناءً على الرأي القائل بأنّ اللغة ظاهرة اجتماعية نشأت نتيجة الحاجة إليها كوسيلة للتفاهم والحوار، وعن طريق استعمال الألفاظ في المعاني، لا مجال لنا إلى تعرّف كيفيّة دلالة الكلمة على معناها المعجمي أو وظيفتها النحوية عن طريق الوضع، لأنّه لا يوجد وضع بالمعنى الذي بنى عليه الاُصوليون مسألتنا هذه.

والطريق العلمي هو استقراء الاستعمالات اللغوية الاجتماعية عن طريق الملاحظة، ومن خلال النصوص الموروثة التي تمثّل واقع الاستعمالات العربية.

والاستقراء ينهي إلى تصنيف الكلمة العربية إلى التالي:

 -1كلمات ذات معنى، وتصنّف إلى:

أ- كلمات تفيد معناها بانفرادها عندما تستعمل منفردة، وهي الأسماء والأفعال التي هي ليست بأدوات.

ب- كلمات لا تفيد معناها إلّا بانضمامها إلى غيرها، وهي الأدوات والحروف عدا أدوات الشرط وحروف الجرّ.

 -2كلم لا معنى لها، وإنّما لها وظيفة نحوية في منظومة الجملة، وتصنّف إلى التالي:

أ- كلمات وظيفتها:

- الربط.

 -وإظهار معنى كامن في الجملة.

وهذه هي حروف الجرّ.

ب- كلمات وظيفتها.

 -التعليق.

 -وإحداث معنى جديد تضيفه إلى معنى الجملة.

وهذه هي أدوات الشرط.

 -3أنّ المعاني الحرفيّة قابلة للإطلاق والتقييد.

4- موضوع هذه المسألة هو مبحث الدلالة، وليس مبحث الوضع، لا سيما على ما ذهبنا إليه من انّه لا يوجد وضع وإنّما هو استعمال.

 

 الباب الثاني / مباحث دلالة الألفاظ / الأساليب الإنشائية...

 الأساليب الإنشائية

الأوامر

النواهي

المفاهيم

العامّ والخاص

المطلق والمقيّد

 

الأسلوب الإنشائي

تعريفه:

الاُسلوب - بضمّ الهمزة -: التفنّن بالقول، والطريقة الخاصة في التعبير.style

تقسيمه:يقسّم الاُسلوب باعتبار وظيفته التعبيرية إلى قسمين:

-1 الاُسلوب الإخباري.

 - 2الاُسلوب الإنشائي.

وأقدم تعريف لهذين القسمين كان في علم المنطق، ومنه تحدّر إلى علم النحو العربي والبلاغة العربية، وعلم اُصول الفقه.

بل شمل كلّ الأجواء العلميّة، ودخل حتّى المعجمات اللغويّة، ونجد صدى هذا في مثل معجم (ديوان الأدب) لإسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت 350هـ)، فقد عرف الحديث - وهو في معرض تعريف السنّة - بقوله: الحديث: هو الخبر عن الأحداث في الأزمنة الثلاثة، وهو الذي يدخله الصدق والكذب من بين دعائم الكلام الأربع.

والدعائم - كما في هامش أصله - هي الأمر والخبر والاستخبار والرغبة.

ولا يزال انتشاره قائما حتّى يومنا هذا ففي (محيط المحيط) ويطلق - يعني الخبر - على الكلام الغير الإنشائي.

واختلفوا في تعريفه:

فقيل: هو الذي يدخل فيه الصدق والكذب.

وقيل: هو ما يحتمل الصدق والكذب.

وأجمع أهل المنطق على تعريفه بأنّه هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته.

ويقابله الإنشاء.

ويقوم تعريفهما على أساس من المقابلة بين معنيهما.

وعبّر العلماء عن الأخبار كمصطلح علمي بالخبر، والفرق بين الأخبار والخبر هو أنّ الخبر وصف للكلام الصادر من المخبر،.. والأخبار هو فعل المخبر حالة نطقه بالكلام.

وعبّروا عن الكلام المنشأ به بالإنشاء، بينما الإنشاء هو فعل المتكلّم حال طلبه الإيقاع أو اللإيقاع.

ولأجل التناسق والتناغم بين المصطلحين من حيث اللفظ والمعنى عبّرت عنهما بالأخبار والإنشاء.

والأخبار - لغة - الإعلام بوقوع الشي‏ء أو لا وقوعه.

والإنشاء - لغة - إحداث الشي‏ء وإيجاده.

ويقول التعريف المنطقي:

الخبر: هو الكلام الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته. ويريدون بالصدق - هنا - المطابقة للواقع المخبر عنه، وبالكذب اللامطابقة للواقع المخبر عنه.

ويهدفون من تقييد التعريف بقولهم (لذاته) إلى انّ المطابقة واللامطابقة يوصف بهما الكلام من دون مقارنته بالواقع، وإنّما ينظر إليه مستقلا وبذاته، فان كان فيه قابلية أو شأنية الاحتمال لمطابقة الواقع أو لا مطابقته فهو الخبر.

جاء في (محيط المحيط) شرحا للقيد المذكور - وهو (لذاته) -: أي هو مايحتملهما بالنظر إليه بنفسه، مع قطع النظر عن قائله، احترازا عن كلام اللَّه والأنبياء ونحوهم ممّن لا شكّ في إخباره فانّه لا يحتمل الصدق والكذب ولكن باعتبار قائله.

والإنشاء: هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب. ويعنون بهذا: انّ الكلام الإنشائي هو الذي لا واقع له في الخارج.

وعليه: لا إحتمال فيه للمطابقة واللامطابقة.

وقالوا في علم البلاغة:

الخبر: الكلام الذي لنسبته خارج تطابقه هذه النسبة أو لا تطابقه.

والإنشاء: الكلام الذي ليس لنسبته خارج تطابقه هذه النسبة أو لا تطابقه.

ولا يختلف هذا التعريف عن التعريف السابق إلّا بالعبارة فقط أمّا المعنى فواحد.

والذي نلمسه واضحا في مفهوم التعريف في أعلاه أنّه يفترض اشتمال الكلام دائما على نسبة قائمة بين الموضوع والمحمول أو المسند إليه والمسند، ولأنّنا أبنا في مبحث الجملة أنّ الجملة ليست إسنادية دائما، فهناك الجملة غير الإسنادية.

ولأنّ وظيفة الكلام تنبع من غاية المتكلّم من النطق به، والغاية تختلف عند الإنسان فقد تتطلّب أن يعبّر عنها بالجملة الإسنادية، وقد تتطلّب أن يعبّر عنها بالجملة غير الإسنادية.

على هذا: لابدّ لنا من صياغة التعريف بعبارة اُخرى.

ومن هنا نقول:

الإخبار: هو الإعلام عن وقوع شي‏ء أو لا وقوعه.

والإنشاء: هو طلب إيقاع فعل أو لا إيقاعه.

وهذا التقسيم الثنائي للاُسلوب ينطبق على اللغات كافّة لأنّه نابع من طبيعة حياة الإنسان ومتطلّباتها الأساسيّة.

ولأنّنا - في اُصول الفقه - نستخلص من الظواهر اللغوية الاجتماعية ما يرتبط والغاية من اُصول الفقه، وهو وضع قواعد لدراسة الفقه الإسلامية، أو قل التشريع الإسلامي.

والتشريع يقوم على طلب إيقاع الفعل من المكلّف أو طلب عدم إيقاعه تكون أساليبه من نوع الأساليب الإنشائية.

وفي ضوئه: إذا أردنا أن نعرف الأساليب الإنشائية نقول: إنّها التراكيب اللفظيّة التي استخدمها المشرّع الإسلامي لإنشاء الحكم الشرعي وبيان ما يرتبط به من شؤون وملابسات.

وتتمثّل هذه التركيبات في الآيات القرآنية الخاصة بتشريع الأحكام وملابساتها، والأحاديث الشريفة الخاصة - أيضا - بتشريع الأحكام وملابساتها.

فوظيفة هذه الأساليب الإنشائية الشرعيّة هي إبلاغ وتبليغ الحكم الشرعي.

وبتعبير آخر: إنّها تحمل في طواياها الحكم الشرعي.

تصنيف الأساليب الشرعيّة:

صنّف الاُصوليون ما وصل إلينا من الأساليب الإنشائية الشرعيّة (الآيات والروايات) وفق المألوف والمتعارف عليه عند الناس في مختلف لغاتهم وعلى مختلف مجتمعاتهم، لأنّه لم يعهد من المشرّع الإسلامي أنّه سلك في خطاباته وحواراته طريقا يختلف عن هذا المألوف والمعروف، بل الشأن بالعكس، فالمستفاد من نصوص التشريع الإسلامي (آيات وروايات) من خلال استقرائها ودراستها مفردات وتركيبات، أنّها جاءت وفق المألوف والمعروف.

وممّن أوضح هذا الوحيد البهبهاني في رسالته (الفوائد الجديدة) - الفائدة - 27 تحت عنوان (إنّ الأئمّة: كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة).

فصنّفوها تحت العناوين التالية:

 -1الأوامر.

 -2النواهي.

 -3المفاهيم.

-4 العام والخاص.

-5 المطلق والمقيّد.

موضوع البحث فيها:

موضوع البحث في هذه المواد المذكورة هو (تشخيص ظهوراتها).

يقول اُستاذنا الشيخ المظفّر في كتابه (اُصول الفقه):المقصود من (مباحث الألفاظ) تشخيص ظهور الألفاظ من ناحية عامّة، إمّا بالوضع أو بإطلاق الكلام، لتكون نتيجتها قواعد كليّة تنقّح صغريات أصالة الظهور.

ويقول السيّد مكّي العاملي في كتابه (قواعد استنباط الأحكام):ولها (يعني مباحث الألفاظ) الأهميّة الكبرى في علم الاُصول لأنّ المقصود من البحث فيها تشخيص الظهور في المفردات والجمل، أي تشخيص ما تكون هيئة اللفظ المفرد أو هيئة الجملة ظاهرة فيه ودالّة عليه من عموم أو خصوص أو وجوب أو حرمة أو ندب أو كراهية أو غير ذلك من المعاني التي تكون موضوعا لحكم شرعي يكون اللفظ واسطة في إثباته.

وإذا أحرز الظهور، أي عرفنا ما يدلّ عليه اللفظ المفرد أو الجملة نستنبط الحكم الشرعي المتعلّق بالموضوع لأنّ الظهور حجّة.

وعليه: فلابدّ للاُصولي من حيث أنّ مهمته هي معرفة الأدلة والطرق إلى الحكم الشرعي من أن يبذل الجهد في البحث عن ظواهر الألفاظ.

ويقول السيّد السبزواري في كتابه (تهذيب الاُصول):إنّ جميع ما يذكر في مباحث الألفاظ في صناعة الاُصول إنّما هو تشخيص صغريات أصالة حجيّة الظهور التي هي من أهمّ الاُصول النظامية العقلائية.

فلابدّ من الوقوف عند جميع تلك الصغريات على باب العرف لأنّه المرجع في ذلك كلّه.

خطّة العمل:

ولكي نتبيّن معنى ما تقدّم بوضوح أكثر لابدّ من الدخول إليه ببيان خطوات التعامل مع النصّ بغية معرفة دلالته، وهي:

-1 معرفة هل هو مبيّن أو مجمل.

فإن كان مجملا، يتوقف عن الأخذ به، ويرجع إلى غيره.

وإن كان مبيّنا ينظر:

أ- إن كان نصّا في معناه أخذ بمضمونه من دون التماس دليل على ذلك لأنّ الدلالة النصيّة يقينيّة، وليس وراء اليقين حجّة.

ب- وإن كان ظاهرا لابدّ - أوّلا - من معرفة من أي اُسلوب هو: أمرا، نهيا، مفهوما، عامّا الخ.

ج- وعند معرفة اُسلوبه تلتمس القاعدة الاُصولية في تحديد وتشخيص ظهور العنوان الذي إندرج تحته النصّ، أي معرفة هل أنّ العامّ له ظهور في العموم، وهل أنّ الأمر له ظهور في الوجوب،.. والخ.

فمهمة الاُصوليين في التعامل مع هذه المواد المذكورة في أعلاه (الأوامر والنواهي.. والخ) تتمثّل في البحث عن دلالاتها العرفيّة، أو قل دلالاتها اللغوية الاجتماعية، ليضعوا بين يدي الفقيه الضوابط والقواعد التي تساعده على تشخيص ظهورات صغريات هذه المواد المتمثّلة في مضامين المفردات الشرعيّة من آيات وروايات.

وتؤلّف أقيسة الإستدلال وفق التعليمات المنطقيّة كالتالي:

 -المفردة:

)اتّقوا اللَّه وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين.(

 -التطبيق:

أ- (ذروا) فعل أمر + وكلّ أمر ظاهر في الوجوب = فذروا ظاهر في الوجوب.

ب- ذروا ظاهر في الوجوب + وكلّ ظاهر حجّة = فذروا حجّة.

 -النتيجة:

الحكم المستفاد من الآية الكريمة هو وجوب ترك ما بقي من الربا.

فمحور البحث الاُصولي هو دراسة الدلالة الظهورية للمواد المذكورة لتكون كبريات لمفردات وهيئات النصوص الشرعيّة (الآيات والروايات).

مرجع التحديد:

وفي ضوء ما ذكرناه من أنّ المشرّع الإسلامي سلك طريقة الناس في خطابه وحواره يكون المرجع في تشخيص ظهورات هذه المواد هو العرف، أو قل الفهم العرفي.

ملاحظة:

قد يؤخذ على الكثير من الكتب الاُصولية تصنيفها المجمل والمبيّن في آخر القائمة.

والمفروض - من ناحية منهجيّة - أن يكون في أوّل القائمة، وذلك لأنّ الأوامر والنواهي والعمومات والخصوصات والمفاهيم والمطلقات والمقيدات فيها المبيّن وفيها المجمل، فلابدّ من معرفتهما (أعني المبيّن والمجمل) مسبقا ليمكن تحديد الموقف للتعامل مع الأوامر والنواهي الخ، أخذا أو توقفا.

ذلك لأنّ الذي يستدلّ به من مفردات وهيئات شرعيّة كصغريات لكبريات هذه المواد هي من المبيّنات لا المجملات.