mp3:
الملف: Microsoft Office document icon 027.doc

8- الجهاز الاعلامي:

الاعلام ركيزة هامة من ركائز كل دولة، فالدولة القائمة على الحق وصاحبة رسالة في الحياة بحاجة إلى الكلمة الطيبة لتكون سبيلها إلى قلوب وعقول الناس.

وفي السابق لم يكن للاعلام قيمة طالما كانت القوة هي صاحبة السيادة وهي الوسيلة الوحيدة لفرض الأمر الواقع على الشعوب وعلى الدول.

والإسلام دين المنطق والعقل فكان سبيله إلى قلوب الناس هو الكلمة وليس القوة من هنا فقد حظي الإعلام بأهمية خاصة في التحرك الرسالي الذي قام به النبي (صلى الله عليه وآله) في مكة ثم من بعد في المدينة.

فبواسطة الإعلام أوجد رأياً عاماً في مكة لصالحه وضد مصالح قادة الشرك وفي أجواء هذا المناخ الإعلامي كان الوعي يتكامل عند بعض الناس من أصحاب النفوس النظيفة فكانوا يأتون إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يعلنون عن رغبتهم في اعتناق الإسلام.

وعبر الإعلام استطاع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يوجد رأياً عاماً مضاداً لقادة قريش سيما في فترة الحصار في شعب أبي طالب دافعاً بقسم من أبناء قريش لفك ترابطه لفك هذه الزعامة والوقوف إلى جانب رسول الله أو على الأقل وقوفهم على الحياد.

وعبر الإعلام تمكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يوصل صوته إلى القبائل المتاخمة لمكة وكان ينتهز فرصة مواسم الحج حيث تتجمع القبائل في مكة لتبليغ رسالته الإسلامية.

في ذات الوقت كان الرسول (صلى الله عليه وآله) في مكة يرد على الدعايات المضلة التي كان يطلقها زعماء قريش ضد شخصيته الكريمة وتصويره على غير حقيقته باطلاق الأراجيف كالجنون والسحر والكذب، فكان رده على كل دعاية بالعمل فلم يكن صعباً على الناس أن يتأكدوا بأنفسهم كذب تلك الدعايات المضلة.

وعند قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وشروعه ببناء الدولة الإسلامية كان الإعلام أحد أهم الجوانب التي أعارها رسول الله (صلى الله عليه وآله) جل اهتمامه فما من فعل أو قول قاله أو فعله إلا ورعى فيه الجانب الإعلامي حتى النشاطات السياسية والمشاريع الاقتصادية التي أقامها الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت تتضمن جانباً اعلامياً بالإضافة إلى الهدف الجوهري من ذلك العمل، فكان أول عمل قام به الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد بناء المسجد هو تعيين الاذان كشعار للدولة الإسلامية وإعلام للمسلمين بالاجتماع في المسجد لأداء فريضة الصلاة، وكان اليهود يستعملون البوق والنصارى يستعملون الناقوس وقد أشار بعض المسلمين باستخدام أحد هذين الوسيلتين لكن الرسول لم يقبل كلا الرأيين وانتظر رأي السماء فجاءه جبرائيل كما جاء في الكافي عن محمد بن عمر بن حماد بن عيسى عن منصور بن أبي حازم عن أبي عبد الله لصادق (عليه السلام) أنه قال: لما هبط جبرائيل بالأذان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان رأسه في حجر على (عليه السلام) فأذن جبرائيل ثم أقام، فلما انتبه رسول الله قال يا علي اسمعت قال نعم قال: ادع بلال وعلمه الأذان فأصبح الأذان بكلماته شعاراً للدولة الإسلامية وقد ميّز الإسلام عن الرسالتين الأخرتين.

واتخذ رسول الله المنبر وسيلة للتبليغ والتوجيه فكان المسلمون يجتمعون في المسجد ليستمعوا إلى أقوال الرسول ومواعظه وكان الحاضر منهم يبلغ الغائب ما تحدث به رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن النشاطات الإعلامية في العهد الإسلامي الأول قيام حديثو الإسلام بتبليغ قومهم والطلب إليهم بالإنتماء إلى الجماعة السلامية وخصوصاً أولئك الذين امتازوا بالمنزلة والمكانة وكان من بين من أسلم عبد الله بن سلام وهو من أحبار يهود بني قينقاع، وأراد عبد الله بن سلام أن يفاجئ قومه باسلامه ويوعظهم بترك اليهودية واتباع الإسلام فاتفق مع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يمكث في إحدى بيوته حتى إذا ما قدم اليهود لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) يسألهم عن عبد الله بن سلام فإذا قالوا فيه خيراً فإنه سيخرج إليهم ليتكلم معهم فيدعوهم إلى الإسلام.

وقدم اليهود فسألهم النبي (صلى الله عليه وآله) أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟

 (حصين هو عبد الله قبل إسلامه) قالوا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وعالمنا.

فعندما اطمأن عبد الله أنهم لم يعرفوا بإسلامه وأنه لا زال موضع ثقتهم خرج عليهم وهو يقول: يا معشر اليهود اتقوا الله وأقبلوا ما جاءكم به فوالله أنكم لتعلمون أنه رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأؤمن به وأصدقه وأعرفه.

أما الشعر فقد استخدم في ميدان الصراع كأحد أدوات المواجهة وكأحد وسائل التعبئة فقد استثمر الرسول (صلى الله عليه وآله) هذا الفن في كل موضع يتطلب موقفاً إعلامياً.

أولاً: الرد على المشركين كان يطلب من الشعراء أن ينظموا القصائد فيهم ففي إحدى المرات كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجلس في المسجد إذ لاحت منه التفاتة إلى الشاعر عبد الله ابن رواحة فدعاه للجلوس فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول: قال أنظر ثم أقول:

قال عليك بالمشركين ولم يكن قد أعد لذلك فقال:

فخبروني اثمان العباءة متى         ***          كنتم بطاريق أو دانت منكم مضر

أي خبروني يا معشر قريش يا من لا تتمنون ولا تعرفون إلا ثمن العباء متى كنتم سادة (1).

ثانياً: واستخدم الشعر في اظهار قوة المسلمين وعزتهم ومنعتهم للتأثير في القبائل من أجل دفعهم إلى الإيمان فقد جاء وفد بني تميم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام شاعرهم الزبرقان بن بدر يفتخر بقومه وأنهم كرام وملوك أقوياء وشجعان وقد تكلم شخص آخر عن مكانة بني تميم وافتخر بنسب وحسب عشيرته.

فأراد الرسول (صلى الله عليه وآله) أن تكون  المقابلة بالمثل فأرسل على حسان بن ثابت وكان غائباً عن هذا الاجتماع فحضر جانباً منه فعندما ختم الزبرقان قصيدته قال الرسول لحسان فأجاب الرجل فيما قال، فقام حسان فألقى قصيدة مدح فيها المسلمين وافتخر بالدين الذي بعثه الله وبعد أن ختم القصيدة قام أحد بني تميم وهو الأقرع بن حابس فقال: وأبي أن هذا الرجل لمؤتي له لخطيبه اخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أحلى من أصواتنا فأسلموت بأجمعهم (2).

وهنا يتجلى أهمية الشعر ودوره في كسب أناس جدد للانخراط في سلك الدين الجديد، وقد استعمل الشعر في اظهار جانب العظمة في شخصية القائد (صلى الله عليه وآله) لأداء نفس الغرض فعلى رغم ما عرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكرهه للمدح وللمداحين فقد أثاب من مدحه ككعب بن زهير الذي جاء بقصيدة

 (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول..         ***         متيّم إثرها لم يفد مكبول)

يعتذر عما اقترفه لسانه في الماضي في هجاء النبي (صلى الله عليه وآله).

وقد مدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) معظم الشعراء المسلمين، وكان مديحهم يتركز على جوانب الرسالة والقوة والشجاعة في شخصية النبي (صلى الله عليه وآله) فأصبح لهذا الشعر أثر كبير على مسامع الإنسان العربي الذي سمع الكثير من الشعر فكان ينجذب إلى الشعر الجيد ويتجنب الشعر الردي.

ثالثاً: استعمال الشعر في التعبئة وفي استثارة الهمم والحث على الإقدام والشجاعة في المعارك عند وقوع النزال بين المسلمين والمشركين.

وكان المسلمون يستعملون الشعر أثناء العمل على صورة انشاد جماعي من أجل التغلب على التعب والنصب فعن البرار بن عازب (3) قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى التراب بياض بطنه ويقول:

لولا أنت ما اهتدينا           ***         ولا تصدقنا ولا صلينا

فانزل سكينة علينا            ***         وثبّت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى لقد بغوا علينا      ***         وإذا أرادوا فتنة أبينا

وكان رسول الله قد وظف ثلاثة من خيرة الشعراء لخوض النزال مع شعراء الجاهلية الذين كانوا يهجونه (صلى الله عليه وآله) وينالون من المسلمين.

والثلاثة هم عبد الله بن رواحة، حسان بن ثابت، كعب بن مالك، وكان رسول الله يقول لهم اهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنك تنحرهم بالنبل فقد ساوى بين من يقاتل بالنبل ومن يقاتل بالشعر.

وعلى رواية أخرى كان يردد الرسول (صلى الله عليه وآله) إن المؤمن من يجاهد بنفسه ولسانه (4) وكان يقول أيضاً جاهدوا المشركين بالسنتكم (5).

ولا غرابة أن يشبه رسول الله أبيات الشعر بالسهام التي تنطلق لتصوب إلى نحور المعتدين من قوة تأثيرها فقد كان للشعر قيمة لدى العرب وأثر في نفوسهم.

وافردت كتب السير فصولاً وصفحات مطولة للتحدث حول هذا النوع من الصراع الإعلامي الذي خاضه فريق الشعراء من المسلمين مع الشعراء الجاهليين وكان هذا الفريق يمثل في الواقع جهازاً إعلامياً منظماً دقيقاً.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل على تغيير اتجاهات الشعر عندما يستمع إلى الشعراء لإعطاء الهدفية إلى هذا الفن وإبعاده عن مواطن اللهو والعبثية فقد قال لكعب بن مالك في قصيدة له يرد فيها على هبيرة يوم أُحد قائلاً:

مجالدنا عن جذمنا كل فخمة   ***   مذربة فيها القوانس تلمع

فقال رسول الله أيصلح أن تقول مجالدنا عن ديننا فقال كعب: نعم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فايٌّ حسن فقال كعب..

مجالدنا عن ديننا كل فخمة   ***   مذربه فيها القوانس تلمع

وبهذا الموقف أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يبن الهدفية من الشعر بأن يكون في خدمة الدين فالجهاد من أجل الدين وليس من أجل الجذم وهو الأصل، فقد ولى عهد العصبيات الجاهلية وأصبح الدين هو كل شيء في حياة الإنسان.

وقد عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على تغيير بيت الشعر بأسلوب رائع وحكيم فهو لم يفرض على الشاعر هذا التغيير بل استشاره أيصلح أن تقول مجالدنا عن ديننا واختار الكلمة المناسبة أيضاً وهذا ما يؤكد على سعة اطلاع النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الفن وكثرة اهتمامه به.

وفي سبيل بعث الحماس واستثارة الهمم كان الشعر يستخدم في المعارك فقد حفلت الكتب بالقصائد البليغة التي اطلقت في ساعات المواجهة مع المشركين.

وفي سبيل ابراز القوة للعدو كان للشعر دور هام في ذلك، ففي عُمرة القضاء بعد صلح الحديبية ارتحل الرسول (صلى الله عليه وآله) والمسلمون إلى مكة وساق معه سبعين بدنة وكان عائداً لتوه من خيبر وقد اصطف المشركون عند دار الندوة فلما دخلها الرسول (صلى الله عليه وآله) اضطبع بردائه فأخرج عضده اليمنى ثم قال: رحم الله امرءً أراهم اليوم من نفسه قوة.

فقد وجد المكان والزمان مناسبين لاظهار القوة أمام الخصم فأخرج العضد والاضطباع بالرداء هو رمز للقوة والاستعداد للمواجهة وهي حركة يتجلى فيها الإعلام بأبهى صوره ثم استلم الرسول (صلى الله عليه وآله) الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه وكان بين يديه لما دخل مكة عبد الله بن رواحة آخذاً بخطام ناقته وهو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله   ***   خلوا فكل الخير في رسوله

يارب إني مؤمن بقيله        ***   أعرف حق الله في قبوله

نحن قتلناكم على تأويله      ***  كما قتلناكم على تنزيله

ضرباً يزيل الهام عن مقيله   ***  ويذهل الخليل عن خليله (6)

ويلاحظ كيف جمع الرسول (صلى الله عليه وآله) بين تلك الحركة التي صنعها أمام الخصم وبين اعطاء زمام الناقة بيد أحد الشعراء لينشد الأشعار الحماسية أمام الملأ فقد كان الموقف يتطلب عملاً اعلامياً مركزاً وهذا الذي فعله الرسول (صلى الله عليه وآله) والأعداء يرونه من على رؤوس الجبال وحول دار الندوة.

  • بعث الأمل في النفوس:

وكان على رأس أهداف السياسة الإعلامية التي انتهجها الرسول (صلى الله عليه وآله) هو بعث الأمل في النفوس فقد كان المسلمون قلة مستضعفة ولم يكن ليقوّي هذه القلة سوى الأمل الذي شدها إلى الحياة وإلى المثابرة فلولا الأمل والرجاء لما كان المسلمون بقادرين على الصمود بوجه طغيان قريش.

فعندما يواجه المسلمون أشد أنواع التعذيب ويأتي خباب بن الأرت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشكو إليه ما أصابهم فيخفف عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وينقله إلى عالم الصمود ويجعله يتصور المجاهدين السابقين وما كان عليهم فيقول له:

قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بالمنشار فيجعل في رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يغير منه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون.

وعندما سمع خباب هذا الحديث تفجر الصمود في أوصاله من جديد وقرر المضي حتى لو أصابه أكثر من ذلك.

فقد كان رسول الله يبث ويبعث الأمل في نفوس أصحابه عندما يصيبها التعب ففي غزوة الخندق والأحزاب يحيطون به من كل جهة وهو وحيد بين قلة من أصحابه اضطر المسلمون لحفر الخندق في تلك اللحظات العصيبة التي كانت صعبة على كل إنسان يجد نفسه بين الحياة والموت بين أن يبقى الدين أو لا يبقى، في تلك اللحظة التفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه الذين كانت أياديهم مشغولة بالحفر وقلوبهم مشغولة بما سيحل عليهم، أخذ المعول وضرب صخرة قاسية فصدعها فبرقت منها برقة كبّر لها رسول الله وكبّر معه أصحابه ثم ضربها ثانية وثالثة فبرقت ومع كل بريق كانت أصوات التكبير تملأ الفضاء الواسع ثم التفت إليهم ثانية وقال لهم أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الأولى وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها.

وأضاء لي في الثانية القصور الحمر من أرض الشام والروم وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها فابشروا فاستبشر المسلمون (7)

ــــــــــــ

الهامش

1)- د- جودة عبد الله مصطفى (محمد نظرة عصرية): ص133.

2)- ابن هشام: ج2 ص560.

3)- مجمع الزوائد: ج8 ص123.

4)- ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج2 ص227.

5)- ابن الأثير، الكامل: ج2 ص178.

6)- انظر المجلد الأول: ص215 من سيرة ابن هشام.

7)- ابن الأثير، الكامل: ج2 ص117.