- الروايات:

وهي كثيرة، ولكن أهمّها، وعليها الإعتماد في الإستدلال بها على حجيّة الإستصحاب الصحاح الثلاث لزرارة بن أعين، وتليها موثّقة عمّار وروايتا محمّد بن مسلم وعبداللَّه بن سنان ثمّ مكاتبة القاساني.

وتتنوّع هذه الروايات نوعين:

- مقنّنة للقاعدة كرواية محمّد بن مسلم وموثّقة عمّار.

- ومطبقة للقاعدة على مواردها كصحاح زرارة.

وقد أطال القوم البحث فيها قبولا ورفضا وإحكاما ونقضا، بما حمّل النصّ بأكثر ممّا يتحمّل، ونأى به عن طبيعة الأساليب العربية في الدلالة وأداء المعنى.

ومن العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف المختصّ بمورد خاص، ولم يتمسّك بالأخبار الصحيحة العامّة المعدودة في حديث الأربعمائة من أبواب العلوم.

وأوّل من تمسّك بهذه الأخبار في ما وجدته والد الشيخ البهائي في ما حكي عنه، في (العقد الطهماسبي)، وتبعه صاحب الذخيرة وشارح الدروس، وشاع بين من تأخّر عنهم.

ويسمّى الدليل الدالّ على هذا الحكم الظاهري أصلا.

وأمّا ما دلّ على الحكم الأوّل علما أو ظنّا معتبرا، فيختصّ باسم الدليل، وقد يقيّد بالإجتهادي.

كما انّ الأوّل قد يسمّى بالدليل مقيّدا بالفقاهتي.

وهذان القيدان إصطلاحان من الوحيد البهبهاني لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه والإجتهاد.

ثمّ انّ الظنّ الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ كما لا يخفى(1).

وقال المحدّث البحراني في (الحدائق)(1): ثمّ انّه يجب أن يعلم أنّ الأصل بمعنى النفي والعدم إنّما يصحّ الإستدلال به - على تقديره - على نفي الحكم الشرعي لا على إثباته، ولهذا لم يذكر الاُصوليون البراءة الأصليّة في مدارك الأحكام الشرعيّة.

وهما لا يعنيان بالنفي إلغاء الحكم، وإنّما يعيّنان به النفي في حقّ المكلّف بمعنى عدم مؤاخذته على مخالفته، وهو ما عبّرت عنه بالإعفاء.

وفي ضوء هذا يمكننا أن نعرّف البراءة - اُصوليا - بأنّها الأصل العملي الذي يعيّن للمكلّف وظيفته العمليّة عند يأسه من العثور على الحكم المطلوب منه إمتثاله.

أمّا الاُصوليون فيرون انّ الأحكام شرّعت كاملة، وبلّغت إلى من وصل إليهم البيان كاملة.

أمّا من لم تصل إليهم الروايات الحاملة للأحكام كوسيلة تبليغ لا يصحّ أن نلزمهم بالإمتثال لأنّ شرطه وهو التبليغ لم يتحقق، وعليه ليس أمام المكلّف إلا الرجوع إلى البراءة.

وذلك لأنّ جهله بالحكم يعني الشكّ في التكليف وهو مجرى البراءة.

هذا هو أهمّ ما يثبت أنّ البراءة من الظواهر الإجتماعيّة العامّة.

وبعده علينا أن نتساءل: هل أمضى المشرّع الإسلامي هذه السيرة العقلائيّة، وأقرّ هذا التباني الإجتماعي؟

الموازنة:

وبعد أن رأينا ما استدلّ به على وجوب الإحتياط في الشبهات على نحوين:

- إمّا إرشادي يفيد إستصحاب الإحتياط لا وجوبه.

- وامّا ناهض بالدلالة على إمضاء قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل، إلا أنّنا غير ملزمين بالأخذ بالقاعدة لوجود المؤمن الشرعي من الوقوع بالضرر، وهو قاعدة البراءة.

(حقّ الطاعة)

كنّا - قبل هذا - مع قاعدتين عقليتين هما:

- قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) التي استدلّ بها العلماء الاُصوليون على براءة الذمّة من التكليف عند الشكّ في الشبهات مطلقا.

علاقة التخالف:

التخالف ضدّ التوافق، مثلما انّ الإختلاف ضدّ الائتلاف، والخلاف ضدّ الوفاق.

والتقابل بينهما تقابل تضادّ - بالمصطلح المنطقي - فكما يرتفع الإختلاف ويحلّ محلّه الإئتلاف، يرتفع التخالف ويحلّ محلّه التآلف.

وقد رأينا هذا في الجمع بين العامّ والخاص والمطلق والمقيّد.

وأومأنا آنفا إلى أنّ علاقة التخالف تتمثّل بالتالي:

1- علاقة العامّ بالخاص.

2- علاقة المطلق بالمقيّد.

3- علاقة الحاكم بالمحكوم.

علاقة التعارض:

(تعريف التعارض):

جاء في معجم (لاروس): تعارض تعارضا الرجلان: عارض أحدهما الآخر.

وفي (محيط المحيط): وعارض فلانا: ناقض كلامه وقاومه.

وفي صحاح المرعشليين: المعارضة: الممانعة والمقاومة:  oppositionفالتعارض - لغةً - يعني التناقض والتضادّ.

وفي الفكر اليوناني يراد به ما يعرف بـ(منطق المعارضة) antilogie ويعنون به: إمكان معارضة كلّ حكم أو قول أو دعوى بحكم أو قول يساويه في القيمة، ممّا يجعل الشاكّ لا يسلم لا بالحكم ولا بنقيضه(1).

 (الإختلاف في اُسلوب السؤال):

ويرجع هذا إلى انّ الأحكام التي كانت تصدر من الأئمّة(عليهم السلام) كانت أجوبة عن أسئلة تقدّم إليهم، فكانوا يجيبون السائل على قدر سؤاله ثمّ يأتي السائل السابق نفسه أو سائل آخر ويسأل باُسلوب آخر ممّا يؤثّر في تغيّر الإجابة، فيجيبونه على قدر سؤاله، فيختلف الجواب لإختلاف اُسلوب السؤال.

وأوضح مثال لهذا: الأحاديث الواردة في نجاسة وطهارة الكتابي حيث اختلفت بإختلاف السؤال ممّا أوهم التعارض بينها.

ومن أمثلة الإدراج ما وقع من السيّد العاملي في (مدارك الأحكام)(1) - عند تعليقه على عبارة (الشرائع) القائلة: يقضي الحجّ من أقرب الأماكن.

وقيل: يستأجر من بلد الميّت.

وقيل: إن اتّسع المال فمن بلده، وإلا فمن حيث يمكن.

Subscribe to أصول الفقه 2

Scientific activities and events