المحسوس هو الجسم

إن ما يخضع للحس لا يكون إلا جسماً، والجسم محدود لا محالة، لأنه محصور بالطول والعرض والارتفاع ومحدود بالزمان... ومن البديهي جداً أن الزمان والمكان مخلوقان.

إن الله هو الوجود المطلق، الذي لا يحده شيء، هو الوجود اللامتناهي وعليه فمن الخطأ أن نبحث له عن مكان. وإذا ألغينا المكان اصبح البعد والقرب تافهاً... وإذا انعدم الزمان فلا معنى للسريع والبطيء، كما لا معنى للماضي والمستقبل. فمثلاً لو تسنى للإنسان أن يسير بسرعة الضوء فإنه يصل (أمس) بدلاً من (غد) وهذا قريب إلى المزاح لكنه بحث عميق في الفيزياء الحديثة.(1)

الله عالم

وهذا مبحث مهم من مباحث علم الكلام. وقد وقع خلاف كثير في كيفية تعلّق علمه تعالى بالأشياء. وقبل أن ندخل إلى صلب الموضوع لابدّ من تقديم مقدمة.

 العلم الحضوري والعلم الحصولي

لقد شاع على الألسنة تقسيم العلم إلى تصور وتصديق، تبعاً لعلماء المنطق، وعلى هذا الاساس فإن الذي ينعكس في الأذهان عن العلم هو ارتسام صورة الشيء في الذهن، في حين أن مثل ذلك لا يمكن أن يصدق على الله تعالى.

فمن الضروري في هذا المقام التمييز بين نوعين من العلم: الحضوري والحصولي. وتتلخص أوجه الفرق فيما يأتي(1):

1- إن العلم الحصولي هو حضور صورة المعلوم لدى العالم.

  إذا تمت هذه المقدمة نقول:

1- لكل مجرّد علم بذاته لحضور ذاته عند ذاته.

2- ذات الله تعالى صرف الوجود الذي لا يحده حد.

3- لا يشذّ عن الله وجود ولا كمال وجودي.

إذن فما في تفاصيل الخلقة من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي فهو موجود عند الخالق بنحو أعلى وأشرف.

وبهذا يثبت علم الله بذاته.(1)

علم الله بغيره

ثم إن الموجودات معاليل لله تعالى وقائمة ذواتها به قيام الرابط بالمستقل، فهي حاضرة بوجوداتها عنده.

أما وجوداتها المجردة فهي معلومة له علماً حضورياً بأنفسها. وأما وجوداتها المادية فهي معلومة له بصورها المجردة.

 وفيه:

1- لم تثبت لنا المثل الأفلاطونية.

2- وعلى تقدير ثبوتها فإنما يكفي هذا لتصوير العلم التفصيلي بالاشياء في مرتبتها لا في مرتبة الذات، فتبقى الذات خالية من الكمال العلمي، وهذا خلاف الفرض، فقد سبق أن عرفنا أنه وجود صرف لا يشذّ عنه كمال وجودي.

القول الخامس - إن الأشياء - أعمّ من المجردات والماديات - حاضرة بوجودها عنده تعالى، غير غائبة عنه، وهو علمه التفصيلي بالاشياء. وقد اختار هذا القول شيخ الاشراق(1)، وتبعه عليه جمع من المحققين.

ويرد عليه:

1- إن المادية تنسجم مع العلم الحصولي ولا تلائم الحضور.

    وإذ عرفنا ما تقدم أن لنا أن نستخلص النتائج الآتية:

1- المادة سبب الخفاء، والتجرد هو منشأ العلم الحضوري.

2- الله تعالى عالم بالاشياء قبل وجودها في مرتبة ذاته، وهذا عين ذاته. وليس في مرتبة الاشياء حتى يرد على ذلك انه لا معلوم قبل وجود المعلوم، وإلى هذا أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: (عالماً بها قبل ابتدائها)(1).

3- اثبات العلم الاجمالي لله تعالى بالموجودات قبل وجودها مستلزم لخلو الذات من الكمال العلمي، وهو غير معقول، لأن الله تعالى وجود صرف لا يشذّ عنه كمال وجودي.

الله قادر

قالوا عن القدرة أنها: كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، ولكن القرآن الكريم يعطينا صورة أجمل عن القدرة حيث يقول: (وما كان الله ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً)(1).

فمعنى قولنا: الله قادر، أنه لا يعجزه شيء.

والدليل على ذلك: إن الله هو الوجود اللامتناهي واللا محدود، ويستحيل أن يكون عاجزاً، لأن العجز بصورة عامة ينشأ من احدى ثلاث جهات:

1- قصور الفاعل.

2- قصور القابل.

3- وجود الموانع من تأثير إرادة الفاعل.

4- وقال البلخي: إن الله لا يقدر على مثل مقدور العبد، لأن مقدور العبد إما طاعة أو سفه، وكلاهما لا يثبتان في حق الله.

5- وذهب الجبائيان إلى أنه لا يقدر على عين مقدور العبد، وإلا لزم اجتماع الوجود والعدم على تقدير أن الله يريد إحداثه والعبد إعدامه.

والجواب عن الجميع: أن المقتضى لتعلق القدرة بالمقدور إنما هو الامكان، وهو سار في الجميع، فيثبت عموم القدرة.(1)

الله قيوم

قال علماء الكلام الله حي، والدليل على ذلك أنه معطى الحياة ولا يعقل أن يكون فاقد الشيء معطيه.

الارادة الإلهية

عقد الكليني في (اصول الكافي) باباً سماه (باب الارادة أنها من صفات الفعل) وذكر بعض الروايات التي تؤيد هذا المعنى. ولما كانت صفات الفعل خارجة عن ذاته تعالى، فإرادته تعالى لا تكون عين ذاته على هذا الاساس.

وذكر السيد نعمة الله الجزائري في (شرح التهذيب) في مقام بيان الفروع التي وقع التعارض فيها بين العقل والنقل مسألة الارادة، وقال: إن المتكلمين من أصحابنا أقاموا البراهين العقلية على كونها عين الذات، في حين ورد في الاخبار المستفيضة أنها زائدة عليها، وأنها من صفات الأفعال.(1)

ولكي نسلّط الضوء على هذا البحث نذكر بعض الاخبار التي تشير إليها:

العدل

(الجبر والاختيار)

  أهمية هذا البحث:

إن مسألة حرية الإرادة الإنسانية من المسائل التي كثر حولها الجدل والنزاع، والأخذ والردّ، حتى أن بعضهم اعتبر الوصول إلى سرّ الطبيعة الإنسانية كامناً في حل مسألة الجبر والاختيار.

يقول (جان جاك روسو) في (العقد الاجتماعي) ليس المائز الأساسي بين الإنسان والحيوان هو الفهم والتفكير، بل الإرادة والاختيار.

على أن هذه المعضلة تقع ضمن دائرتين: الطبيعة وما وراء الطبيعة.

9- ويرى بعض المتصوفة: أن للفعل الاختياري نسبتين: نسبة ذاتية، ونسبة اعتبارية. فالفعل له نسبة ذاتية إلى الله، أما نسبته إلى الإنسان فهي اعتبارية.

10- مذهب الإمامية: القدرة وجميع العوامل الطبيعية المؤدية إلى الفعل من الله، غير أن استغلال تلك العوامل والاستفادة منها منوط بالإنسان، وهذا هو مذهب (الأمر بين الأمرين) الذي أخذوه من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

  ثلاثة اتجاهات:

ونستطيع اختصار الاتجاهات الأساسية في هذا الموضوع إلى ثلاث:

1- الجبر ومؤداه أنه لا أثر لإرادة الإنسان واختياره في أفعاله.

Subscribe to العقائد

Scientific activities and events