المادة: فقه الدولة
mp3:
الملف: Microsoft Office document icon fekeh_dawla 26.doc

مسائل وتفريعات:

- المسألة الأولى: هل الانتخاب بالعنوان الأول واجب أم مستحب أم مباح أم يفصّل بين انتخاب الفقهاء فغير واجب وغيرهم فواجب.

احتمالات في المسألة ويرجع الاختلاف بينها إلى المستفاد من أدلة ولاية الفقيه فإن المحتملات فيها عديدة ناشئة من الاختلاف في نحو أدلة الولاية وأنها على نحو الطريقية أو الموضوعية. من هذه المحتملات يرى أن أدلة الولاية طريقية بمعنى أنها طريق لتمييز الحاكم الصالح للولاية من غيره فأدلة الولاية ليست تنصيبية بل ترشيحية وهذا ما ربما يعضده طائفة من الروايات الدالة على الولاية منها ما ورد عنه (عليه السلام) من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه ومن الواضح أن قوله (عليه السلام) للعوام أن يقلدوه ظاهر في الترشيح والتقليد ليس في الأمور الفردية والعائلية فقط بل يجري في الأمور العامة الشاملة حتى للسياسة والاقتصاد وغيرها ولا يخفى عليكم بأن الترشيح في الأمور العملية الشخصية التي هي من المهمات عند الإنسان لتوقف حياة الإنسان الأخروية بل والدنيوية من حيث الفسق والعدالة والإيمان والكفر والسعادات المادية والمعنوية متوقفة على ذلك فيستفاد منها الترشيح للحكومة بالأولوية لأنها أهم لتوقف الأمور الشخصية والعامة عليها وكيف كان.

فإن الاجتهاد يمكن أن يتحقق عند فقيه جامع للشرائط وعند فقيه آخر غير جامع للشرائط والرواية الشريفة حيث عينت الصفات وأوكلت أمر التقليد إلى الناس في أن يختاروا من يريدونه متصفاً بهذه الصفات فهو ظاهر في ترشيح هذا النوع من الفقهاء إلى التقليد لا تنصيبه في ذلك ومن هذه الأخبار التوقيع الشريف الوارد عن مولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأما الحوادث الواقعة ترجع فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم يستفاد منه الترشيح أيضاً على ما ذهب إليه بعض الفقهاء ووجه الاستدلال أن المراد من الحوادث الواقعة لا تخلو من احتمالات ثلاثة وهي:

- أولاً: أن يراد منها الأحكام الشرعية الكلية.

- ثانياً: الأمور الفرعية الجزئية كحل الخصومات والنزاعات.

- ثالثاً: الحكومة وتنفيذ القوانين الإسلامية في مختلف المجالات.

والأولى مهمة إفتائية والثانية مهمة قضائية والثالثة حكومية وحيث أن إطلاق الرواية الشريفة يتحمل الجميع ولا يوجد مقيد أو مخصص يضيق الدلالة فلا مانع من شموله للجميع بعد وجود المقتضي فيثبت وجوب الرجوع إلى الفقهاء لا غير لأنهم أجلى مصاديق رواة حديثهم المتفقهين مما عرفت سابقاً بأن المقصود من رواة الحديث عرفاً ليس الراوي لمجرد كونه راوياً بل متفقهاً لمفاد كلامهم وحدود دلالاته ومعانيه وعلى فرض القول بانصراف رواة الحديث إلى مجرد الراوي فيثبت الرجوع إلى الفقهاء بالأولوية بكونهم رواة وأكثر وكيف كان.

فالمستفاد من مثل هذه الرواية هو ترشيحهم لرجوع الناس إليهم لا تعيينهم لتوقف التعيين على الراجع بعد عدم النص على مصداق خاص وتعدد مصاديق الرجوع وربما يؤيده التوقيع الشريف الذي رواه الكشي بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا.

ويؤيده أيضاً ما رواه في الاحتجاج عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في حديث طويل قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) من خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى قال العلماء: إذا صلحوا إلى غير ذلك من الأخبار التي يستفاد منها الترشيح لهذا المقام لا التنصيب والتعيين وعليه فإن الانتخاب يصبح واجباً هنا بداهة توقف الواجب وهو نصب الحاكم عليه لكون ما يتوقف عليه الواجب واجب وبالتالي فإن شرعية حكومة الفقيه متوقفة على رأي الأمة وانتخابها له كما أنها خاضعة استمراراً لبقاء رأيها ولعل هذا ما يظهر من بعض كما ذكره في دراسات في ولاية الفقيه في ص481-482 من الجزء الأول.

ومن الاحتمالات أن يقال بأن أدلة ولاية الفقيه موضوعية فتفيد تنصيب الفقيه في هذا المنصب وبعد ذلك انتخاب الأمة وعدمه لا يؤثر في حكومته إلا بمقدار إظهار الولاء والالتزام بالطاعة والانقياد كما أن عدمه لا يؤثر في عدم شرعيته بداهة أن التنصيب من قبل المعصوم (عليه السلام) يمنع من الاجتهاد والرأي في قباله سواء كان هذا التنصيب خاصاً كالنواب الأربعة في زمن الغيبة الصغرى أم عاماً كالفقهاء العدول في زمن الغيبة الكبرى وهذا ما ربما يظهر من كلمات بعض الفقهاء المعاصرين.

ومن الاحتمالات أن أدلة ولاية الفقيه موضوعية طريقية وهو الظاهر من اختيار جمع من الفقهاء منهم السيد الشيرازي في الفقه والسيد الصدر في كتابه الإسلام يقود الحياة وغيرهم من الفقهاء ولعله المشهور فتفيد حينئذ أن الفقيه هو المجعول شرعاً إلى الحكومة لموضوعية دلالة الولاية وطريقيتها الكاشفة عن أفضليته إلا أن فعلية ولايته متوقف على رأي الأمة فحكمه حكم الواجب المعلق كالاستطاعة والحج والصلاة والوقت والخمس ودوران الحول ونحوها من الواجبات ومن الواضح أن رأي الأمة كما يمنح الفقيه صلاحية ممارسة السلطة لا أصلها كذلك عدمه يسلب هذه الصلاحية وهذا يختلف عن الرأي الأول بان رأي الأمة في الأول هو الذي ينصب الفقيه حاكماً بخلاف الثالث فإنه لا ينصبه لكونه منصوباً بالتنصيب العام من قبل المعصوم (عليه السلام) وإنما الانتخاب يعطيه فعلية ممارسة السلطة والثمرة بين الآراء الثلاثة تظهر في سعة سلطة الفقيه وضيقها في صورة تعدد الفقهاء وتصدي أحدهم أو اختيار أحدهم ونحو ذلك فإنه على الرأي الأول لا مجال لغير المنتخب التصدي وممارسة مهام الفقيه السياسية والاجتماعية في الدولة في خلافه على الثالث فإنه يحق للفقيه ممارستها لامتلاكه حق السلطة والحكم نعم ربما يقال بأنه لا يحق له التدخل في شؤون الدولة إلا بمقدار ما ارتضته الأمة هذا ويختلف القول الثاني عنهما فإن للفقيه حق التدخل مطلقة في شؤون الدولة وغيرها لكونه الحجة المجعولة من المعصوم (عليه السلام) سواء وقع عليه الانتخاب أم لا بل وكل مشروع أو عمل يرتبط بالشؤون العامة فالعمل السياسي أو الحزبي أو الجهادي ونحوها فإنه مشروط بإذنه ومن الواضح أن الحكم يختلف بين هذه الآراء أيضاً فإن الانتخاب على الأول والثالث واجب كفائي بينما على الثاني الحكم هو الإباحة بالعنوان الأولي فإذا انطبق عليه عنوان راجح كتقديم الأكثر وما أشبه للحكومة يكون مستحباً فإذا توقف عليه حفظ النظام وبسط العدل يصبح من الواجبات حينئذ هذا وهناك احتمال رابع وهو أن الحكومة إذا تصدى لها الفقيه فلا دور للانتخاب إلا بمقدار إعلان الرضا وإظهار الالتزام والطاعة لكون أدلة الولاية موضوعية وأما إذا تصدى غيره فيجب الانتخاب حتى لو كان تصديه بإذن الفقيه الجامع للشرائط وذلك لقصور أدلة الولاية عن شمولها لصورة الحكومة غير المباشرة إما لانصرافها إلى تولي الفقيه ذلك مباشرة أو للأخذ بالقدر المتيقن في صورة الشك وهو في صورة مباشرة الفقيه لا استنابته أو لأن ذلك مقتضى الجمع بين أدلة الولاية ودليل السلطنة إذ أن أدلة الولاية بناء على الموضوعية حاكمة على دليل السلطنة في صورة مباشرة ولا نعلم بحكومتها عليها حتى في صورة توسيط الفقيه للحكومة ولا أقل من الشك في المسألة وحينئذ ينبغي الأخذ بالقدر المتيقن وهو عدم وجوب الانتخاب في صورة مباشرة الفقيه وأما في صورة الاستنابة فواجب ولعل مما يعضد ذلك أن رأي الفقيه حجة فيما إذا كان في الأحكام ونحوها وأما في الموضوعات الخارجية فلا وترشيح الفقيه للحاكم من قبيل الثاني لا الأول نعم إلا إذا قيل بأنه وإن كان من الموضوعات إلا أنه من الموضوعات المشمولة بحكم الحاكم الشرعي كإثبات الهلال والحكم في المنازعات والأحكام العامة فحينئذ يجب أيضاً.

هذا ولا يخفى عليك أن للانتخاب بناء على وجوبه أو رجحانه طرق وأساليب متعددة منها الطريق التلقائي كاختيار المقلدين مرجعهم في الفتية فإنهم لا يخضع لروتين اقتراع أو تصويت أو صناديق الرأي بل كل مكلف يختار مقلده ويرجع إليه في شؤون التقليد والفتوى.

ومن الواضح أن الاختيار في التقليد هو اختيار للحكومة أيضاً بناء على ثبوت ولاية الفقيه لأنها جميعاً مناصب إذ عرفت أن الفقيه له مناصب ثلاثة ومنها الحكومة وربما يؤيده أن التقليد كاشف عن رضا الأمة وهو الغرض المقصود من الانتخاب أيضاً فحينئذٍ إذا اختار المقلد مرجعه في شؤون الفتوى دل ذلك عرفاً على أنه اختاره في كل مناصبه حتى وإن لم يكن هناك صندوق اقتراع أو مظهر مباشر للانتخاب وإن جاز للمقلد أن يبعد في تقليده ابتداءً فيرجع لفقيه في الأحكام ولآخر في الحكومة ابتداءً على قول أو استمراراً على قول آخر.

ومن هذه الطرق التصويت المباشر ومنها التصويت غير المباشر بواسطة أهل الخبرة أو هيئة موثقة مخولة ونحو ذلك فإن ذلك لا يضر ما دامت من الموضوعات التي سكت عنها الشارع وليس فيها تأسيس جديد ما دامت تحقق الأغراض العقلائية في الحكومة والانتخاب.

هذا وقد استدلوا على لزوم الانتخاب بأدلة مضافاً إلى ما عرفت منها جملة منها مما تقدم بما حاصله أنه إن جعلت الولاية للفقهاء عامة ولاية فعلية فإما أن يكون لكل واحد منهم مستقلاً بالفعل فهذا يوجب الهرج والمرج الشديدين والاختلاف الكثير لتعدد الحكام بتعدد العلماء وهذا ما لا يمكن الالتزام به لوقوع التشاجر واختلال النظام وإما أن يكون ولاية بعضهم مشروطة بولاية بعض وهذا خلاف أدلة الولاية أو كون الولاية للمجموع من حيث المجموع وهذا في المجال النظري قد يتصور بأنه ممكن لكنه في مقام العمل غير ممكن لعدم وجود الخارجين لذلك مضافاً إلى مخالفته لظاهر أدلة الولاية الواردة بنحو العموم الاستغراقي المنحل حكمه على مصاديقه وأفراده كقولهم أزمة الأمور بيد العلماء بالله وكقولهم الفقهاء أمناء الرسل ونحو ذلك من أدلة وعليه فلا بد وأن يقال بأن الفقهاء منصوبون لذلك شئنياً وإنما تكون فعلية ولايتهم بانتخاب الناس لا غير أو تكون أدلة الولاية ترشيحية والانتخاب معين للحاكم لكن أجيب عنه بوجوه:

- الأول: في الخروج التخصصي وذلك لأنه لا يستظهر من أدلة الولاية الشأنية بل هي ظاهرة في الفعلية والمحاذير المذكورة من تعدد المتصدين ونحوه يجاب عنه في تقديم المتصدي السابق لأن الحق لمن سبق بناء على شموله بالإطلاق بمثل هذه الموارد أيضاً وعليه فإنه لو تصدى بعضهم لأمر الولاية وتدخل فيها فعلى الباقين قبول قوله وحكمه كما هو كذلك في أمر القضاء أو إثبات الهلال مثلاً ولو بلغ التصدي حد التزاحم كما لو تصديا معاً فلا يبعد إعمال المرجحات بينهما استئناساً بما في مرجحات الروايات كمقبولة عمر بن حنظلة بناءً على دلالتها على المقصود وبسيرة العقلاء وأدلة التزاحم الحاكمة بترجيح الراجح ولا يخفى أن ملاكات باب التزاحم وتقديم الراجح مما يعتمد على تشخيص المرجحات من العلم والفقاهة والتدبير والإحاطة بالأمور والوثاقة وغيرها وهذا إنما يقع على يد أهل الخبرة كما هو كذلك في مرجع الفتوى والتقليد وهذا يخرج موضوعاً عن الانتخاب لكونه من قبيل تشخيص الموجود الخارج من الموضوعات المستنبطة أو الخفية كما هو الأمر في تشخيص الطبيب للسلامة والمرض في أمر الصوم مثلاً وبالجملة جميع هذه الموضوعات يرجع فيها إلى أهل الخبرة من دون الحاجة إلى الانتخاب والرجوع إلى أهل الخبرة مبتني على بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم وهذا خارج عن الانتخاب تخصصاً وما قيل من أنه لولا الانتخاب يلزم الهرج والمرج فربما يقال فيه أن ذلك قد جرى في مرجع الفتوى واستقر تعيين الأعلم في الفقاهة على أهل الخبرة من العلماء في فرد معين أو أفراد معينة في كثير من الأعصار ولم يلزم في ذلك هرج ومرج واختلال نظام في الأمة وربما يؤيد ذلك أنه ليس للانتخاب عين ولا أثر في الفقه وفي التاريخ.

فيتلخص مما تقدم عدم الحاجة إلى الانتخاب لأنه إن قام بعض الفقهاء اللائقين بأمر الولاية من غير معارض كان على غيره متابعته من دون الحاجة إلى الانتخاب وإن وقع على التزاحم فاللازم الأخذ بالمرجحات كما ورد في غير مورد من أبواب الفقه وذلك لانحصار الطريق فيه وعدم المناص عنه والناظر في هذا الأمر هم أهل الخبرة ومع الرجوع إلى أهل الخبرة لا يبقى موضوع للانتخاب بل لا دليل عليه لما عرفت من عدم وجوده في رواياتنا ولا في كتب فقهاءنا إن قلت قد جرت سيرة العقلاء من الأمم عن الانتخاب في أمر الولاية وتشمله أدلة الوفاء بالعقود وعموم تسلط الناس على أموالهم وبالأولوية على أنفسهم قلت جريان سيرة العقلاء على ذلك إنما هو لعدم اعتقادهم بتعيين إلهي من قبل الإمام المعصوم (عليه السلام) وأما نحن فبعد قولنا به وفق الأدلة السابقة وأن الوظيفة هنا معلومة من قبلهم وأن الولاية من ناحية الله فقط لا يبقى لنا مجال في هذا الكلام.

- الثاني: عدم إيفاء الانتخاب بالغرض وذلك لأن الانتخاب الذي دار بينهم إنما هو انتخاب الأكثرين لا الجميع لعدم إمكانه عادة بل المراد من الأكثر عندهم أكثر أمر من يشترك في دور الانتخاب وقد لا يشترك فيه إلا الأقلون منهم وقد شاهدنا في كثير من الانتخابات أن وكلاء الناس ينتخبون بآراء قليلة بالنسبة إلى كل المجتمع كمليون نفر من بين عشرة ملايين ولو صحت هذه الحكومات كانت من قبيل حكومة في جمع قليل على جمع آخر كثير بغير رضا منهم ولا توكيل.

إن قلت إن الولي الفقيه لا يقدر على إعمال الولاية بدون مشاركة الناس في أمره وتأييدهم له وبذل أنفسهم في نصرته وتأييده فالانتخاب إنما هو لجلب مساعدتهم لذلك وهذا هو المراد من أن ولاية الفقيه لا تكون إلا اقتضائية وفعليتها في الانتخاب أجيب عنه بأن عدم قدرة الفقيه على إعمال الولاية بدون مساعدة الناس ليس دليلاً على عدم فعليتها بدونه كما في سائر الحقوق مثل من كان مالك لدار وغصبها منه غاصب فلا يقدر على أخذ حقه منه بدون مساعدة الناس وأين هذا من كون مالكيته شأنياً لا فعلياً وبالجملة إذاً أصل الولاية غير منوط بمساعدة الناس وإنما المنوط بها هو إعمال الولاية وفرق واضح بين إعمال الولاية وأصل ثبوتها.

هذا حاصل ما أوردوه على صحة الانتخاب والظاهر أنه يمكن الإجابة عنه من وجوه أيضاً:

- الأول: أن الحكم بالرجوع لأهل الخبرة لتعيين الفقيه قريب إلى المصادرة بداهة حاجتهم إلى رضا الأمة في تعيين من يرونه كفأً للحكومة ومقياس مسألة الحكومة والسلطة على سائر الموضوعات المستنبطة أو الخفية كالمسائل الطبية ونحوها مع الفارق من جهات منها أن مسائل الطب ونحوها لا ترتبط بالتصرف بكل شؤون الناس الهامة والخطيرة بل بمسألة واحدة لكون المريض يرجع إلى الطبيب ويسلطه على نفسه فقط لا على نفسه ونفس غيره أما في تعيين أهل الخبرة فإنهم يولون الحاكم على أنفسهم وعلى غيرهم وعلى كل البلد فلذا لا بد من أخذ رضاهم كما هو مقتضى قانون السلطنة.

ومنها أن المثال المذكور على المطلوب أدل بداهة أن الطبيب يشخص بواسطة أهل الخبرة ومع ذلك يبقى المريض مخير في اختيار من يريد من بين الأطباء وكذلك ما نحن فيه فإن سلطة أهل الخبرة متأخرة رتبة عن سلطة الناس على أنفسهم ولذا قد تتسع وقد تضيق بقدر ما أعطاهم الناس من الصلاحية وإلا فإن مهمتهم الأولى هي تشخيص الأفضل أو الأكفأ لا تعيينه على الناس لتوقف سلطتهم على التعيين على رضا وإذن من الأمة أيضاً فيثبت أنه لا بد من إحراز رضا الأمة بواسطة الانتخاب ونحوه أولاً.

- الثاني: قولهم بعدم وجود الدليل والأثر في الفقه أو في التاريخ عن الانتخاب فقد عرفت جوابه إذ تقدمت طائفة من أدلة من الآيات والروايات التي أقيمت على لزوم الانتخاب مضافاً إلى كفاية بناء العقلاء وسيرتهم على ذلك بعدم صدور بيان من الشارع في كيفية التعيين وإن أدلته في مثل ذلك إمضائية.

وأما في التاريخ فقد اشتهر النقل في سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان إذا فتح بلدة يخيرهم بين أن يختاروا لأنفسهم حاكماً أو يختاروا حاكمهم الأول أو يعين لهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حاكماً فما اختاروه يجريه لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأما قولهم بجريان سيرة العقلاء على الانتخاب في غير مورد النص فصحيح لو كان النص خاصاً وأما في النص العام فلا مناص من الانتخاب بداهة عدم تعيين حاكم واحد يرفع الإبهام ويحل النزاع ويمنع من التزاحم ومع وجود المقتضي فيمن توفرت فيه الشرائط وعدم حاجة الموضوع إلى أكثر من حاكم واحد لإيفاء الحاكم الواحد بالغرض مثلاً فإنه لا مخلص في التعين إلا بالرجوع إلى القرعة لأنها الرجوع إلى أمر مشكل أو الانتخاب والثاني أفضل لأنه مضافاً إلى إمكان القول بأنه من مصاديق القرعة بناء على التوسعة في موضوعها وإطلاق حجيتها حتى في غير موارد عمل الأصحاب فإنه يجمع بين الحقوق والأدلة وأدفع من محاذير الظلم والفساد.

- الثالث: قولهم إشكالاً على الانتخاب بعدم إيفاءه بالغرض منقوض باختيار أهل الخبرة أيضاً لطرو ذات الاحتمالات فيه خصوصاً في صورة تعارض آرائهم وغالباً ما يقع ذلك في الخارج بل الإشكال في الرجوع إلى أهل الخبرة في التعيين أجلى وأوضح بداهة تحكيم الأقلية على الأكثرية مع أن من ضمن الأكثرية من هو من أهل الخبرة أيضاً بل وربما كان من هو أعلى رتبة وكفاءة منهم هذا مضافاً إلى إمكان جعل ضوابط للانتخاب تمنع من وقوع المحذور المذكور وعليه فلا مناص من التزام بالانتخاب بأنحائه الثلاثة لأنه أفضل الاختيارات عقلاً وعقلائياً بين دوران الأمر بين ترك الناس دون اختيار وهو فوضى وهرج ومرج أو تولي أمورهم من قبل المستبدين بالقهر والغلبة وهو قبيح عقلاً وحرام شرعاً فتأمل.

هذا حكم الانتخاب بحسب العناوين الأولية وأما بحسب العنوان الثانوي فالظاهر اتفاق الآراء على وجوبه لدفع الاستبداد والحذر من الأخطار المتيقنة أو المظنونة أو المحتملة أو الموهومة وهذا الاتفاق من باب الإجماع على الكبرى لا الصغرى كما لا يخفى ولعل هذا ما يستفاد من كلمات الميرزا النائيني (رضوان الله عليه) وبعض الفقهاء المعاصرين فقد ذكر الميرزا النائيني (رضوان الله عليه) في كتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملة بدستورية الحكومة قال في غيبة الإمام المعصوم فإن أفضل وسيلة لتجنب انحراف السلطة هي التزام الحاكم بالدستور يحدد حقوق وواجبات الدولة ثم إنشاء مجلس يضم الأذكياء والحكماء في البلاد الذين يضمرون الخير للشعب من أجل الإشراف على تطبيق الدستور ومراقبة أعمال الدولة ويجب أن لا يتضمن الدستور أي مواد تتعارض للإسلام كما يجب أن يضم المجلس من بين أعضاءه عدد من المجتهدين الذين يراقبون التزام قوانينه بالإسلام انتهى كلامه.

وإطلاق هذا الكلام يشمل الحكومة التي يتولاها الحكيم الجامع للشرائط بالمباشرة أو كانت بالواسطة ثم بعد ذلك يضيف قائلاً وحيث كان عدم رضاء الشارع باختلال النظام وذهاب بيضة الإسلام من الواضحات الضرورية واهتمامه بحفظ الممالك الإسلامية وانتظامها أكثر من اهتمامه في سائر الأمور الحسبية لهذا كان ثبوت نيابة الفقهاء والنواب العموميين في عصر الغيبة على إقامة الوظائف المذكورة فمن أوضح القطعيات في مذهبنا.

ويستظهر منه أنه يمكن للفقيه أن ينصب حاكماً بالنيابة وعلى هذا فمن البديهة الواضح أن تحويل السلطة الجائرة الغاصبة من نحوها الظالم الأول إلى نحوها العادل الثاني علاوة على سائر المذكورات موجب لحفظ بيضة الإسلام وصيانة حوزة المسلمين من استيلاء الكفرة الجائرين ومن هذه الجهة تعينها من أهم الفرائض وأولها ولا يبعد أن صدور الإذن فيها عمن له ولاية الإذن يلبسها مع ذلك لباساً شرعياً وهذا الكلام ظاهر في جريانه حتى على القول بعدم ولاية الفقيه لأن انتخاب المجلس الذي يشرف على تطبيق الدستور وما أشبه ذلك لابد وأن يرجع إلى اختيار الأمة وهذا الاختيار يكون واجباً بالعنوان الثانوي حتى على القول بعدم وجوبه بحسب العنوان الأولي.

ولعل هذا المتفق عليه حتى عند المنكرين لولاية الفقيه في شأن الحكومة بداهة دخول المسألة في صغريات باب التزاحم ونحوه وحيث أن الأخطار عظيمة وكبيرة لما تتعلق بدماء الناس وأعراضهم وأموالهم بل وحاضرهم ومستقبلهم أجيالاً وأجيالاً بل ويتعلق بثروات البلاد وكل شؤونها فيحكم العقل بوجوب هذه المفاسد سواء كانت متيقنة أو مظنونة أو موثوقة لحكومة العقل بوجوب دفع مثل هذه الأضرار مهما أمكن ومن أهم طرق دفعها هو الانتخاب والرجوع إلى الناس أنفسهم في شأن الحكومة والحاكم فبذلك نضمن أموراً:

- أحدها: دفع الاستبداد والقهر والغلبة الذي يستلزم الظلم والجور.

- ثانيها: كسب رضا الناس وتفعيلهم في بناء حاضرهم ومستقبلهم.

- ثالثها:التقدم بالبلد والمواطنين وإيصالهم إلى الرفاه.

- رابعها: توفير الأمن والسلام وبسط العدل الذي يتوقف على تشريك الناس في قرارات الحكومة ونظام الحكم.

- خامسها: القضاء على عناصر الفساد والتواترات الداخلية والحروب الأهلية والقمع ونحوها من عوامل فساد تنشأ من الاستبداد والتفرد بالرأي إلى غير ذلك من مظاهر تخلف وانحطاط.

- المسألة الثانية: لا شك في أن كل بالغ عاقل له حق انتخاب الحاكم لإطلاق الأدلة كما أن الظاهر لدى جمع من الفقهاء ومنهم السيد الشيرازي (قدس سره الشريف) في كتابه (الحكم في الإسلام في ص50) ذهبوا إلى أنه يحق لغير البالغ ولغير العاقل أن يكون له صوت بواسطة وليه لشمول إطلاقات أدلة الولاية له وشمول إطلاقات أدلة الانتخاب لا يقال إن كان ذلك حقاً وجب وإلا يحرم.

أما الوجوب فلقاعدة لا يطوى حق امرئ مسلم والمراد من مفردة يطوى أي يهضم ويستلب وعليه فإنه إذا كان للصغير وللمجنون مثلاً أو السفيه حق الانتخاب فوجب عليه الانتخاب وأما إن لم يكن حقاً فيحرم عليه ذلك لأنه يكون حينئذ تصرفاً في حق الكبار وتضييعاً لحقوقهم لأنه يقال الحق موضوع عرفي فإن تحقق ثبتت أحكامه وإن لم يتحقق لم تثبت أحكامه لكون الحكم يتبع الموضوع ومنه يعرف الحق بالنسبة إلى المجنون أيضاً وعليه فإنه في تحديد أن ذلك حق أو لا ينبغي أن نرجع فيه إلى العرف فإذا رأى العرف أن هذا حق وجب القيام به ولو بالواسطة وهم الأولياء.

والمرأة كالرجل في حق الانتخاب كما أن لها حق انتخاب مرجع التقليد والقاضي وإمام الجماعة وغير ذلك فكذلك في الحكومة لعدم الخصوصية في التقليد ونحوه أو لفهم عدم الخصوصية بل وللاشتراك في التكليف نعم لا حق لها في أن تكون رئيسة الدولة لما ذكره الفقهاء في باب تولي المرأة للقضاء ولمرجعية التقليد من الأدلة الشرعية والعقلية ولوضوح أن المرأة عاطفية ومثلها لا تصلح للأمور العقلائية التي تتوقف على مزيد من إعمال النظر والتفكير والعمل بالضوابط العقلية المجردة عن العاطفة كما أن الرجل عقلاني ومثله لا يصلح للأمور العاطفية وقد ثبتت التجارب العلمية والبشرية عدم استعداد المرأة بنفسها لخوض هذا الميدان.

ففي البلدان التي تزعم أنها ساوت بين الرجل والمرأة لم تصل المرأة بعد إلى هذا المنصب إلا نادراً ندرة قد تلحقه بالمعدوم وفي هذا قال السيد الشيرازي (قدس سره) في كتابه (الحكم في الإسلام في ص51) أن التجارب دلت على أن وقت تسلمها هذا المنصب اضطربت البلاد ووقعت فيه المشاكل كما في زمان أنديرا غاندي في الهند وغيرها.

- المسألة الثالثة: يمكن وضع مدة محددة لتولي الحاكم لمنصب الحكومة ولكن لا معين للمدة من ناحية الكم أو الكيف إلا برضا الأمة أما مدة بقاء الرئيس في منصبه في أكثر من رضاية الأمة أو بأقل منها فهذا لا يجوز كما أن الرئيس يعزل بمجرد خروجه عن الأهلية وكذلك بعد بانتهاء مدته لفقده حينئذٍ شرط رضاية الأمة ولو اختلفت الأمة في الرئيس بأن انتخب جماعة هذا وانتخب آخرون غيره فإن كان متساويين اشتركا في الحكم مع رضا الأمة بالاشتراك أو أخرج الرئيس بالقرعة لأنها لكل أمر مشكل في صورة ما إذا لم ترضى الأمة باشتراكهما.

ويمكن اختياره للرجوع إلى مرجع آخر في صورة رضا الأمة بالرجوع إلى مرجع ثالث لحسم الاختلاف وأما إذا حدث في الانتخاب أكثرية وأقلية فالرئيس هو منتخب الأكثرية ويدل على ذلك العقل والنقل منها أنه ظاهر قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) وقوله عز وجل (وشاورهم في الأمر) أن الغالب الذي يندر خلافه أن ينتهي الشورى إلى إجماع الكل بل الغالب انتهاء الأمر إلى رأيين أو آراء ويكون الغلبة لرأي الأكثرية للابدية العقلية حينئذ وذلك لأنه يدور الأمر بين تقديم رأي الأقلية على الأكثرية أو عدم تقديم رأي كل منهما أو العمل برأي كل منهما وهذه الثلاثة كلها غير ممكنة أما تقديم الأقلية على الأكثرية فلأنه ترجيح للمرجوح على الراجح وأما عدم الأخذ برأيهما فلأنه خلف وتناقض وانتهاء الأمر إلى عدم القرار الذي ينتهي إلى الفوضى واختلال النظام وأما العمل بكلا الرأيين فلأنهما متناقضان مثلاً أو لا يمكن الجمع بينهما فكيف يمكن الجمع بما هو غير قابل للجمع وعليه لا يبقى حل إلا بتقديم رأي الأكثرية ومنها ما تقدم من كتاب مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية مع وضوح أنه لم يبايعه كل المسلمين ولا كل أهل الحل والعقد مع أن ظاهر الكتاب كفاية هذا القدر في التعيين ولم يكن ذلك إلا الأكثرية ومنها ما تقدم في أدلة الانتخاب أيضاً وسيأتي.

- المسألة الرابعة: انتخاب رئيس الدولة

يمكن بصور متعددة ومن أهمها صورتان:

- الأولى: أن تنتخب الأمة رئيس الدولة مباشرة فيقوم المرشح ونوابه بحملات انتخابية بشرط أن يكون المرشح لائقاً لهذا المنصب بمعنى أنه تتوفر فيه المؤهلات الشرعية والعقلائية وبشرط أن تكون الحملات النوابية حملات نظيفة مطابقة للقوانين الشرعية.

- الثانية: أن تنتخب الأمة النواب مع تفويضهم أن ينتخبوا هم الرئيس فتكون هذه صورة أخرى عن انتخاب أهل الحل والعقد ثم إذا اختلفت الأمة وأهل الحل والعقد حول الرئيس فأراد أحدهم هذا وأراد الآخر ذاك كان المرجع رأي الأمة لأن أهل الحل والعقد أو النواب وما أشبه وكلاء عنهم ولا رأي لوكيل مع مخالفة الأصيل وأما الخصوصيات الأخرى فالمرجع فيها رأي الأمة في إطار رضا الله عز وجل.

هذا وهناك مسائل أخرى نتعرض إليها في البحث القادم إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين..