المادة: علوم القرآن
mp3:
الملف: Microsoft Office document icon 26.doc

لا نزال نتحدث عن القصة القرآنية الكريمة حيث حدثناكم عن جملة مبادئ بلاغية تتصل بالقصة القرآنية الكريمة حيث تحدثنا عن لغة القصة القرآنية وتحدثنا عن بناء القصة القرآنية وصلنا إلى الحديث عن عناصر القصة القرآنية ووقفنا عند عنصر واحد هوعنصر الشخصية للقصة القرآنية الكريمة وقلنا أن رسم البطل أو الشخصية في القصة القرآنية الكريمة يتخذ أنماطاً ومستويات متعددة تحدثنا من خلالها عن أحد تلك المستويات ونعني به تحديد العدد الذي ينتظم هذه القصة أو تلك حيث لاحظنا أن بعض القصص ينتظمها بطلان أو شخصيتان فحسب وبعض القصص ينتظمها ثلاث أو أربع شخصيات والقسم الآخر قد تنتظمها عشر شخوص وهكذا.

وإذا تجاوزنا ظاهرة العدد في القصة القرآنية الكريمة وصلة هذا العدد ببلاغة القصة التي تتطلب بطلاً واحداً أو أكثر بحسب ما يفرضه السياق حينئذٍ نتجه إلى مستوى آخر من مستويات الرسم القرآني الكريم للأبطال والشخصيات متمثلاً في تنوع هؤلاء الأبطال أو الشخصيات فقد لاحظنا عند حديثنا عن عدد الأبطال.

فالمحاضرة السابقة لاحظنا كيف أن بعض القصص اقتصرت على الجنس البشري كقصص الأنبياء ومجتمعاتهم مثلاً والقسم الآخر تجاوز ذلك إدخال عنصر آخر من العناصر غير البشرية حيث استشهدنا بها أكثر من قصة وظفت الملائكة ووظفت الجن ووظفت الطير لهذا السبب بحيث أن السياق الذي تفرضه القصة أو الأهداف التي تتبناها القصة الكريمة هي التي تفرض مثل هذا التنوع فإذا عدنا إلى القصة التي استشهدنا بها في المحاضرة السابقة وهي قصة آدم (عليه السلام) نجد أن هذه القصة تستهدف إبراز فكرة معينة هي خلافة الإنسان في الأرض وخلافة الإنسان في الأرض تتطلب تجربة للبشر أن تسهم بحيث تتوزعهم قوى متصارعة قوى الخير والشر وذلك فإن الاختبار الإلهي أو تجربة الخلافة ذاتها ليس من الممكن أن تتم إلا من خلال وجود هذا الصراع بين القوتين المشار إليهما ومن جانب آخر فإن الخلافة أو خلافة الإنسان في هذه الأرض تحمل خطورة مهمة جداً بحيث ينبغي أن يلفت النظر إلى هذه الخطورة التي يمنح الله للإنسان والآن في ضوء هذه الأفكار التي استهدفت القصة القرآنية الكريمة حينئذ وجود العنصر الملائكي يفرض ضرورته وجود عنصر الجن يفرض ضرورته متمثلاً في شخصية إبليس وشخصية حواء تفرض ضرورتها أيضاً في هذا النطاق فضلاً عن الشخصية الرئيسة وهي شخصية آدم (عليه السلام) وهو ربط هذه القصة التي تجسد مفهوم خلافة الإنسان في الأرض سوى ذلك كما هو واضح من خلال التحليل السريع الآتي وهو أن تجربة الخلافة في الأرض ما دامت تتطلب امتحاناً أو اختباراً بحسب منطق القرآن الكريم نفسه حينما يقول إنما خلق الحياة والموت ليبلوكم أيكم أحسن عملاً الخ. حينئذٍ فإن هذا الاختبار الذي يتطلب صراعاً بين قوتين لابد أن يكون أحد الجانبين أو الطرفين أو إحدى هاتين القوتين ينبغي أن تكون قوة سلبية حتى تستطيع التجربة أن تنجح أو يفشل الإنسان حيالها لذلك فإن وجود شخصية كإبليس يفرض ضرورته في هذا الميدان حتى يستطيع المتلقي أن يكتشف مدى نجاح أو مدى إخفاق الشخصية التي تتعامل مع الحياة وفق منطق الاختبار المشار إليه فمثلاً الدافع الجنسي أن الدافع الجنسي رسمه القرآن الكريم أو رسمته الشريعة الإسلامية أساس من نحو يجسد دافعاً له خطورته في ميدان الإشباع إلا أن إشباع هذا الدافع يتم بنمطين النمط الأول هو الإشباع المشروع وذلك يتمك عن طريق الزواج والآخر هو الإشباع غير المشروع ويتم عن طريق السفهاء والطريق الأخير وهو غير المشروع يتبناه الشيطان بوسوسته كما هو معروف فإذا استطاع الإنسان أن يصارع تلك القصة فسوف يتوقف عن ممارسة أي إشباع منحرف في هذا الميدان.

إذاً وجود إبليس لا مناص له في القصة المشار إليها حتى تتم تجربة الإنسان في خلافته في الأرض وأما شخصية حواء فتفرض ضرورتها بطريق أول وذلك عندما نعرف أن الجنس البشري إنما خلقه الله سبحانه وتعالى ليتولد من خلال الاتحاد بين كائنين ذكر وأنثى الذكر وهو الشخصية الرئيسة في القصة آدم (عليه السلام) فعملية الاتحاد بين كائنين لابد من وجود شخصية أنثوية متمثلة في حواء كما هو واضح وأما شخصية الملائكة فهي تعبر أو بالأحرى تفصح عما ذكرناه في المحاضرة السابقة من أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الجنس البشري أشار في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى فضل البشر على كثير ممن خلق تفضيلاً وهذا التفضيل يتجسد بوضوح حينما يجعل الله الملائكة يسجدون لهذه الشخصية نظراً لخطورتها مع ملاحظة أن الشخصية الملائكية هي الشخصية التي تعيش الصراع بين قوتين إحداهما القوى الشريرة والثانية الخيرة بل جعلها الله سبحانه وتعالى جعلها تصدر من دافع واحد وهو دافع الخير وهذا ما يجسد مفهوم الطاعة لدى الملائكة بالشكل الواضح ومع ذلك يشكل عنصراً مطيعاً لله ويمثل أعلى مستويات الممارسة العبادية تبعاً لقوله سبحانه وتعالى (ما خلقت الإنسان والجن إلا ليعبدون) حينئذٍ فإن سجودهم لآدم ينم بوضوح عن شخصية البشرية إذ جاءت هذه الشخصيات الأربع فارضة دون أدنى شك وجدها من التنوع لكل من الملائكة والذكر والأنثى وشخصية إبليس وهذا هو واحد من أنماط السياق الذي يرد فيه الأبطال خلال القصة وهناك سياقات متنوعة أخرى تفرض أمثلة هذا التنوع للشخصيات ومنها على سبيل المثال ما عرضناه عليكم أيضاً في المحاضرة السابقة من قصة سليمان الواردة في السور السبع حيث لاحظنا أن الشيطان أو الجن قد سخرها الله سبحانه وتعالى لسليمان ووجدنا أيضاً أن شخصية حيوانية هي دابة الأرض أيضاً سخرت ولكن للإفصاح عن هدف آخر وهو هذه الشخصية حتى الجن حينما ماتت فإن دابة الأرض هي التي كانت وراء ذلك وهي التي كشفت عن موته بحسب ما أوضحناه في المحاضرة السابقة ولكن حين ننتقل إلى قصص سليمان الأخرى ومنها على سبيل المثال القصة الواردة في سورة النمل نجد أن تنوع الأبطال في هذه القصة يأخذ سياقاً آخر ومن ثم فإن تنوع الأبطال في هذه القصة يفرض ضرورته بالنحو الذي سنبدأ به الآن فنقول قصة سليمان تبدأ بهذا النحو بسم الله قال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء أن هذا لهو الفضل العظيم هذه هي مقدمة الأقصوصة التي أجريت حواراً على لسان سليمان (عليه السلام) بعد ذلك تقدم لنا الأقصوصة مقطعاً قصصياً بهذا النحو وحشر لسليمان جنوده من الإنس والجن والطير وهم يوزعون حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت يا أيها النمل اطلبوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون وتبسم ضاحكاً من قولها وقال ربي اوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحاً وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين وتفقد الطير بعدئذٍ تواصل هذه القصة حديثها عن الهدهد وما يرتبط بهذه القصة التي تتحدث فيما بعد عن بلقيس وتفصيلات ذلك.

المهم أننا اكتفينا من الاستشهاد بهذه الأقصوصة بالنسبة إلى ما يرتبط بنوعية الأبطال فإشارته إلى انه تفقد الطير يشير به بذلك إلى الهدهد وأما قول النملة يا أيها النمل يشير إلى وجود شخصية النملة وأما الإشارة الإجمالية من سليمان (عليه السلام) حين يقول في بداية القصة علمنا منطق الطير فهذه الإشارة لها دلالتها بالنسبة إلى عنصر الطير كما سنوضح ذلك بعد قليل وأما إشارة النص القرآني الكريم في مقدمته القائلة (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) فإنه يشير إلى شخصية الجن كما هو واضح وأخيراً فإن المقدمة التي قال من خلالها سليمان وأوتينا من كل شيء هذه المقدمة أيضاً لها دلالتها في تنويع الأبطال كما سنوضح ذلك بعد حين أيضاً.

وأخيراً فإن تعليقة سليمان في نهاية ألاقصوصة تعامله مع النملة هذه النهاية جاء فيها قوله (وقال ربي اوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي..والخ).

والآن لنلاحظ كل هذه المواقف والحوارات ونتحدث حينئذ عن المسوغات الدلالية والجمالية لتنويع الأبطال في هذه الأقصوصة القصيرة جداً حيث لا تجاوز كما لاحظتم سطوراً محدودة تتحدث عن هذا الجانب إلا أنها تحفل بشخصيات متنوعة من الإنس والجن والطير كما لاحظتم إن بداية القصة التي تشير على لسان سليمان (عليه السلام) علمنا منطق الطير تشكل هدفاً تريد السماء أن توضحه للمتلقي من خلال النعم التي أسبغ الله تعالى على سليمان وقد قلنا في المحاضرة السابقة أن الله سبحانه وتعالى وهب لسليمان ما لم يهبه لشخصية أخرى بالنسبة للأنبياء السابقين لأسباب أوضحناها في حينه أيضاً وان عملية الشكر لهذه المعطيات أو النعم تفرض ضرورتها على شخصية مثل شخصية سليمان دون أدنى شك ولكن ما نريد الآن هو ان نضيف إلى ما تقدم هو أن الإشارة إلى كون سليمان قد علم منطق الطير إنما هو مصداق جديد من مصاديق التسخير فتسخير الريح لسليمان مثلاً أو تسخير الشياطين له..الخ، يظل نمطاً من أنماط النعم التي أسبغها الله سبحانه وتعالى عليه إما أن يعرف لغة الطير فهذا معطى آخر من المعطيات المتنوعة التي وهبها الله لسليمان (عليه السلام) والآن عندما يريد النص القرآني الكريم أن يبرز هذا الهدف وهو إعطاء الله سبحانه وتعالى معطى مهما هو معرفة منطق الطير حينئذ فإن صياغة قصة توظف من اجل إنارة هذه الفكرة تظل من الضرورة بمكان ولذلك جاءت القصة لتقدم لنا مصداقاً من مصاديق الهبة أو العطاء الجديد ولذلك جاءت شخصية النمل حيث انتخب النص القرآني الكريم أصغر عضوية أو بالأحرى انتخب النص القرآني الكريم أصغر شخصية تتمثل في النمل حيث انطق على لسانها ما فهمه سليمان وما ترتب على هذا النطق وعلى هذه المعرفة من أداء الشكر في نهاية الأقصوصة القائلة ربي أوزعني أن اشكر نعمتك هذا من جانب ومن جانب آخر نفس قول سليمان علمنا منطق الطير كل ذلك كما تلاحظون فرض وجود هذا النمط من الشخصيات الطائرة متمثلة في النملة بالإضافة إلى ما تقدم انتخب نمطاً آخر من الشخصيات الطائرة ألا وهي شخصية الهدهد حيث وظف لها قصة أخرى ومجرد انتخابه لطائر آخر يفرض عليهم التساؤل الآتي وهو إذا كان الحدث عن تسخير الطير لسليمان من الملك أن يتم خلال الاستشهاد لشخصية واحدة كالنمل حينئذ ما هو الاستشهاد بالنسبة لشخصية أخرى غير النمل ألا وهي الهدهد وفي بداية حديثنا قد تكون قصتين متداخلتين بطلهما واحد هو سليمان وقد تكون كل قصة منهما قصة مستقلة بطلها سليمان بطبيعة الحال إلا أن الأبطال الآخرين يتوزعون في هذه القصة بحسب الفكرة التي تستهدفها الأقصوصة الأولى أو القصة الثانية.

- أولا ينبغي أن نشير إلى أن عملية عطاء الله سبحانه وتعالى يقابلها الشكر المفروض على الشخصية العبادية المصطفاة مثل شخصية سليمان (عليه السلام) نقول أن فكرة الشكر على هذه النعمة تستهدفها القصة أو القصتان دون أدنى شك ولذلك لاحظتم كيف أن سليمان عقب على الأقصوصة الأولى بقوله ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي قالها بعد أن استمع إلى قول النملة وتبسم ضاحكاً من قول النملة المشار إليها وأما بالنسبة إلى البطل الثاني وهو الهدهد حيث عقب سليمان على بعض الأحداث التي واكبت هذه القصة من خلال الهدهد الذي جاءه بنبأ عرش بلقيس عقب سليمان على ذلك قائلاً هذا من فضل ربي ليبلوني أن أشكرأم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه..الخ.

إنه من البيّن أن نشير إلى ظاهرة مهمة بالنسبة إلى ظاهرة الهدهد حيث أن القصة تشير إلى أن سليمان قد تفقد الهدهد ولم يره ولذلك توعده بالعقاب إلا أن الهدهد جاءه بنبأ بلقيس ترى ماذا نستنتج من وجود هذه الشخصية الجديدة في القصة مع أن شخصية النملة كانت أفقية للإشارة إلى أن سليمان قد سخر الله سبحانه وتعالى له الطير مما لا شك فيه أن وظيفة الهدهد تختلف تماماً عن وظيفة النملة إن النملة سيقتل من أجل أن يفهم المتلقي بأن سليمان قد علمه الله سبحانه وتعالى منطق الطير وهذا أمر من حيث العطاء يختلف تماما عن العطاء المتمثل في تسخير الهدهد لسليمان (عليه السلام) أي أن شخصية النملة لم توظف كعملية التسخير بل وظفت لعملية إفهام المتلقي بأن الله سبحانه وتعالى علم سليمان منطق الطير طبيعياً عندما يوظف الله الهدهد لسليمان أيضاً يظل هذا التسخير مرتبطاً لمعرفته بلغة الطير ولكن معرفة سليمان بلغة الطير شيء كعطاء وترسخ أي عملية التسخير نفسها شيء آخر فالنملة لن تسخر لسليمان في هذه الأقصوصة وإنما الهدهد سخر له ووظيفة الهدهد غير وظيفة النملة وانتخاب هذا الطائر أو انتخاب هذه العضوية من البين أن انتخاب هذه العضوية للقصة مشيرة إلى ما تضمنته القصة أيضاً من مقدمة قالت إلا أنها سخرت لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير إذ جاء الطير ليفصح عن مصداق التسخير لما ورد في مقدمة القصة وما تريد القصة أن تبرزه للمتلقي في هذا الميدان بيد أن ثمة وظيفة فكرية أهم مما تقدم وهي أن الله سبحانه وتعالى وهو يستهدف الإشارة إلى انه سخر لسليمان كل شيء حينئذ نستطيع بواسطة رسم قصة الهدهد أن نستشف بان الله سبحانه وتعالى قد أعطى لسليمان ما لم يحلم به هو نفسه أيضاً كيف نستدل ذلك من خلال وظيفة الطير في بحثه عن بلقيس فقد لاحظنا كيف أن سليمان (عليه السلام) تفقد الهدهد ولما لم يره أراد معاقبته ولكنه فهم بعد ذلك أن هذا الهدهد وظف لمهمة أخرى هي أنباءه بشخصية بلقيس.

إذاً إن الله سبحانه وتعالى سخر لسليمان هذا الطائر حتى بدون علم سليمان نفسه أي بما لم يحل به هو من تسخير يتم بهذا النحو بعد ذلك نواجه بطلين جديدين في هذه القصة البطل الأول هو عفريت من الجن والبطل الآخر هو شخص أوتي علماً من الكتاب هنا نتساءل بدورنا ما هي المسوغات الفنية لتنويع الأبطال في هذه القصة وإضافة بطلين جديدين أحدهما عفريت من الجن والآخر شخصية مبهمة قال الله سبحانه وتعالى أنه أعطاها علماً من الكتاب هنا نواجه أيضاً ظواهر مدهشة في الفن القصصي الكريم حينما يوظف لنا النص القرآني أو النص القصصي هاتين الشخصيتين لتفصح لنا عن مفهومات جديدة يستهدفها النص القرآني الكريم من وراء صياغته بهذه القصة ومن وراء انتخابه لهذين البطلين وسواهما مما لاحظناه من البين أن هذه الشخصية الجديدة وهي شخصية عفريت من الجن هي صدى للمقدمة القصصية التي قالت أن الله سبحانه وتعالى سخر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير..الخ، وهذا هو مصداق من مصاديق الجن التي أشارت المقدمة القصصية إليه.

إذاً الاستشهاد بنموذج من الجن ما دام القرآن الكريم يستهدف إبراز تسخير الجن لسليمان بالإضافة إلى الطير نقول ما دام العهد فهو إبراز هذا الجانب حينئذ فلا بد من تجسيد شخصية تنتسب إلى الجن حتى يتطابق مفهوم البداية القصصية أي الفكرة التي تستهدفها القصة مع إبراز الشخصية الجديدة الممثلة لشخصية من شخصيات الجن متمثلة في عفريت من الجن حسب ما ورد في القصة ومن البين وظيفة هذه الشخصية هي أن تمارس عملاً غير مألوفا في التجارب البشرية حيث اقترحت على سليمان أنها سوف تأتي بعرش بلقيس قبل أن ينتقل من مكانه هذا ومن الواضح أن إتيان العرش بهذه السرعة المذهلة يظل أمراً لافتاً للنظر ولكن ما دام الأمر مرتبطاً بعفريت من الجن حينئذ فإن الأمر ليصبح من الوضوح بمكان كبير وهذا هو تجسيد حي لشخصية جديدة ترد في هذه القصة لكي تنعكس أو لتصبح صدى لما قالته المقدمة من الله سبحانه وتعالى سخر لسليمان شخصيات ومنهم شخصية الجن إلى هنا يكون القرآن الكريم أو تكون القصة القرآنية الكريمة قد وظفت لنا شخصيات تنتسب إلى الطير عبر النمطين أوضحنا كل نمط منهما والوظيفة التي يتطلع بها وصلة هذه الوظيفة بالفكرة التي تستهدفها القصة القرآنية الكريمة ثم انتقلنا إلى حديث عن البطل الثالث وهو البطل المنتسب إلى الجن ونعنيه عفريتا من الجن حيث وضحنا الآن وظيفته للقصة بالنحو الذي أشرنا إليه عابراً وأما الآن فنواجه شخصية جديدة هي تلك الشخصية التي قالت لسليمان أنا آتيك بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليك طرفك من البين أن شخصية الجن أو العفريت من الجن عندما اقترح على سليمان أن يأتيه بعرش بلقيس قبل أن يقوم من مكانه هذا نقول إن مجرد اقتراح الجن لهذا المقترح بكشف عن خطورة مهمة أشرنا إليها وهي أن الوظيفة التي يتطلع لها الجن تختلف عن وظيفة بشرية من حيث الإعجاز الذي تتم الوظيفة من خلاله ولكننا عبر مواجهتنا لهذا البطل أو لهذه الشخصية الجديدة نجد أن الأمر يتجاوز الظاهرة المدهشة السابقة لنلفت نظرنا إلى ظاهرة أكثر دهشة ألا وهي إمكانية أن يجيء عنصر آخر غير عنصر الجن وغير عنصر الطائر وهو يقترح أو بالأحرى يقدم اقتراحاً مذهلاً يتجاوز به أو يفوق القدرة أو القوة التي يمتلكها الجن فالجن لم تتجاوز قوته من خلال إتيان عرش بلقيس في لحظات معينة ولكن القدرة الجديدة لا تتجاوز أو لا تصل إلى اللحظات بل إلى طرفة عين بل أقل من طرفة عين.

إذاً هذه الظاهرة المدهشة والجديدة تقدم لنا فكرة جديدة عن وظيفة هذه الشخصية وما تستهدفه القصة القرآنية الجديدة من تقديم شخصي بهذا النمط إنما نستهدف نلفت النظر إليه أن هذه الشخصية الجديدة التي وظفتها القصة هي في الواقع شخصية تنتسب إلى الإنس وهنا يثار السؤال الآتي إذا كان النص القصصي يستهدف لفت النظر إلى أن الله سبحانه وتعالى سخر لسليمان الجن وسخر له الطير أيضاً حينئذ فإن الإمكانيات التي امتلكها كل من الجن والإنس لا يمتلكها البشر ولكن عندما نأتي إلى هذه الشخصية الجديدة وهي التي عندها علم من الكتاب نجد أنها شخصية بشرية ترى ماذا نستخلص من هذا.

أولا نود أن نشير إلى أن عدم عودتنا إلى النصوص التفصيلية في الاستخلاص الفني للقصة يظل فارغاً مشروعيته في هذا الميدان طبيعياً إذا عدنا إلى النصوص المفسرة سنجد أن هذا البطل هو وزير سليمان واسمه آصف..الخ.

ولكن لندع التفسير ونتحدث من خلال منطق القصة وهذا هو الإعجاز الفني أي أن القصة القرآنية الكريمة كما أشرنا لها ظاهر ولها باطن والظاهر هو الظاهر الفني الذي يمكن أن يستخلصه المتذوق الفني حتى بدون الرجوع إلى النصوص المفسرة إذا كيف نستطيع أن نستخلص أن هذا البطل من الإنس ثم مما هي الدلالة الفكرية التي يستهدفها النص القصصي من وراء تقديم البطل المشار إليه إن مقدمة القصة ذاتها تقول كما لاحظتم وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير بالنسبة إلى الجن لاحظنا عفريتا من الجن بالنسبة إلى الطير لاحظنا الهدهد ولكن بالنسبة إلى الإنس الذين سخرهم الله من هم طبيعياً ليس سليمان نفسه له هو الذي تسخر له القوى أما انه هو القوى أمر لا تشير إليه القصة تشير إلى الأدوات المسخرة أو العناصر المسخرة كانت وقد قدمت القصة لنا عناصر حينئذ تقدم لنا عنصراً من الإنس كما هو منطق القصة والى هذا العنصر من الإنس أو هذه الشخصية التي أهمها القرآن الكريم وقال الذي عنده علم من الكتاب إذا الشخصية الممتلكة لعلم من الكتاب قامت بعمل ضخم لم يستطع حتى الجن القيام به ما هو الهدف الفكري الذي تستهدفه القصة القرآنية الكريمة من وراء انتخابها لهذا البطل إن الأمر يظل من الوضوح بمكان حيث قلنا أن الله سبحانه وتعالى إذا وجد أن العبد يمارس العمل العبادي بالنحو المطلوب فإنه يفضله على الملائكة وهاهو أحد مصاديق الإنس يطلع بعمل لم تستطع الجن أن تقوم بمثله ونقصد السرعة التي يؤتى من خلالها بعرش بلقيس إلى شخصية سليمان إذا ثمة مسوغ فني ودلالي من وراء تقديم هذه الشخصية الجديدة المنتسبة إلى الإنس فمن جانب ما دام القصة القرآنية الكريمة قالت أن في المقدمة أن الله سخر لسليمان كلا من الجن والإنس الطير حينئذ من الإتيان بمصداق للإنس وهاهو المصداق يتمثل في الشخصية التي عندها علم من الكتاب هذا من جانب ومن جانب آخر فإن تقديم الشخصية الجديدة لابد أن تتطلع بوظيفة تختلف عن الوظائف التي نهض بها السابقون وهذا ما يتمثل في القوة التي امتلكتها هذه الشخصية من خلال تملكها لعلم من الكتاب متمثلة فيما لاحظنا إذا أدركا الآن أسراراً فنية متنوعة وراء هذا التنوع وراء القصة القرآنية وهذا أن القصة لم تنته بعد وهنا شخصية بلقيس ذاتها إلا أن المجال لا يسمح لنا أن نتابع الحديث عن ذلك لأن المحاضرة على وشك الانتهاء ونكتفي بما تقدم ونسير بوضوح إلى أن كل بطل في القصة سواء أكان ينتسب إلى الجن أو الإنس أو الطير يظل كل بطل من هؤلاء الأبطال بمهمة فنية ودلالية تستهدف النص القصصي الكريم إبرازها إلى المتلقي بالنحو الذي لاحظناه والآن قبل أن ننتهي عن الحديث عن الأبطال في القصة القرآنية الكريمة وما واكب صياغة هؤلاء الأبطال من بلاغة مدهشة نقول إذا تجاوزنا عن هذا الجانب من الشخصيات المتنوعة ونعني بها الشخصيات المنتسبة إلى الإنس ثم الشخصيات المنتسبة إلى العنصر الملائكي أو عنصر الجن ثم إلى الشخصيات المنتسبة إلى عنصر الحيوان أو الطائر..الخ. نواجه في الواقع شخصيات جديدة لا تنتسب إلى هذه العضويات بقدر ما تنتسب إلى الظواهر التي يمكن أن نسميها بالظواهر المادية أو ما يمكن تسميتها بالجماد مقابل النبات مثلاً ومقابل الإنسان ومقابل الحيوان الخ إذا جئنا على سبيل المثال ما دمنا قد تحدثنا عن شخصية سليمان نستطيع أن نتداعى بأذهاننا إلى شخصية داود (عليه السلام) حيث أن شخصية داود جاءت في سياق الحديث في هذه السورة نفسها أعني سورة النمل حيث وردت على النحو الآتي بسم الله الرحمن الرحيم (ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا..الخ) نقول ما دمنا أشرنا إلى داود أيضاً حينئذ نجد أن الحديث عن هذه الشخصية في أكثر من سورة قرآنية ورد أيضاً عبر حكاية أو أقصوصة أو أكثر من ذلك ومن جملة ذلك مثلا ما نلاحظه من الإشارة إلى تسبيح داود (عليه السلام) مشاركة الجبال له في هذا التسبيح هنا قد يثار السؤال الآتي الجبل بما انه مادة هل يمارس عملية التسبيح نعتقد أن إثارة هذا السؤال المعنى له ما دام القرآن الكريم يقرر بأن الجبل كان يردد تسبيحات داود (عليه السلام) هذا من جانب من جانب آخر نجد أن النص القرآني الكريم يشير إلى مطلق الظواهر الكونية من خلال الإشارة إلى أنها تسبح لله سبحانه وتعالى إلى أننا لا نفقه تسبيحها نقول بغض النظر عن ذلك كله عندما يجيء القرآن الكريم ويوظف هذه الظواهر المادية أيضاً في قصة أو في أكثر من قصة كما لاحظنا بالنسبة إلى داود فهل يعني ذلك أن الضرائر تشكل بدورها شخصية لها مشروعيتها أم لا طبيعياً أن هذه الظواهر المسخرة للإنسان يتم بنمطين مرة يتم من خلال إشارة إلى أن الله سخرها للإنسان ومرة يتم من خلال أنطاقها بكلام كالتسبيح الذي أشارت القصة إليه كما قلنا.

إذاً من الممكن أن تتنوع القصة إلى شخصيات مادية تطلع بنفس الوظيفة التي يستهدفها النص القصصي القرآني الكريم والآن نكتفي بهذا الحديث ونعدكم بحديث لاحق وعن مستوى جديد من مستويات الرسم القرآني الكريم للشخصيات ولذلك الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.