من صفحة: 119
إلى صفحة: 133
النص الكامل للبحث: PDF icon 170702-130248.pdf
خلاصة البحث:

شكل القرآن الكريم المصدر الأوّل للفصاحة و البلاغة في التراث الإسلاميّ؛ لذلك انبهر به الشعراء عبر العصور، و ليست المؤلّفات الدينيّة و الرسائل في الفقه و الكلام و..هي التي تعكس روح الإسلام فحسب، بل يلاحَظ هذا التأثير في ما توحي به الأقلام و تجود به القرائح في شتّى المجالات و الأغراض، و الاقتباسات القرآنيّة في الشعر تعدّ من أبرز مجالي هذا التأثير؛ فقد كان القرآن الكريم بمثابة الوعاء اللغويّ الذي حفظ اللغة العربيّة حتى يومنا.

   و هذا المقال بصدد استعراض ملامح الاقتباس القرآنيّ في نتاج الشاعر الاسلامي المعاصر المرحوم الشيخ« أحمد الوائليّ » الذي عاش في ظلال القرآن الوارفة، مستلهماً العديد من الألفاظ و المعاني و الصور المستوحاة من آياته و قصصه؛ و ذلك بعد لمحة خاطفة عن حياة الشاعر. إلى ذلك يقدّم المقال تعريفاً وتبويباً لأنواع الاقتباس عند الشاعر معلّقاً على أمثلة لكلّ نوع، بغية الكشف عن سرّ بلاغتها و جمالها و إبداع الشاعر فيها.

البحث:

مقدّمة البحث:

   ما إن تنفّس صبح الإسلام حتى اعترف أمراء الشعر، و فرسان الكلمة بعلوّ كعب القرآن؛ فبعد أن تمكّن كتاب الله تعإلى من نفوسهم وأنار عقولهم، راح الحفّاظ يقرؤونه لمن دونهم، كما راح فطاحل شعراء المسلمين يخرسون شياطين شعرهم بملاك القرآن، و ينضدون لآلئه في عقود شعرهم، فجاءت أبيات شعرهم ساطعة بنور آي الذكر الحكيم، يستحضرون بعضاً من آية أو كلّها في صدر أو عجز، لكون الاستحضار، الطريقَ الأقصر إلى قلوب الذين يقرؤون ماتيسّر من الذكر الحكيم. و بالتالي كثر هذا النمط من الشعر، فبدا « موضوع الاقتباس أو التضمين من القرآن الكريم باباً واسعاً أُفردت له بعض الكتب كـ «الاقتباس من القرآن الكريم» لأبي منصور الثعالبيّ النيسابوريّ (ت 412هـ)، و « توشيح البيان بالملتقط من القرآن » للحريريّ (ت 516هـ)، و « رفع الإلباس وكشف الالتباس في ضرب المثل من القرآن »، و « الاقتباس » للسيوطيّ (ت 911هـ)، و استقلّت به أبواب و فصول من كتب البلاغة و الأدب، و تناوله الفقهاء و جوّزوه و أباحوه و كرهوا بعض أنواعه »( الأثريّ، محمّد بهجة؛ 1409هـ: 204). كما برزت إلى النور كتب أخرى في مجال العلوم القرآنيّة، تمّ فيها تذييل الآيات الشريفة بما ورد فيها من أحاديث، كـ«شواهد التنزيل» لأبي القاسم عبيد الله بن عبد الله الحذّاء الحنفيّ الحسكانيّ (المتوفّى بعد 490 هـ )، الذي ربط الآيات الواردة في أهل البيت عليهم السلام بشواهدها و أدلّتها من الأحاديث الشريفة.  و ظاهرة الاقتباس من القرآن الكريم ظلّت إلى يومنا هذا و ستظلّ مدى الدهر غديراً رقراقاً صافياً ينهل الأدباء من نبعه، كلٌّ على ما أوتي من حظٍّ، و يضفون به على نتاجاتهم الطلاوة و الغضارة و النضارة، ما يزيدها روعة و بهاء و جمالاً و تأثيراً.  

   قبل الولوج في البحث حريّ بنا أن نتعرّف على سيرة الشيخ أحمد الوائليّ و شاعريّته و أغراض شعره و مؤلّفاته.

سيرة الشاعر:

هوالشيخ أحمد بن الشيخ حسّون بن سعيد بن حمّود الليثيّ الوائليّ، كحل النورعينيه في 17 ربيع الأول لسنة 1347 هـ ذكرى مولد الرسول الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم  و ذكرى مولد حفيده الإمام جعفر الصادق 7، فسُمّي« أحمد» بهذه المناسبة العزيزة (الموسم؛1989م: 2ـ3/439). و بسبب قسوة الظروف السياسيّة في بلده أُرغِم على مغادرته إلى المنفى سنة 1979م و عاش مغترباً لمدّة 24 سنة، ثمّ رجع إلى العراق بعد سقوط النظام الصداميّ. أصيب الشيخ الوائليّ بمرض السرطان ثلاث مرات و شفي منه. و قد لبّى نداء ربّه في 13 يوليو عام 2003 م في بغداد فنقل جثمانه إلى النجف الأشرف، حيث وُوري الثری إلى جانب الصحابيّ الجليل الكميل بن زياد النخعيّ ( صاحب الإمام عليّ 7 الذي أملى عليه الدعاء الذي اشتهر به ).

   لم تكن أسرته من الأسرالعربيّة المعروفة كـ «آل كاشف الغطاء» و غيرها، حتى برز فيها رجال صاروا من أعلام العلم و الأدب كالشيخ أحمد الوائليّ و الشاعر إبراهيم الوائليّ والدكتور فيصل الوائليّ و غيرهم من أعلام الأسرة. منذ منتصف القرن العشرين ذاع صيت أحمد الوائليّ و لمع نجمه، فلم يستطع أن ينافسه منافس في قدراته الخطابيّة و الفكريّة و الأدبيّة. و الذي مكّن الشيخ الوائليّ من أنّ يتبوّأ هذه المكانة المرموقة، ثلاثة عوامل أساسيّة:

ـ تتلمذه على ثلّة من كبار العلماء أبرزهم الشيخ محمّد رضا المظفّر (ت1383هـ).

ـ نشوؤه في بيئة النجف الأشرف بوصفها حاضرة معروفة بثرائها العلميّ و الأدبيّ.

ـ تحصيله الأكاديميّ العالي الذي جعله يجمع بين الدراسة الحوزويّة و الدراسة الجامعيّة الحديثة.

   و أمّا العامل الأوّل فنتركه لوجود إشارات وجيزة إليه لدی الحديث عن العاملين الأخرين و فيما يخصّ العامل الثاني، فلا بدّ من الإشارة إلى ما جاء في مقدّمة ديوان الشاعر محمّد مهدي الجواهريّ ( ت1997م ) بشأن مدينة النجف و أجوائها العلميّة و الدينيّة و الأدبيّة و هو كالتالي:

   « النجف مدينة العلم الدينيّ المنقطع النظير، ثمّ الأدب و الشعر، و هي فيهما نادرة من النوادر و أعجوبة من الأعاجيب، يُعنى أهلُها بقول الشعر و سماعه و الحديث عنه عنايتَهم بالمسائل اليوميّة من أكل و شرب، إنّهم أدباء كما يتنفّس المرء الهواء.. إنّ الشعر في النجف حياة، و هو لدى أبنائها لا أسهل منه أو أيسر، أو أنّه فيها كالماء و الهواء استسهالاً و استعظاماً، جدّاً و هزلاً، و هو مجد كما هو مرتزق، و علامة فارقة لا تكاد تضاهيها فيه بلدة أخرى في العالم العربيّ..»( جواد الطاهر، علي؛ 1979م: 1/3)

   و هكذا حفل عصر الوائليّ بكوكبة من الأدباء و الشعراء لهم طابعهم النجفيّ الخاصّ، و أدبهم الناضج و الرائد، ابتداءاً من شيخ الأدب الشيخ محمّد جواد الشبيبيّ (ت 1363هـ)، و الشيخ محمّد رضا الشبيبيّ (ت1385هـ)، و محمّد مهدي الجواهريّ (ت1997م)، و كثير غيرهم (الموسم؛1989م: 2ـ3/449). و مثل هذا الجوّ لا بدّ أن يفعل فعله في شخصيّة الوائليّ، فقيهاً كان، أو شاعراً، أو خطيباً، و يعمل على صقله و تهذيبه، و بالتالي تكوينه بالشكل اللائق، ولا شك أنّ لاستعداده الفطريّ كبير أثر في توجّهه و حرصه على الانتهال من هذا الغدير؛ فقد عايش الوائليّ وأقرانه هذه الأجواء التي قلّما يجود الدهر بمثلها، و عاصروها و تفاعلوا معها فكراً و عقلاً و روحاً، و استطاعوا أن يعطوا، و يؤثّروا في الأوساط العلميّة و الاجتماعيّة.

ـ تحصيله الأكاديميّ العالي الذي جعله يجمع بين الدراسة الحوزويّة و الدراسة الجامعيّة الحديثة.

   حقّق الوائليّ تفوّقاً في دراسته الحوزويّة و الجامعيّة؛ إذ حصل على البكالوريوس في اللغة العربيّة و العلوم الإسلاميّة، ثمّ حاز الماجستير بجامعة بغداد. بعد ذلك قدّم للدكتوراه في جامعة دار العلوم بالقاهرة حتّى نالها بأطروحته المعنونة بـ «استغلال الأجير و موقف الإسلام منه» (المصدر نفسه: 443).

   بالإضافة إلى ديوانيه فقد أسهم الشيخ الوائليّ في إثراء المكتبة الإسلاميّة بعدّة مؤلّفات قيّمة  تظل زاداً و رصيداً وفيراً لطلبة العلم هي:

أحكام السجون.

  1. استغلال الأجير.

تجاربي مع المنبر.

دفاع عن الحقيقة.

  1. من فقه الجنس في قنواته المذهبيّة.

نحو تفسير علميّ للقرآن.

هويّة التشيّع.

شعـره

   لم يكن الشعر هو الهويّة التي تعرّف العالِم الشيعيّ أو تطرحه جماهيريّاً، إنّما كان الشعر هو العنوان الثاني لشعراء الشيعة من علماء الدين. و لو أنّهم تحرّكوا من خلال الشعر وحده، لاستطاعوا أن يكسبوا السمعة و المنزلة الاجتماعيّة أيضاً؛ فالشيخ أحمد الوائليّ عرفته الأوساط الجماهيريّة خطيباً بارعاً، قبل أن تتعرّف عليه شاعراً.

   مهما يكن من أمر يتميّز شعر الوائليّ بفخامة الألفاظ و بريق الكلمات و إشراق الديباجة، فهو يُعنَی كثيراً بأناقة قصائده، و تلوين أشعاره بريشة مترفة؛ لذلك يُعَدّ شاعراً محترفاً من الرعيل الأول المتقدّم من شعراء العراق، له شعر بالفصحی و الدارجة، و يجري الشعر على لسانه مجرى السهل الممتنع بل و يرتجله ارتجالاً.

   برز إلى النور بعض نتاجه الشعريّ تحت عنوان «الديوان الأوّل من شعر الشيخ أحمد الوائليّ» و «الديوان الثاني من شعر الشيخ أحمد الوائليّ»، قدّم لهما بقلمه الرشيق معلّقاً على بعض ما ورد فيهما، وقد جُمعت بعض قصائده المتنوّعة المضمون في ديوانه المسمّى باسم «ديوان الوائليّ» حيث نظم الشاعر في مختلف الأغراض الشعريّة؛ فله قصائد في المديح و الرثاء و الوجدانيّات و الإخوانيّات و غيرها من الأغراض؛ تناول من خلالها الكثير من القضايا و الشؤون السياسيّة و الاجتماعيّة، و عالجها معالجة إسلاميّة واعية؛ ممّا يستدلّ به على إيمانه الراسخ بمبادئه و التزامه الكامل بعقائده و قيمه. و الجدول التالي يقدّم لنا صورة واضحة عن أهمّ أغراضه الشعريّة و قد تناولها المرحوم في 65 قصيدة ضمن ديوانيه الأوّل و الثاني:

الأغراض

الشعر الدينيّ

الشعر السياسيّ

الشعر الإخوانيّ

الشعر الوجدانيّ

الشعرالاجتماعيّ

الرثاء

الديوان الأوّل

8

6

8

5

7

ـــ

الديوان الثاني

7

 

ـــ

4

5

11

4

المجموع

15

6

12

10

18

4

 

يظهر الجدول بوضوح غلبة الجانب الاجتماعيّ على شعره من مدح و رثاء و إخوانيّات، و حتى قصائده التي آثر نشرها تحت عنوان الشعر الدينيّ لها علاقة كبيرة بوظيفته الاجتماعيّة (المصدر نفسه: 515).

و من الظواهر التي تلفت الانتباه و تشدّه في شعره وجود الكثير من الأدلّة و الشواهد القرآنيّة التي تتجلّی في ألفاظ و معان وصور مستقاة من نبع كتاب الله المجيد. و مردّ ذلك إلى أنّه التحق بالكتاتيب و هو ابن السابعة من عمره (المصدر نفسه: 443)، حيث أكمل حفظ القرآن الكريم، الأمر الذي ترك تأثيره الكبير في ثقافته بما فيها ثقافته الشعريّة و توجّهاته الإسلاميّة الأصيلة.

أشكال الاقتباس القرآنيّ في شعره

   الاقتباس لغةً  من مادّة «قبس» والقبس شعلة النّار و يقال: قبستُ من فلانٍ ناراً واقتبستُ منهُ عِلماً أي استفدته (أحمد بن فارس؛ 1991م،5/48 و ابن منظور؛ 11/11 )، و اصطلاحاً يطلق على «أن يضمن المتكلّم كلامه من شعر أو نثر كلاماً لغيره بلفظه أو بمعناه و هذا الاقتباس يكون من القرآن المجيد أو من أقوال الرسول 6 أو من الأمثال السائرة... دون أن يعزو المقتبس القولَ إلى قائله » (الميدانيّ عبد الرحمن حسن؛1996م، 2/536 ). فالمقصود بالاقتباس القرآنيّ هو ما نظمه الشاعر على ضوء الأيات القرآنيّة. ففي شعرالوائليّ الفصيح يمكن تصنيف أشكال الاقتباس القرآنيّ ضمن أربعة هي:

1ـ الاقتباس الجزئيّ

2ـ الاقتباس المحوَّر

3ـ الاقتباس الإشاريّ

4ـ الاقتباس الاستنباطيّ

   بداية تجدر الإشارة إلى أنّ عمليّة الإبداع لا تنشأ من فراغ، إذ لا يمكن لأيّ مبدع أن ينطلق من الفراغ أو من لا شيء. و الوائليّ رحمه الله ـ كغيره من الشعراء ـ كثيراً ما كان يستحضر بعض الآيات القرآنيّة، و قلّما خلا غرض من أغراضه الشعريّة من التأثّر بكتاب الله المجيد، هادفاً من وراء ذلك إلى تنميق شعره و تحسين كلامه و إغناء تجربته الشعريّة الخاصّة، أو ربطها بتجارب جديدة، و بالتالي تعميق التأثير و الانفعال.

1 ـ الاقتباس الجزئيّ:

وهو أن يعمد الشاعر إلى نصّ، فيقتطع منه عبارات، أو جملاً، أو تراكيب جزئيّة غير مكتملة، و يضعها في نصّه اللاحق. و هذا النوع من الاقتباس موجود بكثرة لدى الوائليّ و غيره من الشعراء المتأثّرين بالقرآن الكريم، ففي قصيدته «إلى أبي تراب» يقتبس جزءاً من الآيتين التاليتين: « إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا » (سورة الإنسان: 2)و « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ »(سورة الحجر: 26)

فيقول:

أ أباتُرابٍ و لِلتُّـرابِ  تَـفاخُر
و النّاسُ مِن هذا الترابِ و كلُّـهم
 

 

إن كان مِن أَمشاجِهِ لَك طِينُ
في أَصلِهِ حَمَأ بِهِ مَسـنُونُ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1980م: 20)

فجاء الاقتباس في البيتين جزئيّاً؛ ففي البيت الأوّل «من أمشاجه»، و في الثاني «حمأ» و «مسنون». و قد أبدع الشاعر في التوفيق بين شعره و المقتبَس؛ إذ ينيط تفاخر التراب بأدنى انتماء إلى أمير المؤمنين عليّ7، و ذلك بلغة شعريّة منسجمة متلاحمة مع النصّ المقتبَس، و الأمر الذي يُبرِز حذق الشاعر في الاقتباس أكثر فأكثر، أنّه قام بذلك على هدي آيتين منفصلتين من سورتين مختلفتين، لا من سورة واحدة و لا من سياق واحد.

   و في بيت آخر من القصيدة نفسها، يقول:

ما عُدتُ أَلحُو في هَواك مُتَيَّمًا             
 

 

و صِفاتُك البيضاءُ حُورٌ عِينُ
 

 

 (المصدر نفسه: 22)

   يلاحظ القارئ الاقتباس مكوّناً من تركيب وصفيّ في الآية الكريمة:« وَ حُورٌ عِينٌ » (سورة الواقعة:22). و لعلّ سرّ جماله يكمن في أنّ الشاعر أحسن التعليل لقوله، لمّا أوعز كفّه عن لوم محبّي الإمام 7 إلى صفاته الحميدة؛ حيث شبّهها بالحور العين، ولا يُستبعَد أن يكون قد أراد بذلك ما يلي:

   أوّلاً: إبراز تناهي صفاته 7 كمالاً و جمالاً؛ فالحور آيات باهرات في الحسن الفتّان، و الجمال الأخّاذ. فالمشبَّه (صفات على 7) والمشبّه به (الحور العين) متوازنان في كمالهما؛ فبناء على رؤية الشاعر ليس لمحبّيه 7 إلا التيمّم والهيام. و ممّا يزيد في ذلك أنّه عبّر عن مقصوده بتشبيه بليغ يقوم على دعوى الاتحاد التام بين طرفي التشبيه من جميع الوجوه حتى كأنّهما أمر واحد لا يفصل بينهما فاصل (فاضلي، محمّد؛1365ش: 195).

ثانياً: يعقّب القرآن الكريم تشبيه الحور بقوله تعإلى: «كأمثالِ اللُّؤلُؤِ المَكنُونِ» (سورة الواقعة:23).على ضوء هذا السياق لا يُستبعَد أن يكون الشاعر قد نوى أن يسمو بشأن الإمام 7 و بشأن محبّيه عن أصحاب المشتهيات النفسانيّة الدنيئة؛ فكما لايظفر بالحور كلّ مريد إلا بعد تأهّله، كذلك لا ينال حبّ الإمام كلّ مدّعٍ و لايتوصّل إليه إلا بشقّ الأنفس « و في ذلك فَليَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ» (سورة المطفّفين:26).

ثالثاً: حبّ الشاعر عن صدق و رويّة و بصيرة، إنّه حبّ يربأ به الشاعر عمّا يشوبه، فلا عمىً يشوّهه و لا تعصّب يشينه و لا زيف يغويه، إنّه لا يحبّ شخصاً بما هو شخص؛ بل يحبّ إنساناً يمثّل صفات حميدة كالحور التي تمثّل الجمال.

رابعاً: لا يتأتي لأيٍّ أن يعرف الإمام 7 حقّ معرفته؛ إذ إنّه يشبه اللؤلؤ المكنون الذي تُحجَب أيّ عين عن رؤيته، و تقصر كلّ يد دون الظفر به و ذلك أمر لا يلقّاه إلا ذوحظّ عظيم؛ فقد قال 7 عن نفسه:« هَلَك فِيّ إثنانِ مُحِبٌّ غالٍ و مُبغِضٌ قالٍ » (الرضيّ؛ 1412ق: 489).

خامساً: حسن اختياره في التشبيه، فبينما تعوّد القارئ في عيون الشعر، على تشبيه الجمال بالشمس و القمر و غيرهما، استحضرت عبقريّة الشاعر هذا النصّ القرآنيّ الشريف الجليل المتميّز بروعة إيجازه، و نزيه تعبيره، و عفيف تشبيهه، ليخرج التشبيه من الرتابة و الوقوف عند التشبيهات المطروقة المنحولة، إلى الجدّة و الغضارة و الطلاوة.

في قصيدة أخرى معنونة بـ « نموذج من التاريخ » يؤرّخ الشاعر وفاة « السيّد عبد الرزّاق المقرّم »(ت1391هـ) رحمه الله، يستعين فيها بالاقتباس الجزئيّ قائلاً:

إيهِ عبـدَالرزّاق يا ألقَ الفكــر
إنّ قبراً حَلَلتَ فيه لَـَروضٌ
 

 

و روحَ الإيمان والأخلاق
سوف تَبقَى به لِيومِ التَّلاق
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1980م: 107)

فقد اقتبس «يوم التلاق» وهو من أسماء يوم القيامة في قوله تعإلى: « رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ » (سورة غافر:15). و الآية الشريفة تنذر الإنسان يوم القيامة والآيات التالية تصف « يوم التلاق» و ما يلقى الإنسان فيه. فالوائليّ يبصر مرقد المرحوم «السيّد عبد الرزّاق» روضاً من رياض الجنّة؛ فإذا أنعم القارئ نظرة مقارنة في البيت و السياق القرآنيّ، وجد أنّ الشاعر تعمّد في اقتباسه هذا، حيث أراد التدليل على أنّ المرحوم آمنٌ من فزع ذلك اليوم، لا خوف عليه و لا هو يحزن. ناهيك عمّا يمتاز به الاقتباس من تناغم رائع يجعله متلاحماً بالشعر أشدّ التلاحم.

   ممّا يلفت الانتباه أنّ مقتبسات الوائليّ القرآنيّة لا تقتصر على غرض دون آخر، بحيث إذا أجال القارئ بصره في شعره الاجتماعيّ الذي يعتبرمرآة ناصعة لرؤية الشاعر الاجتماعيّة و همومه الإنسانيّة، طالعته نماذج من هذه المقتبسات. ففي قصيدته «خطرات في العيد»، التي يستهلّها الشاعر بقوله:

مَرَّ عيدُ الوَرى و ما مَرَّ عيدي
صنّفتهـم مَباهِــجٌ  فَـتنادَوا
  

 

فَشَدا عودهم و هوَّم عودي
لِـجَناها و لستُ ممّن نُودي
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1980م: 143)

يمضي يصوّر أحوال الناس في موسم العيد؛ فمنهم من تغمره السعادة بحلوله، متقلّباً بين ألوان النعيم الزاهية، و منهم من يلوك البؤس و يذوق الشقاء ويتقاسم مع أبناء بجدته الجوع و الحرمان. يركز الشاعر في القصيدة على كلّ فريق و في معرض وصفه الفريق الثاني يقول مقتبساً من الذكر الحكيم:

و مَضى بعضُهم و قد جاعَ شهراً

كلّما نالتِ الكـروشُ من الأكلِ
و مشَـوا يَلبَـسون كلَّ جـديد
 

 

يَرتَعِي مِن طِباقها و الثَّريدِ
تَنـادت  تقـول هــل مِن مَـزيدِ
من ثيـابٍ و ما أَتَوا بـجديد
 

 

 (المصدر نفسه: 144)

فقد أجاد الشاعر اقتباس الآية القرآنيّة:«يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ و تَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ» (سورة ق: 30) ليصوّر البطون النهمة و يجسّد مرارة الجوع و شدّة السغب في استعارة زاخرة بجمال التخييل و التجسيم، فقد أورد «أرباب التفاسير» (الطباطبائيّ، سيّد محمّد حسين؛1397هـ:18/383)  لدى حديثهم عن هذا الاستفهام احتمالين كالآتي:

كون الاستفهام تقريريّاً، و المعنى أنّ جهنم تستزيد من الجنّة و الناس الذين أقسم الله بأن يملأها منهم.

كون الاستفهام إنكاريّاً، و المعنى حينئذ لامزيد أي: لا مكان فيّ يزيد على من أُلقِيَ فيّ من المجرمين فقد امتلأتُ.

فاستخدم الشاعر الجملة الاستفهاميّة في المعنى الأوّل لتمام ملاءمته أجواء القصيدة المعبّرة عن هول الجوع، و طول مدّته.

واقتبس قوله تعإلى: « وَ ظِلٍّ مَّمْدُودٍ » (سورة الواقعة:30)  في قصيدة بعنوان «خداع» يشكو فيها بثّه و حزنه ممّا حلّ به و بشعبه من جورالحكام الجائرين و خداعهم، مستغيثاً بالله سبحانه، معبّراً عن صدق رغبته في دولة كريمة يعزّ بها الإسلام و أهله و يذلّ بها النفاق و أهله، فيقول:

ربُّ رُحـماك ذَوَّبَـتنـا الـرَّزايـا
كفَّ نُعمَى الحُـكامِ عنّـا فإنـّا
و أَعِنّـا على الـوصـولِ لِحُكمٍ
 

 

و اللَّظي قـد يـذوبُ مِنهُ الحَـديدُ
نحـوَ هـذي النعمـاءِ فينـا جُحـُودُ
مِـن مَعــانِيـك ظِـلُّهُ مَمـدُودُ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 65)

في الشطرالثاني من البيت الأخير يبدو اقتباسه من الآية الآنفة الذكر، ثمّ لا يفوت أنّ الاقتباس هذا، يجعل الآية و مدلولها في سياق جديد؛ إذ تصف الآية نعيم الخلد المتمثّلة في الأشجار بظلالها الوارفة؛ بيد أنّ الشاعر استعان بها ليسأل الله سبحانه حكومة عالميّة تستمدّ شرعيّتها منه تعإلى، وأغلب الظنّ أنّ مراده حكومة الإمام المنتظر عجّل الله تعإلى فرجه الشريف. و قد بلغ الشاعر في هذا الاقتباس ما بلغ من الإجادة؛ إذ أبدى فيه براعة، لا يكاد يشعر القارئ بكون التعبير مقتبَساً؛ ناهيك عن مدى التلاؤم المشهود و التلاحم الملحوظ بين المقتبَس و الموقف الجديد.هناك شعب طالما اكتواه بلظى الرزايا، يسعى لاهثاً وراء واحة أمن و أمان تؤويه، ملقياً عن نفسه أعباء النوائب و تكاليف الحياة على أرضها، مستظلّاً بظلالها، مستريحاً في أفيائها، شافياً غلّته ببارد مائها و مروّحاً عن نفسه بعليل نسيمها.   

   ما مرّ ذكره من الاقتباس الجزئيّ يحمل دلالات فكريّة واضحة ومحدّدة، وهناك اقتباسات جزئيّة أخرى ترد في شعر الوائليّ عفوالخاطر، وانسياباً لمختزنات الذاكرة القرآنيّة، من دون أن تحمل أيّة دلالات فكريّة محدّدة  و واضحة يرد بعضها على سبيل المثال لا الحصر، كقوله:

حَشدُوهُم مِن كلِّ فَجٍّ فَــوَعدٌ
    

 

لِفـَـريـقٍ وآخَـريـنَ وَعِـيـدُ
 

 

(المصدر نفسه: 62)

   إنّه من نافلة القول أنّ «من كل فجّ عميق» مأخوذ من قوله تعإلى:« و أَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَ عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (سورة الحجّ: 27). ميزة هذا المثال أنّ الاقتباس هنا لفظيّ بحت، يأتي انسياباً لذاكرة الشاعر القرآنيّة. وكذلك قوله في قصيدة «تحيّة عيد إلى أولادي» حيث يصف لهم مدينة النجف الأشرف و ما يسمها بميسم التفوّق:

و مَعقِـلٍ لِلنَّفـرِ النـابِغيـن
 

 

و مِحـرابٍ لِلسُّجَّـدِ الرُّكـعِ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 91)

فالبيت يستحضر إلى الأذهان قوله تعإلى: «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَ أَجْرًا عَظِيمًا». (سورة الفتح:29)

ديوان الوائليّ زاخر بنماذج عديدة من هذا الضرب من الاقتباس لا أوردها كيلا يطول المقام بالقارئ. 

2ـ الاقتباس المحوَّر:

   أعني به ما يعمد فيه الشاعر إلى نصّ مستقلّ متكامل بذاته، سواء أ كان آية، أم آيات شريفة كاملة، أم جزء من الآية، فيقتطعه من سياقه، و يضعه في نصّه، بعد التغيير في بنيته الأصليّة، فله أن يزيد فيه أو ينقص، و يقدّم فيه أو يؤخّر، سواء أ كان هذا التغيير أو التحوير بسيطاً أم معقّداً. و شعر الوائليّ زاخر بآيات قرآنيّة، أخضعها لأسلوبه الخاصّ، و انزاح بها عن بنيتها اللغويّة، و أعاد صياغتها من جديد، ليقدّم إلى القارئ رؤيته الشعريّة. ففي قصيدته «العائد الجريح» التي أرسلها إلى الشاعر« أحمد الصافي النجفيّ » ( ت 1977م) إثرعودة الأخير من لبنان جريحاً برصاصة طائشة عام 1976م اقتبس قوله تعإلى: « وَ مِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ » (سورة الفلق: 4) فقال:

يـا أيّها العـائـدُ المجـروحُ نَـزَّ لَـهُ

فالقلبُ تَجـرَحُهُ البِيضُ الحِسانُ مَـشَت

 

بالقلبِ جرحٌ و جرحٌ نَـزَّ بـالجسدِ
بِـساحَةِ البُرجِ حَـيثُ النَّفثُ بِالعُقَدِ

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1980م: 102)

   أبرع الشاعر في هذا الاقتباس الذي يتساوق مع سياقه الخاصّ مستضيئاً بالنصّ القرآنيّ لتعميق الدلالة و إبراز المشاهد المثيرة الفاتنة التي أُوصيَ فيها الإنسان بالاستعاذة بربّه. فلولا هذا الاقتباس الخاصّ المحوّر لما تسنّى للوائليّ التعبيرعن واقع الموقف مجسّداً عمقه وقوّته، ومراعياً نزاهة التعبير في الوقت نفسه.إذ يقوم التحويرعلى العدول عن اسم الفاعل (النَّفَّاثَاتِ) إلى المصدر( النفث) و كذلك على تعديته بالباء بدلاً من «في» لينبئ بذروة الموقف في الافتنان وكونه مسكوناً مثقلاً بالمفاتن المضلّة.

ومن ذلك أيضاً قوله في مخاطبة أمّه:

أمّاه هذا جناحُ الذُّلِّ أَخفِضُهُ
 

 

و جَبـهَـةٌ في ثَـراك تَنعَفِـرُ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 68)

يبني الوائليّ بيته الشعريّ على أساس استعارة قرآنيّة بديعة اقتبسها من قوله تعإلى:« وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا » (سورة الإسراء:24) والتحوير الذي أجراه في الآية واضح للعيان، فقد قام بتقديم و تأخير و إزاحة التخصيص من الوالدين كليهما في الآية، إلى الأمّ وحدها في شعره؛ لكنّ الأبرز و الأهمّ من ذلك كلّه أنّه أوّلاً: حوّل الأسلوب الإنشائيّ في الفعل « اخْفِضْ » إلى خبريّ مضارع ( أخفضه ) ليثبت صادق إيمانه بهذا الأمر السماويّ و ينبئ بتحقّق امتثاله للأمر السماويّ من جهة و بتجدّد امتثاله في سياقه المحوّرمن جهة أخرى. فالآية التي تحدّثنا عن ضرورة الخضوع التامّ بين يدي الوالدين، تزداد لدی الشاعر عمقاً و تأثيراً بفعل التحوير الذي أعمله في الموقف الجديد. ممّا يجعله يلوح في حضرة أمّه فرخة طير تستعطف والدتها بخفض جناحيها.

   ثانياً: أزاح المفعول به (جناح الذلّ) عن موقعه الإعرابيّ إلى خبر مشار إليه بـ «هذا»، تعبيراً عن خضوعه التامّ للأمّ  بفضل الدورالذي يضطلع به اسم الإشارة في إبراز هذا الخضوع و تجسيده.

فالتحوير هنا مقصود لذاته على المستوی الدلاليّ ويبيّن ما له من طاقة و إيقاع و إقناع وجدانيّ.

   ثمّة آية أخرى من براعته و بلاغته تلوح في اقتباسه من آيتين شريفتين الأولى:« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا» (سورة النساء: 56) و الثانية قوله سبحانه: «يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ» (سورة الرحمن: 35) لقد وجّه الشاعر رسالة تأنيب و تقريع و إنذار إلى شعبه الرازح تحت نير الظلم و الاستبداد على مرّ السنين، و ذلك في قصيدته «خواطر في الليل»؛ إذ خاطبهم قائلاً:

تَصلِيكمُ النّارُ مِن ألفٍ و ما نَضِجَت
 

 

جُلُودُكم مِن شُواظِ النارِ و الحُمَمِ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 55)

   و لدی إعادة قراءة البيت في سياقه الشعريّ و إلقاء نظرة شموليّة في السياقين القرآنيّ و الشعريّ، حينئذ تتّضح للقارئ شاعريّة الوائليّ من جهة، ومدى تناسق الآيتين مع استخدامهما الجديد من جهة أخرى، يقول:  

قومي بَثَثتُكمُ الشَّكوى فما وجدت
 وما حَملتُ هُمومِي بل هُمومَكمُ ..أَشجى وأنتم بِلا شَجوٍ و يَغمُرُكم

ما بالُكم و الليالي كـلُّها عِبـَرٌ
تصليكم النارَ من ألفٍ و ما نضجت

أَلا تَذودُونَ عنكم أيَّ عاديةٍ....
 

 

شكوايَ عندَكمُ إلّا أخا صَمَمِ
و ساءَنـي أنّها هَـمٌّ بِلا هِـمَمِ
لَهـوٌ و أَصلى مِن البَلـوى بِمُحتَدِمِ
والـدهرُ مَدرَسَـةٌ لِلقارئ الفَهِمِ
جلودكم من شواظ النار و الحمم
حتى الذُّبابُ على الآنافِ لم يـرمِ
 

 

 (المصدر نفسه: الصفحة نفسها)

فالتحوير الذي أجراه الشاعر في بيته يتجلّي في نقاط عدّة نسلّط الضوء عليها و على دلالاتها لإماطة اللثام عن جماليّة الاقتباس في السياق الجديد من جهة و عن مدى تلاؤمه مع التجربة الجديدة من جهة ثانية:

   1) تصوير الشعب كأنّه ميّت بُعث معذَّبا دونما إيلام كأنّه لا شعور له، أو كأنّه لم يدرك مرارة ما حلّ به من الشقاء.   

   2) تحويل صياغة الفعل من التكلّم في «سَوْفَ نُصْلِيهِمْ» إلى الخطاب في «تصلـــكم»،الأمر الذي جعل الوعيد الإلهيّ حالّاً، و واقعاً مؤلماً مستمراً متجدّداً منذ قرون متعاقبة.

   3) استبدال الضمير الغائب بالمخاطب في الفعل «نُصْلِيهِمْ» وفي «جُلُودُهُمْ» ممّا يوحي بتجسيد المعاناة  و تقريع المخاطب و تنبيهه.

   4) تحويل النكرة « نَارًا» إلى المعرفة «النار» الأمر الذي يدلّ على أنّ النار وهي رمز العذاب والحرمان و الشقاء في حياة شعبه، أمر معروف لكل إنسان، معرباً عن غاية استغرابه لجهلهم بذلك.

   5)تحويل النار التي تشوي الجلود وتنضجها من مجرّد نار معهودة لا تثير خوفاً في الإنسان إلى «شواظ النار» الذي يجسّد حرّ النار و شدّتها المتناهية، فقد فسّر«المفسّرون» لفظة « شواظ» بأنّها اللهب الذي لا دخان فيه ممّا يزيده حرقة و لوعة.(الزمخشريّ؛ 1415هـ: 4/449 والطبرسيّ الطوسيّ؛ 1379هـ: 5/203 و الطباطبائيّ؛ 1397هـ: 19/120)  

   نظراً إلى ارتباط الآية (إنّ الذين كفروا..) بمشهد من مشاهد عذاب جهنّم فقد وظّفها الشاعر ليخز في وجدان شعبه وخزة عميقة توقظهم من سباتهم العميق و تثيبهم إلى وعيهم و رشدهم و تثيرعزائمهم الخائرة عسی أن يخرجوا من الموقف الحرج الذي يدورون في دائرته منذ سنين.

   في قصيدة «ذكريات إخوان بالنجف الأشرف» يتذكر الوائليّ عهد صباه بكلّ ما له من صفاء و هناء و حلاوة، و ينشد قائلاً:

نَخالُ بها الأيّامَ رحباً و إنّها
 

 

لأضيقُ من سَمِّ الخِياطِ و أصغرُ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 123)

أخذ الوائليّ قبسة قرآنيّة متوهّجة بالجمال تقول: « إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَ اسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ» (سورة الأعراف: 40)  فبهذا التمثيل الرائع تؤكد الآية الشريفة استحالة دخول المكذّبين والمستكبرين الجنّة؛ إلا أنّ الشاعر استخدم التمثيل هذا في تجربة جديدة؛ إذ استعان بتمثيل « سَمِّ الْخِيَاطِ » على التعبير عن تناهي عهد الصبا في القصر وضيقه الزمنيّ، فجعل الموقف أدقّ من أن يحيط به إدراك و يعيه فهم. والملفت للنظر هو مدى التناغم بين المقتبَس والموقف الجديد معنى و إيقاعاً.

   و تصل بعض نماذج الاقتباسات المحوّرة عند الوائليّ حدوداً واضحة جدّاً حتى كأنّها استشهادات من آيات قرآنيّة نُقِلَت من مواضيعها إلى سياقات جديدة دون تحويل الدلالة. و هذا ما نجده في قصيدته «الإمام الحسن 7»، حيث يقتبس الشاعر الآية الشريفة: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ و إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (سورة الحمد: 5)، فيقول:

تَتَناغَمُ الأسحارُ مِن تَردِيدِهِ
 

 

إيّاك رَبـِّي أَستَعِينُ وأَعبُـدُ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 23)

فمن الواضح مدى التشابه أو التطابق اللفظيّ والتركيبيّ بين النصّين، فالفعلان «نعبد» و«نستعين» في الآية الشريفة، تحوّلت صيغتهما إلى المتكلّم وحده في نصّ الوائليّ، فأصبحا «أعبد» و«أستعين»، كما قام الشاعر بتقديم وتأخير بين الفعلين. والتطابق بين النصّين يتحقّق على مستوى الدلالة أو المعنى أيضاً، فكلاهما يتحدّث عن ذروة العبوديّة في الإمام الحسن 7.

3ـ الاقتباس الإشاريّ:

   و هو أن يعمد الشاعر إلى شخصيّات أو أحداث قرآنيّة، و يضعها في شعره مكتفياً بذكر مؤشّرات سريعة و دالّة على النصّ الغائب عن طريق الإشارة المركّزة؛ بحيث تغدو هذه الإشارة  بمثابة الاستحضار الكامل لتلك النصوص، من دون أن يكون هنالك حضور لفظيّ كامل. و غالباً ما يعتمد هذا النوع من الاقتباس على لفظة واحدة أو اثنتين. و لعلّ هذا مراد الثعالبيّ  في قوله: « تداول الشعراء معنى أصله من القرآن » (الأثريّ، محمّد بهجة؛1409هـ:204)، و على منواله نسج ابن رشيق(ت456هـ) بقوله: «و من التضمين ما يحيل الشاعر فيه إحالة و يشير به إشارة فيأتي به و كأنّه نظم الأخبار أو شبيه به.» (القيروانيّ، أبوعليّ؛ 1401هـ: 2/88)

   يتميّز هذا النوع من الاقتباس، بقدرة كبيرة على التكثيف و الإيجاز، مع الدقّة في التعبير، حيث تثير المفردة المستحضرة وجدان المتلقّي و مشاعره، و تنقله إلى أجواء النصّ المستحضر بسرعة فائقة، و بأقلّ قدر ممكن من الكلمات. ففي قصيدته « حديث فلسطين » يخاطب الشاعر قادة العرب قائلاً:

«فَيا مَن على شَعبِهِ آفَـةٌ       
و يا مَن تَعَوَّدَ لَعقَ الجِراح
و يا مَن تزئبـقَ في فكره
أ قادَتنـا غيرُكم ذَلَّلـُوا
وأنتم وعشرونَ حولاً عِجاف
ركبتم بنا سابحات الضجيج
 

 

و يا مَن على خَصمِهِم أَينُقُ
متى يُؤلِمُ الجُرحُ مَن يَلعَقُ
متى عَرفَ المَبدأَ الـزئبقُ
مُتُونَ الصِّعاب و لم يَزعَقُوا
صَبَرنا على مُـرِّها نَمـذُقُ
فللتـرب أنتم و من صفّقــوا
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1980م: 66)

   فالوائليّ بفضل كنزه القرآنيّ استطاع بكلمة واحدة أعني «عجاف» استخلاص روح الآيات المندرجة في السياق المتعلّق بتعبير الرؤيا و سنيّ الجدب من سورة يوسف 7؛ حيث يقول تعإلى:

«وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ٭ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ٭وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ٭ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ٭ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ٭ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ٭ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ٭» (سورة يوسف: 43ـ49)

   إذا أنعم القارئ النظر في أجواء القصيدة و السياق القرآنيّ، وجد الشاعر يرسم لوحة أمامه تشبه فيها فترة الاحتلال الصهيونيّ الغاشم بسني الجدب المريرة، مبشّراً أبناء الشعب الفلسطينيّ بيوم فيه يُغاثون و يَعصِرون، و في الوقت نفسه يدمدم على قادة العرب بسياط نقده اللاذع و يمطرهم بوابل هجائه المقذع لعجزهم عن إنقاذ الشعب الفلسطينيّ و تخاذلهم و تواكلهم في ذلك، شأنهم شأن الملك في قصّة يوسف 7، الذي لولا يوسف لراح شعبه ضحيّة الجدب و حصاد القحط. بذلك يحطّ الشاعر من علوّ قدرهم و سموّ مكانتهم، داعياً عليهم في البيت الأخير بالثبور و الهلاك. 

   و في قصيدته المعنونة بـ «سماسرة الحرب» تطالعنا آية أخرى من آيات عبقريّة الوائليّ الشعريّة؛ حيث يقول مخاطباً إيّاهم:

«كفـاكم دمـاءً يا سَماسِرةَ الحربِ
..لـقد بِعتُمُ قُـدسَ الدماءِِ وطُهرَها
و أَلقَيتُمُ من أجلِ دُنياً خَسيسـةٍ
 

 

دَعُوها لِرَدِّ الحَقِّ و الوَطَنِ المَسبِي
بِبَخسٍ مِن الأَثمانِ يا إخوةَ الذِّئبِ
و حَفنَةِ نفطٍ ألفَ يوسفَ في الـجُبِّ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 75)

في البيتين الأخيرين اقتباس من آيتين في سورة يوسف هما:«قَالَ قَائِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ » (سورة يوسف: 10) و قوله تعإلى: « وَشَرَوْه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ » (السورة نفسها: 20)

   فالوائليّ و إن استوحى جزءاً يسيراً من القصّة؛ إلا أنّه استحضر روح الآيتين كلتيهما و قد تكلّل اقتباسه بالنجاح في تجسيد الموقف الإنسانيّ العاطفيّ هذا؛ إذ شبّه مثيري الفتن و النعرات و الحروب بإخوة يوسف فيما فعلوا بأخ لهم دون أن تأخذهم به رأفة، أو يرقبوا فيه إلّاً و ذمّة، متناسين أو متجاهلين أو مهملين وشائج الأخوّة و النداءات المتكرّرة للضمير الإنسانيّ. أمّا وجه الشبه بين الحالين في رؤية الوائليّ فهو الابتعاد عن الإنسانيّة و مبادئها و قيمها. كذلك يزيح الشاعر النقاب عن وجوههم الكريهة، مستخدماً يوسف تعبيراً عن الشعوب البريئة السحيقة، وجاعلاً الإلقاء في غيابة الجبّ تعبيراً عن الويلات و الفتن التي ألقت على الإنسان المعاصر بكلاكلها، ثمّ يعقّب خطابه الموجّه إلى هؤلاء الخونة بقوله:

فأنتم أَبُوالآثامِ تَجتَرِحونَها
 

 

و أنتم أبوجهلٍ و أنتم أبولهبِ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 75)

   و هو باستحضاره رمزاً قرآنيّاً من رموزالكفر والإلحاد أي أبالهب، ينذرسماسرة الحرب مصيرهم المحتوم، حيث يؤكد في اختصار شديد أنّ ما يكسبونه لن يغنيهم عن الله شيئاً ولا هم يُنقَذون، لأنّهم يحذون حذوأبي لهب الذي سيصلى ناراً ذات لهب. في ضوء هذه الأبيات الشعريّة يمكن للقارئ إدراك مدى فاعليّة الاقتباس الإشاريّ لدى توظيفه في تجارب معاصرة جديدة.

   في موضع آخر من شعره الدينيّ، أنشد الوائليّ في قصيدته « رسالة للأمّة » يقتبس النصّ القرآنيّ قائلاً :

«(هل أتى) طَهَّرَتهُمُ و (الحَوامِيــــمُ) بِها مِن شَذاهم ما يَضُوعُ»

(المصدر نفسه: 33)

فاقتباسه هذا، ينبني على سورة «الدهر»([1]) والسور السبع المعروفة بـ «الحواميم»([2]) الزاخرة بفضائل الأئمّة عليهم السلام والدالّة على حيازتهم قصب السبق والمثبتة لأحقّيّتهم. بناء على ذلك يدعو الشاعر الأمّة الإسلاميّة جمعاء إلى انتهاج نهجهم و الاهتداء بهديهم و السير على دربهم؛ و الذي يميّز الاقتباس الأخير هو الإيجاز اللغويّ و تعميق الدلالة. لعلّ الشاعر أراد بهذا الإيجاز و التكثيف، الإيحاء إلى المتلقّي بأنّ مكانة الأئمّة عليهم السلام حقيقة ثابتة مقرّرة في القلوب و الأذهان لايعروها غبار فلا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح و التقرير.  

4ـ الاقتباس الاستنباطيّ:

و هو أن يستلهم الشاعر مضمون آية أو مغزاها، أو فكرتها، و يعيد صياغة هذا المضمون أو المغزى أو الفكرة، من جديد بعد استيعابه و تشربه، من دون أن يكون في النصّ الجديد حضور لفظيّ واضح، أو ذكر صريح للنصّ السابق. و في هذا الشكل من أشكال الاقتباس لدى الوائليّ، تبدو عمليّة استيعاب النصوص القرآنيّة و تشربها غير محدّدة بقواعد أو ضوابط تعين على اكتشافها، إذ إنّ معالم النصوص السابقة تتنازعها جدليّة الخفاء و التجلّي، و ذلك بحسب قوة ذوبانها في النصوص اللاحقة.

   ثمّة نماذج قليلة للاقتباس الاستنباطيّ في شعر الوائليّ، ففي قصيدته «نموذج من التاريخ»، يقول مخاطباً المرحوم «السيّد عبد الرزّاق المقرّم»:

«.. فإذا ما بُعثتَ حُفَّت بـك الأعـ...مـالُ بيضاءَ حلوةُ الإشراقِ »

(الوائليّ، الشيخ أحمد؛1980م: 107)

فالبيت يستحضر آية شريفة تقول: « يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (سورة الحديد: 12) 

   و الوائليّ في البيت السابق، يستوعب معنى الآية القرآنيّة التي تتحدّث عن شأن المؤمنين و المؤمنات بعد البعث و النشور. و يلحظ المتلقي أنّه لم يظهر في نصّ الشاعر، أيَّة مفردة من مفردات النصّ القرآنيّ، كما أنّه لم يعتمد نفس الصياغة أو الأسلوب القرآنيّ في عرضه حال المؤمنين و المؤمنات، بل عمد إلى صهر تلك الصياغة القرآنيّة في لغته الخاصّة، و سكب عليها من روحه الشعريّة.

     و كذلك في قصيدته «إلى الكعبة الغرّاء» يأتي قوله في عداد الاقتباس الاستنباطيّ:

أ يا ربِّ حالَت دونَ حَجِّي حَوائل
و لِلضُّـرِّ أصواتٌ إذا أمّـت السَّما
فأنتَ حضورٌ عند كلّ توجّـهٍ
  

 

فأرسلتُ دَمعي داعياً و نِدائي
يُفَـك لهـا للتوّ بابُ سماءِ
و أنـت بقـاءٌ بعـدَ كـلِّ فَـناءِ
 

 

 (الوائليّ، الشيخ أحمد؛1983م: 16)

   فقد اقتبس صدرالبيت الأخير من قوله تعإلى: « و لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (سورة البقرة: 115)

   و لعلّ الاقتباس الاستنباطيّ، الذي يقوم على إذابة النصوص  الغائبة، وتشربها، و إعادة صياغتها في لغة جديدة، يعدّ من أدقّ أنواع الاقتباس، و أعمقها، حيث تظهر من خلاله قدرة الشاعر المبدع على إخضاع النصّ السابق لأدواته الفنيّة الخاصّة، إذ يعيد تشكيله في بناء لغويّ جديد، يختلف عن البناء القديم، وقد يعمل على ترسيخ المضمون المقتبَس.

نتائج البحث:

آتت هذه الجولة في شعر الشيخ أحمد الوائليّ رحمه الله ثمارها فيما يلي:

تتنوّع طرق الاقتباس في شعره كالآتي: الاقتباس الجزئيّ، الاقتباس المحوّر، الاقتباس الإشاريّ، الاقتباس الاستنباطيّ.

تتدرّج أنواع الاقتباس القرآنيّ وروداً في شعره كالتالي: أوّلاً الاقتباس الجزئيّ، ثانياً الاقتباس المحوّر، ثالثاً الاقتباس الإشاريّ و أخيراً الاقتباس الاستنباطيّ.

  1. تتنوّع وظائف الاقتباس القرآنيّ في شعره وهي:

أ ) تنميق شعره و تحسين كلامه.

ب) إغناء تجربته الشعريّة الخاصّة.

ج) ربطها بتجارب جديدة.

د) إثبات صحّة قوله أو حقيقته.

هـ) الإيجاز اللغويّ.

و) تعميق الدلالة والتأثير والانفعال.

أبرز ميزات الاقتباس الإشاريّ يتجلى في الإيجازاللغويّ.

الاقتباس الاستنباطيّ أندر أنواع الاقتباس و أدلّها على عبقريّة الشاعر.

لايهتدي القارئ إلى جماليّة أنواع الاقتباس ما لم يأخذ في الحسبان السياقين، سياق النصّ الأصليّ و سياق النصّ الجديد.

ممّا يستدلّ به على براعة الشاعر في عمليّة الاقتباس هو قدرته على توظيف المادة المقتبَسة في مواقف جديدة.

مصادرالبحث: 

كتب

ـ القرآن الكريم.

ـ ابن رشيق القيروانيّ الأزديّ، أبوعليّ الحسن (ت456هـ): العمدة في محاسن الشعر و آدابه و نقده. تح: محمّد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دارالجيل، الطبعة الخامسة، 1401هـ ـ 1981م.

ـ ابن منظور، ابوالفضل جمال الدين محمّد بن مكّرم  (ت 711هـ): لسان العرب.تح: علي  شيري،بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، الطبعة الأولی، 1988م.  

ـ أحمد بن فارس بن زكريّا، أبو الحسين (ت 390هـ): معجم مقاييس اللغة.تح: عبد السلام محمّد هارون، بيروت، دارالجيل، الطبعة الأولی،1991م.

ـ الحسكانيّ، عبيدالله بن أحمد (المتوفّى بعد 490 هـ ): شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم. طهران،مؤسسة الطبع والنشرالتابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ،الطبعة الأولی،1990م.

ـ الرضيّ، السيّد شريف أبو الحسن، محمد بن الحسين بن موسى  (ت406هـ): نهج البلاغة.تح: الدكتور صبحي صالح، قم،منشورات الهجرة،الطبعة الخامسة، 1412هـ.

ـ الزمخشريّ، محمود بن عمر(ت528 هـ): الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. قمّ المقدّسة،نشر البلاغة، الطبعة الثانية،1415 هـ.

ـ الطباطبائيّ، العلامة سيّد محمّد حسين العلامة (ت1402 هـ): الميزان في تفسير القرآن. طهران، دارالكتب الإسلاميّة، الطبعة الثالثة، 1397 هـ.   

ـ الطبرسيّ الطوسيّ، أمين الدين أبوعليّ الفضل بن الحسن(ت 548 هـ): مجمع البيان في تفسير القرآن. بيروت، دارإحياء التراث العربيّ، 1379 هـ.

ـ فاضليّ، محمّد: دراسة و نقد في مسائل بلاغيّة هامّة. تهران، مؤسسه مطالعات و تحقيقات فرهنكي،جاب اول، 1365ش.

ـ مكارم شيرازيّ، ناصر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل.بيروت، مؤسسسة البعثة للطباعة و النشر، الطبعة الأولى1413هـ.

ـ الميدانيّ،عبدالرحمن حسن حبنّكة: البلاغة العربيّة أسسها و علومها و فنونها. بيروت دار الشاميّة، الطبعة الأولى6م.  

ـ الوائليّ، أحمد: الديوان الأوّل من شعر الشيخ أحمد الوائليّ.بيروت ـ لبنان، مؤسسة أهل البيت:، الطبعة الأولى 1980م.

ـ ـــــــ: الديوان الثاني من شعر الشيخ أحمد الوائليّ.بيروت ـ لبنان، دارالكتاب الإسلاميّ، الطبعة الأولی،1983م.

مجلّات

ـ بهجة الأثريّ، محمّد: الشعر و الشعراء و أنواع اقتباساتهم من ألفاظ القرآن الكريم و معانيه. نقلاً عن مجلّة المورد، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، المجلد السابع عشر،العدد الرابع 1409هـ.

ـ الموسم: ملف عن الدكتور الشيخ أحمد الوائليّ. المركز الوثائقيّ لتراث أهل البيت عليهم السلام أكاديمية الكوفة. هولندا، العدد2ـ3، 1989م.

 

 

 [1]- أجمع علماء الإماميّة على نزول سورة الدهر في أمير المؤمنين عليّ 7 وفاطمة سلام الله عليها والحسنين عليهما السلام وذهب إلى ذلك العديد من علماء السنّة (للمزيد من المعلومات راجع: مكارم شيرازيّ؛ 1413ق:19/226 )

 [2]-  الحواميم هي سبع سور تبتدئ بالحروف المقطّعة «حم» و أسماؤها كالآتي:«غافر»، «فصّلت»، «الشورى»، «الزخرف»، «الدخان»، «الجاثية»، و«الأحقاف» وفيها آيات عديدة في فضائل أئمّة أهل البيت عليهم السلام وردت في «شواهد التنزيل» وغيره من كتب أهل السنة.