تصنیف البحث: الأدب العربي
من صفحة: 15
إلى صفحة: 30
النص الكامل للبحث: PDF icon 170702-102311.pdf
خلاصة البحث:

من السمات البارزة في القصيدة الحديثة هي التحول من الانفعال العاطفي الى التعبير بالمعادل الشعوري والتصويري والاعتماد على التركيز والتكثيف الدلإلى في تقديم المضمون الشعري، بطريقة إيحائية توحي بالمشاعر و الأحاسيس والأفكار، فلا تعبر تعبيراً مباشراً. لتحقيق هذه السمة في القصيدة لجأ الشاعر المعاصر إلى مجموعة من الأدوات و التقنات الفنية الشعرية؛ كالرمز و الصورة الشعرية، كما أستفاد من الفنون الادبية الأخرى كالمسرحية و الرواية، فاستمد الشعراء من تلك العناصر و حاولوا الخروج من بنية الغنائية المفرطة للقصيدة الرومانسية إلى البناء الدرامي، فاستلهموا شخصيات و أحداث من التراث الانساني، محاولين إضفاء الأبعاد المعاصرة لتجاربهم على ملامح هولاء الشخصيات و التعبير من خلال أقنعة و رموز تجسد فيها رؤاهم و يتوحدون معها. ظهرت «تقنية القناع» كوسيلة جديدة في الأداء الشعري، توفر خصائص التعبير الرمزيِ و تتجاوز غنائية الذاتية صوب الغنائية الدرامية و التوغل في وهدة الذات، صوب الموضوعية.

قد وجد الشاعر المعاصر في مغامرات "السندباد" و رحلاته إمكانيات فنية رائعة للتعبير عن جوانب تجربته. و تعددت ملامح السندباد و وجوهه بتعدد أبعاد تجربة الشاعر المعاصر.تطرقت هذه المقالة إلى الدلالات الرمزية للسندباد وكيفية توظيف هذه االشخصية عند أحد أبرز الشعراء المعاصرين الذين أفادوا من هذا الرمز وهو بدر شاكر السياب، فهو لا يكتفي باستعارة دلالات مغامرات السندباد التراثي بل يضفي على هذه المغامرات ملامح تجربته المعاصرة و يحور ملامح شخصية قناعه لتناسب مواقفه و أحداث حياته المعاصرة.

البحث:

المقدمة:

لا شك أن التجربة الشعرية للشاعر الحديث أصبحت أكثر تشابكاً و تعقيداً من تلك التجربة الذاتية البسيطة التي تتسع لها القصيدة الغنائية وتستوعبها، و تغير مفهوم القصيدة الحديثة إذ تعتبر القصيدة نوعاً من الكشف و الإرتياد، بمقدار ما هي نوع من المعاناة المرهقة و الجهد المضني. و القصيدة بالنسبة للشاعر مغامرة يحاول خلالها أن يعيد اكتشاف الوجود([1]).

و نتيجة لطبيعة الرؤية الشعرية في القصيدة الحديثة  إبتعد الشاعر الحديث عن بنية الغنائية للقصيدة و إستعاض عنها  بتوفير بناء درامي في التعبير عن معاناته و بذلك تتخلى القصيدة عن ضبابية الرومانسية و إنطوائها. لتحقيق هذه السمة في القصيدة لجأ الشاعر المعاصر إلى مجموعة من الأدوات و التقنيات الفنية الشعرية؛ كالرمز و الصورة الشعرية، كما أستفاد من الفنون الادبية الأخرى كالمسرحية و الرواية، فنظراً إلى تشابك و تعقيد التجارب الشعورية الحديثة و إيحائية الصور الشعرية و ابتعادها عن التقريرية و الخطابية إذ هي أبرز عيوب الصورة الشعرية في القصيدة العربية أوهي بالأحرى أبرز عيوب الصورة الشعرية عموماً من وجهة نظر نقدية حديثة([2])، و إنطلاقاً من فريضة أَن على الفنان أن يجد دائماً الأشكال الفنية للتعبير، و أن يواصل البحث عن الأسإلىب و الأشكال الملائمة لرؤية الواقع و القادرة على تجسيد رؤية شاملة متجاوزة، ظهرت «تقنية القناع» كوسيلة جديدة في الأداء الشعري، تتوفر خصائص التعبير الرمزيِ و تتجاوز غنائية الذائية صوب الغنائية الدرامية و التوغل في وهدة الذات و ما فيها من ذعروأمل، صوب الموضوعية. كان هذا الاتجاه بالقصيدة من الذاتية الى الموضوعية و من الغنائية الى الدرامية نتيجة لبعض الأفكار و المباديء التي سادت الشعر الغربي و من أهم هذه الأفكار فكرة "المعادل الموضوعي" (objective correlative). فاستمد الشعراء من تلك العناصر و حاولوا الخروج من بنية الغنائية المفرطة للقصيدة الرومانسية إلى البناء الدرامي، فاستلهموا شخصيات و أحداث من التراث الانساني، محاولين إضفاء الأبعاد المعاصرة لتجاربهم على ملامح هولاء الشخصيات و التعبير من خلال أقنعة و رموز تجسد فيها رؤاهم و يتوحدون معها.

تناولت هذه المقالة اسباب رجوع الشاعر المعاصر إلى التراث وتعامله معه فنيا، بصورة عامة،  وتسعي أن  تميط اللثام عن كيفية توظيف شخصية "السندباد" عند بدر شاكر السياب  بصورة خاصة، و تحاول أن تجيب عن سؤإلين أساسين بالنسبة إلى هذا الموضوع؛ الأول: كيف توظف شخصية "السندباد"عند السياب؟ وهل هذه الشخصية قادرة على تجسيد مواقف الشاعر؟ الثاني: هل أستطاع الشاعر أن ينجح في استخدام هذا الرمز للتعبير عن تجربته الشعرية؟ أم  أنه أخفق؟

1. إستدعاء الشخصيات التراثية:

      شاعت في الشعر العربي المعاصر ظاهرة إستخدام الرموز و الشخصيات التراثية للتعبير عن التجارب الشعرية على نحو لم يعرفه الشعر العربي من قبل. و قد بادر شعراء الحداثة إلى إستدعاء الشخصيات التراثية في التعبير عن تجاربهم و معاناتهم و أكثروا من توظيف هذه العناصر الحية و القادرة على الديمومة، و تفاعلوا تفاعلاً عميقاً مع التراث «باعتباره أداةً فنية من أدوات الشعر التعبيرية، لما فيها من ايحاءات، و ما تحمله من سماتِ الحياة و الحيوية الشعرية»([3]).

فالتفت الشعراء المعاصرون إلى المكونات التراثية (بأنواعها: الدينية، الأدبية، الصوفية، الفلكلورية (الشعبية)، الاسطورية...) فوجدوا فيها شواهد بارزة، لها طاقات تعبيرية لامحدودة تنطق  بتجربتهم،

و أنّها لاتزال منبع ثري، و تصلح أن تبقى مركز اشعاع يستعين بها الشعراء و لقد تميزت هذه العلاقة بالتراث كمادة معرفية و مرجعية شعرية، بأنّها تصدر عن وعي عامد تجاه هذا المنجز الانساني؛ وليس كتلة آتية من الماضي علينا قبولها كاملة، و الانحباس داخل قدسيتها.([4])

فالتراث عند البياتي «هو ما كان و يكون و سيكون»([5])و يمثل حقلاً معرفياً خصباً له عناصر حية  تصلح أن تكون قادرة على التجدد و التموضع في نصوص جديدة و تستعصي على الإستهلاك الآني لما تختزنه من الخصوبة و الثراء([6])و تتجاوز صلة الشعراء بتراثهم دائرة الماضي لتحتضن الحاضر ايضاً، فهو عندهم حافل بالمواقف والدلالات. فحاول الشعراء أن ينظروا إليه من بعد مناسب، و أن يتمثلوه جوهراً و روحاً و مواقف، فادركوا فيه بذلك أبعاده المعنوية.([7])

فتعاملُ الشاعر العربي المعاصر مع التراث و اهتمامُه باستيحاء تجارب السالفين، و تعميق إرتباطه بها و «بثُّ عناصر الديمومة فيها يعتبر إجابة للدعوة الإليوتيه عن طريق إمتلاك الحاسة التاريخية و الحاسة النقدية الواعية التي تعرف عناصر الخلود و الاستمرار، و القادرة على تجاوز الماضي إلى الحاضر»([8])، و لكن هل يمكن أن نعتبر دعوة إليوت الباعث الوحيد لإعتناء الشعراء المعاصرين بالتراث؟

يبدو أنّ الإجابة عن هذا السؤال سلبية، إذ أنّ الأسباب التي دفعت اليوت ليعود إلى تراثه القديم تختلف عما عليها الشاعر العربي المعاصر، فلقد وجد إليوت نفسه في خضم بناء حضاري معقد «غلبت عليه النزعة المادية فقلّت فيه كل روحانية و تركته جدباً مقفراً»([9])، و تفرض الحضارة الحديثة نفسها عليه و هو يعاني قضية حضارته القديمة التي أصبحت هرمة تخطوخطى سريعة إلى الموت، فكانت قصيدته المعروفة (الأرض الخراب) قصيدة قاسية، تذكرنا بجهلنا و تأخرنا و سيرنا نحو التفسخ؛ و لأنّنا نسينا التراث و الماضي([10]) و لكن الشاعر العربي المعاصر «لايقف لينعى حضارة تموت، بل ليبشر بولادة جديدة»([11]).

2. إليوت و نظرية"المعادل الموضوعي"« objective correlative»

إستفاد إليوت من ميزة الابتعاد عن العواطف الذاتية عند الرمزيين و آخذ يصرّح بأنّ الشاعر يجب أَن يبتعد عن الذات و عن كل ما هو شخصي، و ألايستسلم لسلطان انفعالاته، بل إِن تقدم الفنان ما هو إلا دأبه على التضحية الذاتية و محو شخصيته،  و الشعر ليس إسالة انفعال و التعبير عن الشخصية، بل فرار من كليهما.([12])

فقد كان إليوت «يرى أنّ عواطف الشاعر ليست في ذاتها هامة، اي كما قال في توضيح بعض أشعار فإليري: مركز القيمة قائم في الأنموذج الذي نصنعه من مشاعرنا و ليس في مشاعرنا نفسها». ([13])

يطلق إليوت ما يقصده بالأنموذج اسم المعادل الموضوعي و هو كما يقول: «الطريقة الوحيدة للتعبيرعن العاطفة في قالب فني بإيجاد «معادل موضوعي» لها، و بعبارة اُخرى مجموعة من الموضوعات، أو موقف، أو سلسلة من الأحداث تشكل وعاء لهذه العاطفة الخاصة، بحيث تنفجر هذه العاطفة في الحال عندما تقدم الأحداث الخارجية موضوعة في تجربة حسية.»([14])

يشير الدكتور أنس داود في كتابه الفريد عن استخدام الأسطورة في الشعر العربي إلى هذه الميزة  قائلا؛ إن من أهم خصائص الشعرية في قصيدة"الارض الخراب"هو "خلق نموذج فني حي، يتجسد في نفسية المتلقي، و أمام عينيه، تلتقي فيه –مركزة –النوازع و الرغبات....فيؤثر في القارئ  على نحو لا يؤثر فيه البث الذاتي المباشر....".([15])  لقد تأثر شعراء العرب من بين ما تأثروا به من جوانب تجربة اليوت الشعرية والنقدية ـ بنظريته هذه في «المعادل الموضوعي» أو التعبير بالصور، إستخدم الشاعر المعاصر الشخصيات التراثية كمعادل موضوعي لتجربته الذاتية حيث يتخذها قناعاً  يبث من خلاله أفكاره و خواطره و هذا يعني أن الشاعربدل أن يقول أنا جائع، فإنه يسلسل عدداً من صور الجائعين و هذا أوقع في النفس عند المتلقي من قوله تقريراً أنا جائع.([16]) فالتعبير بالصور الموحية و المكثفة بدل التشبيه و الإستعارة و تجاوز لغة المعاجم الميتة إلى لغة الحياة المتوترة الموحية و إستلهام الأسطورة و توظيف الرموز الاسطورية و الشعبية كانت من مداخل الوصول إلى موضوعية القصيدة و دراميتها  و رمزيتها، و هذه الخصائص هي التي تتأسس عليها قصيدة القناع([17]).

و لم تكن تقنية القناع شائعة ضمن وسائل الأداء في شعرنا الحديث قبل أن يدخل اليوت شعراً و أفكاراً. فالتعبير بالرمز القناعي و المعادل الموضوعي أخذ ينتشر في بنية القصيدة المعاصرة، فاتخذ الشعراء بديلاً فنيا لعواطفهم محاولين إضفاء لون من الدرامية و الموضوعية على الشكل الفني لتجريتهم وأايضاً استعاروا بعض تكنيكات الفنون الموضوعية، كفن المسرحية و القصة و السينما، فشاعت أسإليب الحوار و أسلوب القص و تعدد الأصوات و المونولوج الداخلي، و تنوع استخدام القناع في الشعر العربي المعاصر، و إمتدت قصيدة القناع على مساحة واسعة من الشعر العربي، و إنعطف نحوها شعراء الرواد كالسياب و خليل حاوي و البياتي و صلاح عبد الصبور و أدونيس، و راح هولاء ينقبون في بطون الكتب باحثين عن أقنعة  تتلائم و تجاربهم المعاصرة([18]).

3. القناع في الشعر العربي المعاصر

القناع « MASK» في الشعر العربي المعاصر وسيلة درامية تخفف من الغنائية و المباشرة، و هو رمز يُضفي الشاعر بواسطته على صوته نبرة موضوعية، من خلال شخصيات تاريخية، أسطورية أو من خلال عناصر الطبيعة، و يتحدث من ورائها عن تجربته المعاصرة بضمير المتكلم عادة.

و لابد أن نفرق بين الشخصية الشعرية- القناع و بين الشخصية الشعرية التي ليست قناعاً، فلا يمكن إعتبار كل قصيدة تحتوي على خصائص المونولوج الدرامي قصيدة قناع.  و هذا الرأي هو ما يناقض تقرير اليوت في آرائه حيث يذهب إلى أنّ صوت الشاعر المهيمن على قصيدة المونولوج الدرامي هو صوته متحدثاً من خلال القناع. فاليوت يرادف ما بين المونولوج الدرامي و قصيدة القناع و بين الشخصية الشعرية، و الشخصية الشعرية- القناع ([19])، إن القناع أسلوب تعبيري جديد يتكلم الشاعر من ورائه عن بعض شواغله و همومه الفكرية([20]) أو «عن المحنة الإجتماعية و الكونية»([21]) اُو«ليعبر عن موقف يريده، أو ليحاكم نقائض العصر الحديث»([22]). والشاعر المعاصر باستعارة الشخصيات يتقمص خواطرها، و يعبر عن موقفه. فلذلك يكون القناع وسيطاً «يتيح لشاعرأن يتامل- من خلاله- ذاته في علاقاتها بالعالم فيبطيء القناع من إيقاع التدفق الإلى لإنفعالات الشاعر»([23]) والصوت المسموع في القناع ليس صوت الشخصية المتقنع بها، و لاصوت الشاعر على إنفراد بل «هو صوت مركب من تفاعل صوتي الشاعر و الشخصية معاً»([24]) و نتاج علاقة تفاعليه بين قطبين، أنا الشاعر و أناه المغاير (الذي يحمله القناع) تتم في إطار تجربة رؤيا داخلية،‌ يحكمها ديالكتيك تماهٍ يتمظهر في ديالكتيك تناص يتجاوب معه ويوازيه».([25])

فان القناع محصلة العلاقة بين هذين الطرفين و ينطوي على عناصر منها، دون التطابق مع أحدهما بالضرورة. و قد يكون القناع أقرب إلى أحد الطرفين ولكن القرب شيء و التطابق شي آخر.([26])

4. المصادر التراثية: (التراث الشعبي أو الفلكلوري نموذجا)

إن التراث الشعبي بأ نواعه المتنوعة (الحكاية، الأغنية، المثل، التقإليد) يعد من أهم مصادر الشعر العربي المعاصر الذي ينبع من اللاوعي الجمعي، يتميز بتعبيره عن قضايا الناس و تطلعاتهم، و هو في ضمائر الناس لأنّه خلاصة تجارب انسانية ممتدة منذ أزمان سحيقة.

لهذا التراث ميزة خاصة و أهمية واسعة إذ يتعامل الشعراء معه ضمن رؤية واعية، لأنّه «تراث قريب حي، و حين يلجأ إليه الشاعر لايحس أنّه مثقل بما في الماضي الطويل من خلافات و مشكلات»([27]). فكثيراً ما يدخل في الشعر بشكل تلقائي تكشف عن حيويته و ديناميته في التجارب الشعرية و تؤثر في تطوير اللغة الشعرية.([28]) إهتم السياب بالحكايات الشعبية و أفاد منها لتخصيب نصوصه، إذ هو يعتبر الماضي وليد الحاضر،حيث يقول: «فالانسان كائن ذو ماض....و من هذ الماضي و هذه الجذور، ياتي الأمل...من هذا الماضي –الجذور-تتكل هامة الشجرة، عبر جذعها الأجرد إليابس هذا الحاضر بالورق و الزهر والثمر».([29])

إن أحد أقسام الحكايات الشعبية هو كتاب الف ليلة وليلة، الذي يعد أهم مخزون مدون للحكايات الخرافية و قصص الأسفار و المخاطر و النوادر.إهتم الأوربيون بشخصيتي شهريار و السندباد في ألف ليلة و ليلة،.([30])  فبعد أكثر من قرنين من اهتمام الغرب بالسندباد التفت ادباؤنا إلى هذا المصدر الخصب و ظفر باهتمام معظم الشعراء المعاصرين  فأدركوا قيمته الفنية و قوة طاقاته الايحائية، و اما سندباد  الف ليلة و ليلة، فهو تاجر يجوب بسفينته البلدان للتجارة بحثاً عن الطرائف، و قد قام بسبع رحلات مليئة بالمغامرات العجيبة يتعرض في رحلاته للكثير من العجائب و المخاطر و المواقف الشاقة لايخرج منها إلا بعد عناء و مغامرة، و كان عقب كل رحلة يعود و يوزع على ندمائه ما جلب معه من كنوز في رحلته، ليعود بعد ذلك إلى رحلة جديدة، و مغامرة جديدة. فالدوافع وراء هذه الرحلات هو التجارة و المغامرة و الفضول و الطمع. و كان السندباد من حيث هذه الدوافع وبما فيه من تطلع وقلق و رفض دائم للواقع و لرتابة الحياة الاجتماعية و غيرها كان  رمزاً لانعتاق الانسان  من الواقع، وطموحه إلى الحرية، و الرغبة في الكشف عن المجهول بالمغامرة و ركوب الخطر، و تجاوز المكرور السائد.

إستهوت هذه الدلالات كلها الشاعر العربي المعاصرو دفعته إلى توظيف هذا الرمزالثري باعتباره مسلكاً إلى تجاوز الواقع العربي المهزوم، و استشراقاً إلى عوالم أكثر رحابة تمكنه من تحقيق الذات الفردية و الجماعية. هذه الشخصية عادية وغيرعادية في‌ الوقت نفسه، هي عادية على المستوى الجمعي للإنسان لأنها قصة الإنسانية إجمالاً ـ و في الإيجاز ـ هي قصة المغامرة في كشف المجهول. وهي غيرعادية على المستوى الفردي الذي جعله شخصية رمزية أو رمزاً، فطبيعة الرمز تجمع في وقت واحد بين الحقيقي و غير الحقيقي([31]). و لعل الد كتور أنس داود لم يبالغ حين يقول:«اذا رصدنا – في مجتمعنا العربي- نزعة عامة خلال العشرين عاما الماضية فربما وجدنا أبرز هذه النزعات محاولة الخروج من قيم الماضي  الفكرية و الاجتماعية و محاولة تحطيم  العزلة التي فرضها علينا الاستعمار و.......... محاولة سبر الوجود العربي، و الرحلة داخل النفس العربية لاستخراج كنزها الدفين، والتعرف على جوهر خصا ئصها و مكوناتها التاريخية العميقة، و التشوف إلى تطلعاتها في حياة حرة كريمة.

 ولوجدنا أن شعراءنا قد استطاعوا أن يحلوا هذه النزعات  في نموذج فني مستخرج من التراث الشعبي

 تتجسد فيه نزعات التجاوز للواقع، والتشوف للمعرفة، والبحث عن عالم بلا تخوم....وهذا النموذج هو «السندباد»»([32]).

إستغل الشعراء هذه الشخصية الغنية بدلالات، مباشرة أم بصورة غير مباشرة. و لقد تصور كل شاعر في وقت من الأوقات أنّه هو السندباد فقد تقمصوا شخصيته ووصفوا حياتهم برحلة سندبادية جديدة. قد وجد الشاعر المعاصر في مغامرات السندباد و رحلاته إمكانيات فنية رائعة للتعبير عن جوانب تجربته التي هي بدورها مغامرة مستمرة في الكشف و إرتياد المجهول بحثاً عن كنوز الشعر. و من ثم تعددت ملامح السندباد و وجوهه بتعدد أبعاد تجربة الشاعر المعاصر. لا يكتفي الشاعر المعاصر باستعارة دلالات مغامرات السندباد التراثي بل يضفي على هذه المغامرات ملامح تجربته المعاصرة، و يحور ملامح شخصية قناعه لتناسب مواقفه و أحداث حياته المعاصرة.

إن الشاعر المعاصر عندما يلجأ إلى استخدام الرموز، كثيرا ما يضيف إليها أبعاد تجربة معاصرة جديدة، بل يفككها ولا يستدعيها بحالتها الماضية،  فالرمزالشعري مرتبط كل الإرتباط بالتجربة الشعورية التي يعانيها الشاعر، والتي تمنحه  الشعرية، فالتجربة وحدها هي التي تمنح الأشياء أهميةً. وطبعا لذلك  فليس هناك كلمة أصلح من غيرها لتكون رمزاً؛ من حق الشاعر أن يستخدم أي رمز أو موقف دون آخر. فالتجربة الشعرية الخاصة و السياق الخاص بُعدان أساسيان عند استخدام الرمز الشعري و لهذا مهما ضرب الرمز بجذوره في التاريخ و ارتبط بتجاربه الأساسية النمطية(أي بوصفه حياً على الدوام) فلابد أن يكون مرتبطاً بالحاضر، و بالتجربة الشعورية الحإلىة،حيث القيمة كامنة في لحظة التجربة ذاتها، و ليست راجعة إلى صفة الديمومة الخاصة لهذا الرمز و لا إلى قدمه([33]).

قناع السندباد عند السياب:

   قبل أن ندخل في صلب الموضوع نشيرإلى محاولة السياب لتحوير ملامح الشخصيات التراثية و تحميلها مضامين جديدة، فهو يخرج على الدلالة المتعارفة للرموز، عن جوهرها الثقافي، ولكن في حالة لا يزيح دينامية هذه الرموز و فاعليتها إلى ما يتناغم مع  معطيات الواقع، وكيفية ابصاره و تحريكه وزخه بالرؤي. ومن ثم فانه تجاوز سابقيه من الرومانسيين و الرمزيين العرب، حيث «يحيل الواقع أو الواقعة إلى الأسطورة، لا تمثل الأسطورة فنيا فحسب»([34]). هذه المحاولة جعلت عبدالرضا علي  يتطرق إليها في فصل كامل خلال دراسته عن الشاعر([35]). ثم نشير إلى عملية إختيارالأقنعة والرموز الموظفة، حيث يمكن أن نقول إنّ هذه العملية قد جاءت محكومة بتطورات الواقع التاريخي من جهة، وتطورالوعي الناجم عن تلك التطورات، وتحوير ملامح الأقنعة من جهة أخرى. للدلالة على هذا نشيرإلى موقف السياب الذي تطورت «أقنعته» بتطورحياته، أو بتطورالمواقف التي تعّرض لها في حياته.([36])

يمكن لنا أن نقسم الأطوارالأساسية لحياة الشاعر على أربعة أطوار، وكل من هذه الفترات يمثل طوراً جديداً في حياته، و هي: 1- طور «الإلتزام» بالثورة  2- طور «القلق و التوتر»  

3- طور «التخلي عن الإلتزام» بالثورة  4- طور« المرض»([37])

    فإن الأقنعة الفينة للشاعرتطورت على نحو منسجم - وإن لايمكن تحديدها دقيقاً-  مع تطورات وأطوارحياته. حيث يؤكد هذا أنّ السياب قد بادر في المرحلة الأولى إلى توظيف رمزين «تموز و مسيح» ([38])وإنه ظل يمزج  بينهما ويتقمص الشخصية الناتجة، مواجهاً أحداث عصره و مجتمعه، فهو يتعرض للسجن ـ للصلب ثم يحيا كل مرة من جديد بمجرد خروجه من السجن أو نزوله من فوق الصليب([39]).

في مرحلة «القلق و التوتر» الذي يبدأ من عام 1953 م تقريباً، يبرز قناع رئيس آخر هو «السندباد» و «عوليس» بخاصة، «هذا الإستخدام بمنزلة الإستجابة الطبيعية لحالة القلق الذي صاحب إهتراز الممنوعات النضإلية في وعي الشاعر و من ثم: إهتزاز روابطه الحـزبية و بداية تلمسه طريقاً نضإلياً آخر يتواءم مع تفكيره في هذه المرحلة، و مع إمكانياته و تطلعاته([40]).»

و في الطور الثالث فقد السياب قدرته على التجدد والإنبعاث مرة أخرى فقد صار مسيحا ومسيحيا فقط. وأمّا في فترة المرض وهي مرحلة العذاب الجسمي  و النفسي التي عاني منها بسبب المرض و عزلته، فقد تظهر في قصائده  شخصية النبي «أيوب »([41])، و ترافقه هذه الشخصية على مرحلة كاملة من مراحل تطور الشاعر الشعري، كما حمّل أبعاد تجربته المعاصرة على شخصية السندباد أيضاّ.

فيتمسك بشخصية النبي «أيوب» رمزا للصلابة في حمل عذاب المرض و يستر خلفها في قصيدة «سفر أيوب» قائلا:

                        « لك الحمدُ مهما استطالَ البلاءْ

                        وَ مهما استبدَ الألمْ،

                        لك الحمدُ، إنً الرزايا عطاءْ

                        و إنً المصيباتِ بعضُ الكرمْ»([42])

وهكذا ظل الشاعر يتفاعل مع أحداث حياته و يختار الأقنعة المناسبة الموافقة لها، فيستغل السياب شخصية «السندباد» - الذي يبحر وحيدا ثم يواجه أخطارا رهيبة- في مجموعة من قصائده ([43])، و يبدو أنّ السندباد هو الرمز الغالب على صورتها، و قد نجده مماثلا لرمز «عوليس» و مشاركاً إياه في مضمون القصيدة([44])، إذ تتداخل صورة هذين الرمزين في ذهن الشاعر، و يكمل أحدهما أجزاء الهيئة التي يرسمها لهما، حيث الشاعر «يركز على شخصية السندباد و صنوه عوليس كطرف مضاد لشخصية الشاعر و حياته. فكل منهما ـ الرمز و الشاعر ـ جواب آفاق لكن أحدهما مغامر ناجح في سبيل غايات بناءه، والأخر مفروض عليه أن يرحل عن الديار و أن يجتاز البحار مريضاً ينشد العلاج...»([45]).

فيمكن اعتبار هذه التوحد بين الرموز ميزة اخري من ميزات الشعر العربي المعاصر حيث يلمح إليها أنس داود قائلا([46]): ومن خلال البحث في نتاج الشعري العام للشعرالمعاصر نري أن الشاعر يوحد بين الرموز المتباعدة  في الظاهر لاختلاف مصادرها و تنوع دلالتها التاريخية و الأسطورية، حيث تتحد دلالات هذه الرموز في جوهرها، و في هذا اكتشاف هام و هو وحدة الوجود الإنساني  في جوهره، برغم  تناثر جزئياته، على نحو ما نجد من الصلات بين تموز و المسيح والعازر وبين السندباد وعوليس.

ففي قصيدة «الوصية» مثلاً و هي التي حملت نفثات الهم الذاتي للشاعر وهو يرقد في أحد مستشفيات "لندن" يستخدم هذين الرمزين معاً، فيبدأ الشاعرقصيدته  بالحديث  عن عوليس، إذ يقول:

                     «لو أنّ عوليسَ و قد عادَ إلى ديارهِ

                     صاحتْ به الآلهةُ الحاقدة ُالمدمِّره

                     أن ينشرَ الشراعَ،أن يضلَ في بحاره

                     دون يقينٍ أن يعودَ في غدِ لداره

ثم يترك عوليس ليتحدث عن «السندباد» في تصوير معاناته:

                   «أخافُ أن أزلقَ من غيبوبةِ التخديرِ

                    إلى بحارٍ ما له من مرسى

                    و ما استطاعَ سندباد حينَ أمسى 

                   فيهنَّ أن يعودَ للعودِ و للشرابِ و الزهور،             

                    صباحها ظلامْ

                   ليلُها من صخرةِ سوداء.([47]) » 

و ربما نري أن أنضج استغلال لشخصية السندباد عند السياب، وأنجح القصائد التي استخدمت فيها هذه الشخصية، هي قصيدة «رحلَ النهار» التي تعتبرعند أحد النقاد «خيرمثال يوضح كيف يستخدم الرمز استخداماً شعرياً ناجحاً»([48]). يعود السياب في هذه القصيدة مرة اُخرى ليستعين فيها بمضمون الرمزين (السندباد و عوليس) معاً، حيث يمزجهما مزجاً فنياً بارعاً ويسعى الشاعر فيهما إلى شدّهما في صياغة واحدة. إن اقتراب دلالات الرمزين في هذه القصيدة دفع عزالدين اسماعيل إلى أن يقول:«إن السندباد هو الرمز الوحيد الذي يظهر في القصيدة، فهو يصادفنا بطريقة مباشرة أوغير مباشرة في كل جزء منها»([49]). إنّ السياب في إستغلال هذه الشخصية لم يتعامل معها من الخارج، أي لم يقحمها على السياق الشعري إقحاماً، مكتفياً بأبعادها الذاتية، ومغزى دلالتها عندالآخرين، بل أضفى عليها من موقفه الشعوري تجربته الخاصة ليعبرمن خلالها عن إحساسه بانتصارالمرض عليه، لان المرض أرخي بوطأته عليه  و الأحزان أرهقته، فهذا التوظيف العكسي صدي لقواه المستنزفة، حيث يرى نفسه سندباداً مهزوماً.

و لكنه في الوقت نفسه لم يحمل عليها من عنده أكثرمما تستوعبه الشخصية، بل الشاعر فيما أضفاه على الشخصية مازال مرتبطا بمعطياته الشعورية، و قد تكون بعض هذه المعطيات غير مكشوفة و الشاعرمن خلال موقفه الشعوري الخاص يكشفها و«من ثم حدث التلاحم بين تجربة الشاعر و الرمز الذي استخدمه، فاذا الرمز يعطي التجربة بقدر ما يأخذ منها...»

تبدأ القصيدة بقول الشاعر مخاطباً زوجته:             

             «رحلَ النهارْ

             ها إنه انطفأتْ  ذبالتُهُ على أفقِ  توهَّج  دونَ  نارْ

             و جلستِ تنتظرينَ عودةَ  سندباد من السِّفارْ               

             و البحرُ يصرخُ من  ورائِك  بالعواطفِ و الرعودْ

               هو لن يعود ([50]

فحين يخاطب الشاعر زوجته، فإن عوليس أقرب إلى الذهن من السندباد الذي ذكره الشاعر، حيث لانجد في رحلات سندباد ثمة إمراة تنتظر، بل المنتظرة الوفية هي زوجة عوليس(بنلوب)،التي  تماطل الخطاب بحيلتها المشهورة حتى يعود عوليس من جزيرة (أجوجيا) التي أسرته فيها الآلهة كإلىبسو أثناء عودته من حرب طروادة، فهو ارتدي قناع السندباد و عوليس معاً.أو تقمص الشخصية الناتجة منهما. ولكن كما ذكرنا فإن بدر شاكر السياب أضفي على السندباد من ملامحه الشخصية و تجاربه، فهو مريض و بعيد عن وطنه وهناك زوجته و اولاده ينتظرون إيابه. و في هذا المقطع نري أنه قد خرج لسفر طال أمره  و لكن احداً ينتظر عودته؛ لأنّ رحلاته مهما طال أمرها تنتهي بالرجوع و العودة دائماً  و لكن هذه المرة هو مسافر لاترجى أوبته (ها إنه إنطفأت ذبالته) و يؤكد هذا أنّ (البحر يصرخ بالعواصف و الرعود)، السندباد الشجاع قد صار في قبضة الأقدار و ليس بيده أن يعود، و فقد القدرة على العودة، فإن النهار قد رحل و جاء الليل المظلم، و لقد خرج السندباد من منطقة المعروف إلى المجهول و من الوجود إلى الضياع و العدم، فالسندباد لم يعد و ما كان هكذا السندباد القديم و لكن لاغرابة أنّ الشاعر هكذا رأه  أو رأى نفسه فيه([51]). لهذا فإن القصيدة صراخ إليأس و الخيبة:

                «هو لن يعودْ

                أو ما علمتِ بأنّه أسرته آلهةُ البحارْ

                في  قلعةٍ  سوداء في جذرٍ من الدمِ و المحارْ

               هوَ لن يعود،

                رحلَ النهارْ

               فلترحلي، هو لن يعودْ»([52])

فإنها رحلة مقطوع بعدم رجوع السندباد (الشاعر) منها (لن يعود)، هي رحلة الموت.

               «الأفقُ غاباتٌ من السحبِ الثقيلةِ و الرعودْ،

               الموتُ من أثمارهنّ و بعضِ أرمدةِ النهارْ

               الموتُ من أمطارهنَّ و بعضِ أرمدة النهارْ

               الخوفُ من ألوانهنّ و بعض أرمدة ِالنهارْ

              رحلَ النهارْ

              رحلَ النهارْ»

فلا جدوى في الانتظار للعودة و لامبرر له، و لكن زوجة عوليس لاتفقد الأمل في عودته و مهما تقدم

بها السن و فقدت نضارتها، فانها تنتظره و قد علقت حياتها على أوهى خيط من عودته. و لكن رغم هذه الآمال فهي لا تزال متعلقة بذلك الخيط الواهي. فصاحبة السندباد شاب شعرها الاشقر، إبتلت رسائل الحب بالدموع حتي إنطمس الكلام فيها و الوعود، و جلست تنتظر هائمة الخواطر:            

                   «خُصلاتُ شعركِ لم يَصُنْها سندباد من الدمارْ،

                   شربتْ أجاجَ الماء حتى شابَ أشقرها و غارْ

                   و رسائلُ الحبِ الكثار

                   مبتلةٌ بالماء منطمس بها ألَق الوعود ْ

                   و جلستِ تنتظرين هائمةَ الخواطرِ في دوارْ

فتحدث نفسها:

                 سيعودُ. لا. غرقَ السفينُ من المحيط ِإلى القرارْ

                 سيعودُ. لا. حجزتهٌ صارخةٌ العواصفِ في إِسار  

                 يا سندبادُ، أما تعود؟

                كادَ الشبابُ يزولُ، تنطفيء الزنابقُ  في الخدودْ

               فمتى  تعودْ ؟

               أوّاه، مدَّ يديك بين القلبِ عالمه الجديدْ

               بهما و يُحطم عالمَ الدم ِو الأظافرِ و السُعارْ

              يبني و لو لهُنيَهة دنياهْ

                آه متي تعودْ ؟([53]) »

إنّ حيرة الزوجة ظاهرة فهي تخاف من زوال شبابها، و لكن رغم كل ما ألم بها من ضيق و معاناة الانتظار، بقي عندها بصيص من الأمل، فإنها لاتزال تطمح في أنّ تعود يدا السندباد لكي تبنيا للقلب عالماً جديداً بعد ان تحطما عالم الدم و الأظافر و السعار، كما صنع عوليس بعد رحلته  عندما عاد، وحطم السعار الذي أحاط بزوجتة طوال غيبيته واعاد لقلبها نبضه الدافق.... فتجربة الشاعر تختلف عن تجربة عوليس(السندباد) حيث غلب إلىأس على الشاعر و لا يقدر أن يعود، و بهذا تظهر شخصية السندباد و لم تستخدم بملامحها و صفاتها بل أضفى عليها الشاعر من تجاربه و ملامحه الشخصية و التي يعانيها من المرض بحيث سيطرت عليه الخيبة و الوجع و يؤكد هذا التكرار الذي نراه في (رحل النهار) و (هو لن يعود).

فالسندباد (الشاعر) قطع بأنّ لا أمل في العودة من رحلته و يبدو في القصيدة كلها يريد أن يحمل هذه

التجربة على صاحبته و يكفها عن انتظاره و تنتهي القصيدة بقول الشاعر:

                    «رحلَ النهار

                    و البحُر متَسعٍ و خاوٍ. لاغناءَ سوى الهديرْ

                    و ما يبين سوى شراع ٍرنّحتهُ العاصفاتُ، و ما يطير

                   إلا فؤادك  فوقَ سطح الماءِ يخفقُ في انتظار

                   رحل النهارْ

                   فلترحلي، رحل النهار([54]

فالسياب باستخدامه البارع للرموز قد برع في تصوير حالته النفسية والجسدية وهو على فراش المرض، فهو حين أدر أن المرض قد ألح عليه فتقبل القدر المحتوم  وعبر عن تجربته العميقة الخاصة التي أثرت  في شعره كل الأثر، وتلمح هذه التجربة المريرة في  دواوينه الشعرية([55]).ففي قصيدة «حامل الخرز الملون»  ايضا، يلاحظ أنه يستغل هذين الرمزين بمدلول معاكس، حيث الشاعريبدأ قوله باستفهام انكاري عن نفسه؛ دون أن يذكرهما بصراحة:

                   «ماذا حملتَ لها سوي الخَرَز الملون والضباب؟

                   ما خضتَ في ظلمات  بحر أو فتحت كوي الصخور

                   و الريحُ ما خطفت قلوعَك، و السحاب

                   ما بل ثوبُك. ما حملتَ لها سوي العدم و العذاب([56]

فدورالرمز الأسطوري( السندباد-عوليس) تطور مرحلة الاستخدام  استعاريا و كونا جزئيا من بناء القصيدة إلى مهمة رئيسة  اخري عند الشاعر وهو «تلخيص التجربة الشعرية باستقطاب الأسطورة مع نفي جزئيات و تفصيلاتها الثانوية مع الإبقاء على الباعث الرئيسي فيها...........([57])» ومن ثم هذا النوع من التوظيف للأسطورة وجعلها بمثابة خلفية وجدانية فكرية للقصيدة  أقرب إلى منطق الفن منه إلى سردها مفصلا غير منتج.([58])

هكذا نرى أنّ السياب استطاع أن يمزج مزجاً فنياً بين شخصيتي السندباد و عوليس وصنع منهما «نموذجه الفني»، فأصبح السندباد العربي عوليساً ثم وحّد بينه و بين قناعه السندباد او (السندباد ـ عوليس) بنحو بارع، حيث «فكرة التوحيد بين الرموز فكرة سيابية» اساساً ([59]). فألقي الشاعر على قناعه من تجاربه الشخصية وإقتلع هذه الشخصية من الثراث الشعبي و جعل منه لمحنته مواجهة معاصرة، فرمز السندباد قد جمع بين مغزاه  العام الشعوري و المغزى الشعوري الخاص الذي يرتبط بتجرية الشاعر الخاصة و أفاد من ذلك المغزى العام بمقدار ما أضاف إلىه، و في هذا يتَمثل التعانق الصادق بين الحقيقي و غير الحقيقي و هو من أهم ميزات الرمز الشعري ([60]).

 فنجد أنّ السياب يكرر نفس هذا المنهج في قصائده الاُخرى، يستغل فيها السندباد، يسقط على مغامراته ملامح تجريته المعاصرة و هذه الملامح عند السياب هو الابتعاد عن الوطن و فقدان الأمل في العودة بسبب مرضه العضال، فالشاعر سندباد أتعبته كثرة الرحلات للشفاء من مرضه و كلما أحس بإليأس و الخيبة يرجو أن يصل إلى منتهى أماله و هو العودة إلى جيكور عند أسرته، كما نجده في قصيدة (أفياء  جيكور) يقول مخاطباً لجيكور:

                 «رُدّي السندبادَ و قد ألقته في جُزُرٍ

                  يرتادها الرخ ريحٌ ذات أمراسِ

                 جيكورُ لُمّي عظامي،  وأنفضي كفَني

                  من طينهِ، و أغسلي بالجدوَل الجاري

                  قلبي الذي كان شُبَِّاكاً على النارِ»([61])

بقي أن نشيرإلى أنّ الشاعر أستفاد من تكنيك حديث يتآزر مع استدعاء الشخصية التراثية  و هو الاسلوب الدرامي (الديالوج أو الحوار ) لتجسيد الموقف و نقل أبعاد تجربته المعاصرة. و بهذا أثبت السياب كاي شاعر معاصر آخر،« أنّ التجربة ليست ألا ثمرة للتفاعل بينه و بين العالم الخارجي»([62]) فدار الحديث بينه و بين زوجته، و أتاح الشاعر لها فرصة الكلام و التعبير في حين أنّه كان يقدر أن يستخلص نتيجة حواره بصورة مباشرة تقريرية و لكن جعلنا في مشهد مسرحي، تتنوع فيه الأصوات و هذا كون أدل و أكثر عمقاً و تأثيراً من غير شك. وفي الوقت نفسه اعتمد الشاعر لتبيين أبعاد مواقفه على أسلوب درامي آخر و هو المونولوج(الحوار الداخلي ):

                   « وجلست تنتظرين هائمة الخواطر في دوار:

                  «سيعود.لا. حجزته صارخة العواصف في اسار

                     يا سندباد، أما تعود؟

                   كاد الشباب يزول، تنطفيء الزنابق في الخدود

                   فمتي تعود؟»([63])

فعمد إلى تصوير حالة الكأبة والمعاناة لزوجته المنتظرة  من خلال حوار داخلي، فهي و  إن تعرف جيدا أن السنباد-الشاعر لن يعود، ولا تنتهي المفارقة بينهما إلا بمفارقته الحياة، لكنها باتت تنتظر عودته ولا تكف عن انتظاره، هكذا يسعي السياب «من خلال حوار زوجته الداخلي الخاص  يعكس انكسارات العام  وتوجعه، إنه بتعبير آخرعكس العام في خصوصية زوجته، فكان التوجع مشتركا. ولعل السياب  كان مشدودا إلى هذ التكنيك بحكم عوامل المرض و الغربة  والفاقة»([64])، وكان بوسع الشاعر أن يمضي في تصويرمخاطر تجربته و معاناة حياته بالإخبار عنها، ولكنه ملتفت إلى الإمكانية التعبيرية  المتوفرة في المونولوج الدرامي التي تضيف لشعره عمقا آخر، جاعلا أياه خلفا له بعده.([65]) هذا و إن الشاعر يعبر عن مشاعره بتقديم نموذج فني مع حياته النفسية و الفكرية الخاصة، استمده الشاعر من التراث، فابتعد الشاعر عن تلقائية القصيدة الغنائية، حيث لهذا النموذج  وجود مستقل عن ذات الشاعر، و إن يشف القناع أحيانا عن هذه الذات المبدعة.

أضف إلى ذلك أن الشاعر يرغب في أن يتحدث عن الشخصية و هذا موقف تتحقق الموضوعية  فيه أكثر اكتمالا من موقف يتحدث الشاعر فيه من خلال الشخصية المستدعاة، ففي هذا الموقف يستعير أسلوب القص بدل الحوار في الثاني، فيبث عواطفه و أفكاره من خلال شخصية اخري، ومن ثم ينأي عن الذاتية و الخطابية و بهذا كله  تتوفر الموضوعية المنشودة على ساحة القصيدة  المعاصرة.([66])ولكن يجب أن لاننسي ما ذكره أنس داود  حول توظيف السندباد لدي السياب، قائلا: إ نه فقد تشوبه حينا نزعة ذاتية، فيقترب بذلك من رمز ذاتي بدل أن يكون نموذجا فنيا([67]).

الخاتمة:

كانت حياة بدر سلسلة متتإلية من الحزن و الوجع والقلق وهذا يبدو واضحا لدارسي حياته و  من خلال  شعره([68]).فهو منذ نعومة أطفاره أصيب بمآس بدأت بموت أمه و زواج أبيه ودمامة الخلق و نفور الحبيبات منه والفقر و اخفاقه في العمل السياسي ثم الفشل في الحب و الزواج و الغربة والمرض([69]).

والمرض لعب دورا أساسيا في هذه السمة الانهزامية للسندباد لدي الشاعر، بل ربما تجاوز المرض اشتغال هذ الرمز الشعبي إلى الاستخدامات الانكسارية  لرموز اخري، كما حين يهجس المرض بخواء التفرقة  بين شخص السياب و فنه، فانه يستحيل البعث لتموز و يتوعد الحياة بالفناء، هذا الوعيد  ابن  شرعي لرغبة الشاعر المريض في العافية ([70]):

               «هيهات...... أن تولد جيكورُ

               إلا من خَضًة ميلادي؟

                هيهات......أينبثق النور

                و دمائي تُظلم في الوادي؟([71])

يري أحد دارسي الشعر المعاصر أن توظيف الأسطورة والرمز لدي السياب يمر بمرحلتين أساسيتين، الأولي يسميها الأسطورة الموضوعية، حيث كانت الأسطورة تعبيرا عن واقع حضاري و

تحتشد فيها  أسماء تموز و بابل وعشتارو أدونيس. بينما يسمي المرحلة الثانية الأسطورة الذاتية، وتتردد فيها أسماء السندباد و عوليس و المسيح والعازر وأيوب، و كانت تعبيرا عن ألم ذاتي أشعله  ثالوث رهيب:المرض و الغربة و الحرمان([72]).

فتماهي بدر بالأساطير والرموز ليفر من هذه الآلام لينتشل نفسه من هده القضايا و الأحداث المؤلمة، و لكنه عجز عن السيطرة عليها. تطرقت هذه المقالة إلى كيفية محاولة الشاعر استخدام الشخصية التراثية (السندباد)، وحاولت أن تجيب عن سؤإلىن طرحا في الصفحات السابقة؛ فالسياب عندما يوظف السندباد قناعاً لنفسه يحور ملامحه و يستخدمه استخداماً عكسياً ولا طرديا، فالسندباد المعاصر الجواب بعد عودته منتظراً أهوال أسفاره محملاً بالكنوز و الهدايا، لن يقدر أن يعود، ومن جانب آخر فهو و إن يحطم الهيكل المتوارث للشخصية التراثية و يغيرها بالاضافة و الحذف  في بعض مكوناتها، إلا  انه يلتزم بالاطار الكلي أو المغزي الدلإلى العام للشخصية التراثية.

استطاع الرمز أن يستوعب موقف الشاعر، اذ هو حمله  تجربته الشعرية بكل عبئها و ثقلها من جهة، و في الوقت نفسه حمّلت هذه الشخصية معها وجهها الشمولي في التجربة الانسانية الشاملة  - التي هي قصة المغامرة في سبيل كشف المجهول -، هذا هو ما عبر عنه عزالدين إسماعيل  بالملامح الفردية و الجماعية للشخصية الرمزية...... فكان السندباد  رمزا صالحا لبّى حاجة الشاعر وكان أحد المحاور الأساسية في مدار تجربة السياب الشعرية،  و  كما يكون لهذا الرمز أبعاد نفسية، و فنية و حضارية عند كل من صلاح عبدالصبور و خليل حاوي، بل يعتبر من «النماذج الرمزية الكبري» عندهما، و لكن لا مجال لتقصي أبعاده  ضمن هذه الدراسة و ستأتي دراسة مختصة لهما  فيما بعد إن شاء الله.

المصادر و المراجع:

  1. «الأعمال الشعرية الكاملة»، بدر شاكر السياب، دارالحرية، بغداد، ط3، 2000م.
  2. «إتجاهات الشعر العربي المعاصر»، إحسان عباس، سلسلة عالم المعرفة، رقم 2، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الاَدب، الكويت، ط1، 1978م.
  3. «الإتجاهات و الحركات في الشعر العربي الحديث»، سلمي خضراء الجيوسي، ترجمة عبدالواحد لؤلؤة، مركزدراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2001م.
  4. «استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر»، علي عشري زايد، دارغريب، القاهرة،2006 م.
  5. «أسس النقد الأديي الحديث»، محمد غنيمي هلال، دارالثقافة، بيروت،1973م.
  6. «الاُسطورة في شعر بدرشاكرالسياب»، عبدالرضا علي، دار الرائد العربي، بيروت،ط2، 1984م.
  7. «الأسطورة في الشعر العربي الحديث»، أنس داود، مكتبة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ.
  8. الاُسطورة المحورية في الشعر العربي المعاصر، مختار علي ابوغإلى، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2006م.
  9. «أسطورة الموت و الإنبعاث في الشعر العربي الحديث»، ريتا عوض، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، 1978م.
  10. «أقنعة الشعر المعاصر مهيار الدمشقي » جابر عصفور، مجلة «فصول» (القاهره)، ج 1 ع 4،‌ يوليو 1981 م.
  11. «البحث عن معني، دراسات نقدية»، عبدالواحد لؤلؤة، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط3،1983م.
  12. «بدر شاكر السياب، دراسة في حياته وشعره»، احسان عباس، الموسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط6،1992م.
  13. «بدر شاكرالسياب، شاعر الوجع»، أنطونيوس بطرس، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس- لبنان، بدون تاريخ.
  14. بنية القصيدة العربية المعاصرة، خليل موسى، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م.
  15. «تجربتي الشعرية»، عبدالوهاب البياتي، بيروت، الموسسة العربية للدراسات و النشر، 1972 م.
  16. «تخصيب النص»، محمد االجزائري، منشورات أمانة عمان الكبري، ط1،2000م.
  17. «ت. س. اليوت، الشاعر و الناقد»، ف. أ. ماثسين.ترجمه د. إحسان عباس، المطبعة العصرية، صيدا، 1965 م.
  18. «التفسير النفسي للأدب»، عزالدين اسماعيل، القاهرة، ط1،1963م.
  19. «الحزن في شعر بدر شاكر السياب»، خلف رشيد نعمان،الدار العربية للموسوعات، ط1،2006م.
  20. «حياتي في الشعر»، صلاح عبد الصبور، مج 3، دار العودة، بيروت، 1969م.
  21. «دراسات في الشعر العربي المعاصر، القناع، التوليف، الأصول»، عبدالرضا علي، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، ط 1، 1995 م.
  22. «دراسات نقدية في أعمال السياب، حاوي،دنقل، جبرا»، سعيد الغانمي و آخرون،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،ط1،1996م.
  23. رسائل السياب، جمعها و قدم لها ماجد السامرائي، دارالطليعة، بيروت، 1975م.
  24. « الرمز والرمزية  في الشعر المعاصر»، محمد فتوح أحمد، دارالمعارف، ط3، 1984م.
  25. «الرمز و القناع في الشعر العربي الحديث، (السياب و نازك و البياتي)»، محمدعلي كندي، دارالكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2003 م.
  26. الشاعر العربي المعاصر و التراث»، عبدالوهاب البياتي، مجلة فصول، ج1،عدد4، 1981م.
  27. «الشاعر و الموقف»، عبدالوهاب البياتي، مجلة الموقف الأدبي، ع2، 1971م.
  28. «عن بناء القصيدة العربية الحديثة»، علي عشري زايد، مكتبة الآداب، ط5،2005م.
  29. «قصيدة القناع في الشعرالعربي المعاصر»، عبدالرحمن بسسيسو، تحليل الظاهرة، الموسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط1،1999م.
  30. «كاركرد سنت در شعر معاصر عرب، (بدر شاكر السياب، خليل حاوي.....»، احمد عرفات الضاوي، ترجمة سيد حسين سيّدي، دانشكاه فردوسي مشهد، ط1،1381 ه ش.
  31. «لغة الشعر العراقي المعاصر»، عمران خضيرحميد الكبيسي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط1، 1982م.
  32. «مرايا نرسيس، الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة»، حاتم الصكر، المؤسسة العربية  للدراسات و النشر و التوزيع، بيروت، ط1، 1999.
  33. «مغاني النص دراسات تطبيقية في الشعر الحديث»، سامح الرواشدة، المؤسسة العربية، بيروت، ط1، 2006م.

 

 

[1] - «عن بناء القصيدة العربية الحديثة »، علي عشري زايد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط5،2000م، ص 93.

[2] - المصدر نفسه، ص 103.

[3]-  «إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر»، علي عشري زايد، دارغريب، القاهره،٢٠٠٦،  ص80-85.

[4] -  «مرايا نرسيس»، حاتم الصكر، المؤسسة العربية  للدراسات و النشر و التوزيع، بيروت، ط1، 1999، ص218.

[5] -  «الشاعر العربي المعاصر و التراث»، عبدالوهاب البياتي، مجلة« فصول»، ج1،عدد4، 1981، ص120.

[6] - «الشاعر و الموقف»، عبدالوهاب البياتي، مجلة «الموقف الأدبي»، ع2، 1971. و راجع المصدر السابق ايضاً. نقلاً عن: «مغاني النص دراسات تطبيقية في الشعراالحديث»، سامح الرواشدة، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط1، 2006، ص11.

[7] - « الشعر العربي المعاصر،قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية،»، عزالدين اسماعيل، دار الثقافة، بيروت، ص28.

[8] -  الشاعر و الموقف، عبدالوهاب البياتي، ص85.

[9] -  «التفسير النفسي للأدب،» عزالدين اسماعيل، القاهرة،1963، ص114.

[10] - «البحث عن معني، دراسات نقدية»، عبدالواحد لؤلؤة،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1983م، ص76.

[11] - «أسطورة الموت و الإنبعاث في الشعر العربي الحديث»، ريتا عوض، الموسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، 1978، ص6. و ايضا «البحث عن الجذور»(فصول في نقد الشعر)،خالدة سعيد، دار مجلة شعر،بيروت1960،ص21.

[12] ـ « بنية القصيدة العربية المعاصرة»،خليل الموسي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م، ص203.و جدير بالذكر أنّ لهذة الرؤية صلة بالنتائج المعاصرة التي توصل إليها يونغ (1875- 1961) اذ يقول «فالأطوار الشخصية التي تتسلّل إلى عمل فني ليست جوهرية و كلما كثرت هذه الأطوار إنخفضت قيمة العمل الفنية. والمهم في أي عمل فني هو أن يرتفع فوق مستوى الحياة الشخصية..... ان المظهر الشخصي في نطاق الفن هو تحديد لإمكاناته بل هو إثم بحقه.... فالفنان في طلاقته الفنية، ليس عاشقاً لذاته أو لغيره كما أنّه ليس شهوانياً في أي حال، إنه موضوعي لا شخصي، بل يكاد يكون من غير البشر،إنه يتمثل في عمله كفنان لا ككائن» ينظر:« أسس النقد الأديي الحديث»، محمد غنيمي هلال، دارالثقافة، بيروت،1973م  269.

[13] ـ «ت. س. إليوت، الشاعر الناقد»، ف. أ. ماشين، ترجمه د. احسان عباس، المطبعة العصرية صيدا، بيروت، 1965م، ص 123.

[14] ـ  المصدر نفسه، ص 123 و 133.

[15] -«الأسطورة في الشعر العربي الحديث»، أنس داود، مكتبة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ،251.

[16] -«البحث عن معني دراسات نقدية»، عبدالواحد لؤلؤة،  ص68.

[17] -راجع: تعريف البياتي للقناع في «تجربتي الشعرية»،عبدالوهاب البياتي، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط3، 1993م، ص40.

[18] -  ثمة إنجازات مهمة حققت في أعمال  رواد حركة الشعر العربي المعاصر، فنجد في ديوان السياب أقنعة السندباد و السيد المسيح و النبي أيوب، و في شعر البياني أقنعة الحلاج و عمر الخيام و المعرّي و وضاح إلىمن، وقناع السندباد في ديوان خليل حاوي، و قناع مهيار و صقر قريش في شعر أدونيس و في شعرصلاح عبدالصبور قناع الملك عجيب بن الخصيب و بشر الحافي و السندباد، و في شعرأمل دنقل اقنعه سبارتاكوس و المتنبي و ابي نواس و كليب و إليمامة بنت كليب.

[19]- فقصيدة «المخبر» لبدر شاكر السياب تتوفرعلى خصائص المونولوج الدرامي و لكن ليست قصيدة قناع خلافاً لأراء بعض النقاد العرب المتأثرين بتحديدات اليوت للقناع. للتوسع انظر: «قصيدة القناع في الشعرالعربي المعاصر»، عبدالرحمن بسسيسو، تحليل الظاهرة، الموسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط1، 1999م.ص37 و ما بعدها.

[20] - «حياتي في الشعر» ضمن الديوان، المجلد الثالث، صلاح عبدالصبور، دار العودة، بيروت،1998م، ص185.

[21] - تجربتي الشعرية، عبدالوهاب البياتي،  ص40.

[22] -« إتجاهات الشعر العربي المعاصر»،إحسان عباس، سلسلة عالم المعرفة، رقم 2، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الاَدب، الكويت، ط1، 1978 م، ص 141.

[23] - «أقنعة الشعر المعاصر مهيار الدمشقي »، جابر عصفور، مجلة  فصول، القاهرة، مج1، ع4، 1981، ص123.

[24] - المصدر نفسه، ص123.

[25] - قصيدة القناع.....، المقدمة ص (ج).

[26] - اقنعة الشعر المعاصر، ص124.

[27]  - «إتجاهات الشعر العربي المعاصر»،إحسان عباس، ص150.

[28] - «الإتجاهات و الحركات في الشعر العربي الحديث»، سلمي خضراء الجيوسي، ترجمة عبدالواحد لؤلؤة، مركزدراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001م، ص791.

[29] - رسائل السياب، جمعها و قدم لها ماجد السامرائي، دارالطليعة، بيروت، 1975م، ص82

[30] -  دخلت شخصيات الف ليلة وليلة (السندباد، شهرزاد، علاءالدين)  في كتابات و قصص الأوربيين. لكن شخصية السندباد البحري  كانت أكثر إثارة لاهتمام الأوربين بعدم ترجمة مغامرات السندباد إلى لغاتهم فتأثر كتاب الرحلات في الغرب بقصص السندباد، و ألفوا من مثل هذه القصص و المغامرات كالذي نراه في «رحلات جايفر» و «روبينسون كروزو» و هما كتابان شهيران ترجما إلى معظم لغات العالم. كما تأثر «جون فيرن» و «هربرت جورج ويلز» الذي استلهم قصة طائرالرخ كما جاءت في مغامرات السندباد في كتابة بعض قصصه العلمية. راجع: «الاُسطورة المحورية في الشعر العربي المعاصر»، مختار علي ابوغإلى، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2006م، ص96.

[31] - الشعر العربي المعاصر.....، ص 203.

[32] - الأسطورة في الشعر العربي الحديث، ص304.

[33] - الشعر العربي المعاصر......،ص 198 ـ 200.

[34]- «تخصيب النص »، محمد الجزائري، منشورات أمانة عمان الكبري، ط1،2000م، ص151.

[35] ـ الفصل الرابع من «الأسطورة في شعر السياب». لمزيد من التفصيل راجع:اتجاهات الشعرالعربي المعاصر،ص169 و "دراسات نقدية في أعمال السياب، حاوي،دنقل،جبرا"، سعيد الغانمي و آخرون،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1996م، ص15 و16.

[36]- «الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية »، عبدالواسع الحميري، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر، بيروت، ط1، 1999م، ص 176 و 177.

[37] ـ  بينما  نري بعض التقسيمات الاخري لحياة الشاعر عند الاخرين؛انظر تخصيب النص ص153و ما بعدها والأسطورة المحورية.....ص75.

[38] ـ راجع: «بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره»،إحسان عباس، الموسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،ط6،1992م، ص232.

[39] ـ معظم القصائد التي تضمنت رموز السيد المسيح: جيكور و المدينة، في غابة الظلام، مدينة السندباد،المسيح بعد الصلب.

[40] ـ الذات الشاعرة......، ص  177.

[41] ـ إستدعاء الشخصيات التراثية...ص 241. راجع قصيدة"سفر أيوب" و"قالوا لأيوب"من الديوان.

[42] - الأعمال الكاملة، ص 149.

[43] ـ من هذه القصائد:الأعمال الكاملة: الوصية، 134، رحل النهار، 141، و حامل الخزر الملون، 149، و الليلة الإخيرة، 171.

[44] - من القصائد التي استخدم السياب فيها رمزي السندباد و عوليس أو في دائرتهما:قالوا لايوب، منزل الأقنان،الوصية، شباك وفيقة، المبعد الغريق، أغنية بنات الجن، دار جدي. يرمز بهذين الرمزين في الشعر العربي إلى الرحلة والتجواب، وأضاف  السياب  شخصية "حسن البصري"إلىهما  انظر: قصيدة« الليلة الأخيرة»  من الديوان.

[45] - الأسطورة في الشعر العربي الحديث، 287.

[46] -المصدر نفسه، ص251.

[47] - الأعمال الكاملة،135.

[48] - الشعر العربي المعاصر، ص 207.

[49] - المرجع السايق،ص207.

[50] -الأعمال الكاملة، ص141.

[51]- الشعر العربي المعاصر، ص209.

[52] - الأعمال الكامة، ص141.

[53] - المرجع السابق، ص 142.

[54] -الأعمال الكاملة، ص 142.

[55] ـ «الحزن في شعر بدر شاكر السياب»، خلف رشيد نعمان،الدار العربية للموسوعات، ط1،2006، ص 117.

[56] الأعمال الكاملة، ص 149.

[57] -« الرمز والرمزية  في الشعر المعاصر»، محمد فتوح أحمد، دارالمعارف، ط3، 1984م، ص300. ينظر:قصيدة «الوصية» و «المعبد الغريق» في هذا المضمار.

[58]- المرجع السابق، ص301.

[59] ـ «دراسات في الشعر العربي المعاصر، القناع، التوليف، الأصول»، عبدالرضا علي، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، ط 1، 1995 م، ص  157. 

[60] - الشعر العربي المعاصر،ص212.

[61] ـ الأعمال الكاملة، ص 120.

[62] ـ الشعر العربي المعاصر... ص 299.

[63]. الأعمال الكاملة،  ص 142.

[64]-« الأسطورة  في شعر السياب»، عبدالرضا علي، دار الرائد العربي، بيروت، ط2، 1984م.ص 101.

[65] -Nazeer El –Azma,The Tmmuzi Movement and the influence of  T.S.Eliot on Badr Shakir Al-Syyab,Journal of the American oriental Society,88,5,1968.p672. نقلا من المرجع السابق، ص 101.

[66] - استدعاء الشخصيات التراثية.....، ص212-215.

[67] - الأسطورة في الشعر العربي الحديث،ص305.

[68] -فهو اشتهر بشاعر الوجع عند أنطونيوس،  و درست ظاهرة الحزن في شعره ضمن دراسة  مختصة  من قبل خلف رشيد نعمان.

[69] - «بدر شاكرالسياب، شاعر الوجع»، أنطونيوس بطرس، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس- لبنان، بدون تاريخ، ص8-12.

[70]- الأسطورة في الشعر العربي الحديث، ص287.و «لغة الشعرالعراقي المعاصر»، عمران خضيرحميد الكبيسي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط1، 1982م،ص256،254.

[71] - الأعمال الكاملة، ص224.

[72] - الرمز والرمزية في الشعر العربي المعاصر، ص293-298.