الملف: PDF icon financial_10.pdf

    الموازنة العامة

          سبق وان تناولنا النفقات العامة والايرادات العامة كلاً على حده، أما الآن فسنتطرق الى المزج بينهما في إطار الأداة الثالثة من أدوات المالية العامة ألا وهي الموازنة العامة والتي تتضمن كل من هاتين الأداتين (النفقات والإيرادات). والموازنة العامة هي ليست أداة محاسبية وإنما هي أداة مهمة تستخدم لتحقيق العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.

    في ظل الفكر الكلاسيكي، الموازنة العامة يجب أن تكون في حالة توازن والكلاسيك كانوا لا يقبلون بغير ذلك. لكن الآن وفي ظل الفكر المالي الحديث لم يعد بالضرورة أن يكون هناك توازن في الموازنة العامة بل قد تخلق بعض الدول عجزاً ماليا متعمداً في الموازنة عندما تكون النفقات العامة أعلى من الإيرادات العامة. وفي بعض الاحيان تقوم بعض الدول بخلق فائض مالي في الموازنة العامة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية معينة. فالموازنة العامة في ظل الفكر الحديث أصبحت تشكل أداة رئيسية من أدوات المالية العامة يمكن استخدامها لتحقيق أهداف اقتصادية معينة مثل معالجة البطالة والحد من التضخم.

      الموازنة العامة : هي خطة تتضمن تقدير نفقات الدولة وإيراداتها خلال فترة قادمة غالباً ما تكون سنة، ويتم هذا التقدير في ظل الأهداف التي تسعى إليها السلطة السياسية.

           وبناءً على ذلك يمكن تحديد السمات (الخصائص) الآتية للموازنة العامة:

  1. الموازنة العامة توقع.
  2.  الموازنة العامة إجازة.

 

  1. الموازنة العامة توقع: إن الموازنة العامة هي خطة وبالتالي فإنها عبارة عن بيانات مفصلة لكل من النفقات العامة والإيرادات العامة والجهة التي تقوم بتخطيط هذه الأرقام والتوقعات هي عادة السلطة التنفيذية، ويمكن الخروج بتصور عن برنامج عمل الحكومة من خلال إلقاء نظرة على مشروع الموازنة العامة والذي يعكس السياسة الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك، التي تتبناها السلطة التنفيذية.
  2.  الموازنة العامة إجازة: عادة لا تستطيع السلطة التنفيذية المباشرة بتنفيذ كل من فقرتي النفقات العامة والإيرادات العامة أي تنفيذ الموازنة العامة إلا بعد أخذ الموافقة من السلطة التشريعية التي تجيز لها ذلك من خلال إصدار قانون الموازنة العامة. وقد مر ذلك بتطورات تاريخية، فسابقاً كانت السلطة التشريعية مسؤولة فقط عن موضوع فرض الضرائب ثم تطور الأمر ليصل الى قيام هذه السلطة بالمراقبة والإشراف على تنفيذ هذه الضرائب وأخيراً وصل الأمر الى ما هو عليه الآن والمتمثل بإجازة السلطة التشريعية لكل تفاصيل الموازنة العامة بجانبيها النفقات والإيرادات. إن الفقرة الأساس التي تنتظر السلطة التنفيذية إجازتها تتمثل بالنفقات العامة وذلك لأن موضوع الإيرادات العامة محسوم سلفاً من خلال القوانين سارية المفعول.

 يحصل في بعض الأحيان أن السلطة التنفيذية تلاحظ حاجتها الى المزيد من الإيرادات فترفع توصية الى السلطة التشريعية لاستحصال موافقة على فرض ضرائب جديدة أو زيادة أسعار ضرائب قائمة وهذا ما يعرف عادة ب ملحقات الموازنة العامة والتي تناقش من قبل السلطة التشريعية الى جانب قانون الموازنة. إن أمر مناقشة وإقرار ملحقات الموازنة يشكل بالنسبة للسلطة التنفيذية حالة إيجابية لأنها تحصل على إيرادات إضافية وبسرعة في حين أن هذا الأمر يشكل حالة سلبية للسلطة التشريعية وذلك لأن مناقشة هذا الموضوع يكون عادة على عجل ولا يتهيأ الوقت الكافي له بسبب تزامنه مع انشغال البرلمان بموضوع إقرار الموازنة العامة.

 

الطبيعة المالية والقانونية للموازنة العامة:

# الطبيعة المالية للموازنة العامة: لإعداد الموازنة العامة من حيث الجانب المالي، تقوم أولاً السلطة التنفيذية بتقدير الخدمات الواجب تقديمها خلال الفترة القادمة والتي غالباً ما تكون سنة واحدة ثم بعد ذلك يجري تقدير للنفقات العامة اللازمة لتغطية هذه الخدمات ثم بعد ذلك يجري تقدير للإيرادات العامة اللازمة لتمويل هذه النفقات وعلى هذا الأساس يجري وضع البيانات التفصيلية لكل من جانبي الموازنة العامة (النفقات العامة والإيرادات العامة) أما الفترة الزمنية التي يجري تحديد هذه البيانات لها فعادة ما تكون سنة كاملة تسمى بالسنة المالية ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه السنة تقويمية .

# الطبيعة القانونية للموازنة العامة: يمكن أن ننظر الى الطبيعة القانونية للموازنة العامة من خلال :

  1. مشروع الموازنة العامة: ويعد عملاً إدارياً من الناحية الشكلية والموضوعية.
  2. قانون الموازنة العامة: ويعد عملاً قانونياً من الناحية الشكلية وعملاً إدارياً من الناحية الموضوعية.
  3. ملحقات الموازنة العامة: وتعد عملاً قانونياً من الناحية الشكلية والموضوعية. 

 

  1. مشروع الموازنة العامة: إن الجهة التي تقوم بإعداد البيانات التفصيلية عن النفقات والإيرادات هي السلطة التنفيذية والتي تقدم مشروع الموازنة العامة. وهذا يعتبر من الاعمال الادارية من الناحية الشكلية، كذلك فإن إعداد الموازنة العامة يقوم على قرارات إدارية تستند على قوانين سارية المفعول وعليه يمكن وصف الموازنة هنا بأنها عمل إداري من الناحية الموضوعية أيضا.
  2. قانون الموازنة العامة: سبق وأن ذكرنا أن السلطة التنفيذية لا يمكنها تنفيذ ما ورد في مشروع الموازنة العامة إلا بعد إجازة ذلك المشروع من السلطة التشريعية وهذا ما يعرف بقانون الموازنة العامة، وعليه يمكن وصف هذا القانون بأنه عمل قانوني من الناحية الشكلية، أما من الناحية الموضوعية فيعد عملاً إدارياً لان السلطة التنفيذية هنا تستند على قرارات ادارية مبنية على قوانين سارية المفعول في مسألة تنفيذ الموازنة العامة .
  3. التشريعات الملحقة بالموازنة: وتسمى اختصارا ملحقات الموازنة العامة، فعلى سبيل المثال يمكن للسلطة التنفيذية أن تطلب من السلطة التشريعية إصدار قانون لفرض ضريبة معينة وعليه يعتبر ذلك عملاً قانونياً من الناحية الشكلية وعلى السلطة التنفيذية أن تلتزم بصورة كاملة بما ورد في هذا القانون الأمر الذي يعد عملاً قانونياً أيضاً من الناحية الموضوعية .

أهمية الموازنة العامة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية:

     أولاً: أهمية الموازنة العامة من الناحية السياسية: في الدول ذات النهج الديمقراطي تقوم السلطة التنفيذية بإعداد مشروع الموازنة العامة والذي يعرض على السلطة التشريعية أو البرلمان ليقوم هذا الأخير بمناقشته تفصيلياً، ومن حق البرلمان هنا أن يرفض مشروع الموازنة بصورة كاملة أو إجراء التعديلات عليه وعندما يصدر قانون الموازنة العامة يمكن للبرلمان القيام بعملية الإشراف أو الرقابة على تنفيذ فقرات الموازنة العامة للتأكد من تطابقها وانسجامها مع قانون الموازنة العامة . أما في الأنظمة الدكتاتورية فتكون عادة الأرجحية للسلطة التنفيذية وبالتالي يكون عرض الموازنة العامة على البرلمان مسألة شكلية ليس إلا، وبالتالي يمكن للسلطة التنفيذية أن تنفذ كل ما تريده في إطار ما قامت بإعداده في مشروع الموازنة العامة بل وحتى التجاوز عليه في بعض الأحيان .

     ثانياً: أهمية الموازنة العامة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية: يمكن من خلال الموازنة العامة أيضاً تحقيق جملة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية ومن أبرز هذه الأهداف :

  1. إعادة توزيع الدخل القومي: وذلك عن طريق فرض الضرائب على ذوي الدخل المرتفع وتقديمها على شكل إعانات الى ذوي الدخل المحدود .
  2. تعبئة الموارد الاقتصادية: ويتم ذلك عن طريق زيادة التخصيصات لتشغيل الموارد الاقتصادية غير المستغلة أو العاطلة، الأمر الذي ينعكس إيجابياً على مجمل الاقتصاد القومي .
  3. معالجة التضخم وارتفاع المستوى العام للأسعار: وذلك عن طريق زيادة بعض الإيرادات الحكومية مثل الضرائب لامتصاص السيولة النقدية مع تقليص النفقات العامة في الوقت نفسه للحد من الطلب الذي يولد التضخم.
  4. مكافحة البطالة: وذلك عن طريق زيادة التخصيصات في الموازنة العامة وبما يؤدي الى إنشاء المشاريع الكفيلة بتشغيل العاطلين عن العمل.
  5. رفع المستوى المعاشي للمجتمع: وذلك عن طريق زيادة فقرة المرتبات والاجور.

 

  • دور الموازنة العامة:

          1 - دور الموازنة العامة في النظرية التقليدية: لقد سبق وان قلنا أن الدولة في ظل الفكر الكلاسيكي هي دولة حارسة تعنى أساساً بتوفير الأمن الداخلي وحماية الحدود من الاعتداء الخارجي وتحقيق العدل، وعلى هذا الأساس فإن الدولة في ظل الفكر الكلاسيكي هي دولة حيادية بمعنى إنها لا تتدخل في النشاط  الاقتصادي والاجتماعي . وبما إن وظائف الدولة محدودة النطاق، إذن فإن النفقات اللازمة لتغطية هذه الوظائف تكون متواضعة، أما الإيرادات فهي تجمع عادةً على قدر تمويل النفقات العامة ومن هذا نستنتج أمرين: أولهما: أن الإيرادات العامة ستكون متواضعة أيضاً. وثانيهما: أن الإيرادات تكون مساوية للنفقات العامة. وهذا يعني أن الموازنة العامة تكون متوازنة. وهكذا يؤمن الكلاسيك بالتوازن الحسابي للموازنة العامة ويعتبرونه أمراً أساسياً، فهم يرفضون مسألة وجود فائض في الموازنة العامة لأن هذا يعني جمع إيرادات إضافية وتحميل الأفراد أعباء ضريبية أعلى الأمر الذي يكون على حساب الاستثمار الخاص ويرفض الكلاسيك أيضاً مسألة وجود عجز في الموازنة العامة.

          2 – دور الموازنة العامة في المالية الحديثة: لقد أسهمت العديد من العوامل في خروج الدولة عن حيادها ومن ثم تدخلها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، ومن هذه العوامل أزمة الثلاثينيات وما أتى به (كينز) من ضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتطور الاشتراكية خلال القرن العشرين فكراً و واقعاً من خلال التجربة السوفيتية المبنية بالدرجة الأساس على سيادة الملكية العامة أو الاجتماعية على حساب الملكية الخاصة والأمر الآخر الذي زاد من تدخل الدولة هو ما حصل في الحرب العالمية الأولى حيث قامت الكثير من الدول بالسيطرة على الأنشطة الاقتصادية بدلاً من القطاع الخاص . إذن الدولة لم تعد حيادية بل أصبحت متدخلة، والمالية أيضاً لم تعد حيادية بل أصبحت تعرف بالمالية المعوضة أو الوظيفية دلالة على المهمات الجديدة التي باتت تقوم بها. لكل ذلك أصبحت الموازنة العامة متضخمة وذلك لسببين أساسيين:

  1. قيام الدولة بالعديد من الأنشطة والوظائف التي لم تكن في السابق تقوم بها.
  2. حتى في ظل بقاء الدولة على نفس الأنشطة السابقة فإن الموازنة كانت ستتضخم أيضاً بسبب توسع هذه الوظائف (الأمن – الدفاع – العدل).

          كذلك لم يعد الأساس في المالية العامة الحديثة هو وجود التوازن الحسابي في الموازنة العامة إذ أن الهدف الرئيس أصبح التوازن على مستوى الاقتصاد القومي ككل وعلى هذا الأساس من الممكن أن يكون هناك اختلال في الموازنة لتحقيق أهداف اقتصادية معينة فمن الممكن وجود فائض في الموازنة أو عجز فيها لمعالجة أزمة اقتصادية معينة للحد من التضخم أو محاربة البطالة أو إعادة توزيع الدخل.

أسئلة للمراجعة:

س1/ عرف الموازنة العامة، واكتب عن أبرز خصائصها.

س2/ تشكل ملحقات الموازنة العامة حالة إيجابية بالنسبة للسلطة التنفيذية وحالة سلبية بالنسبة للسلطة التشريعية. علل ذلك

س3/ ابحث في الطبيعة القانونية للموازنة العامة.

س4/ يعد قانون الموازنة العامة عملا قانونيا من الناحية الشكلية وعملا إداريا من الناحية الموضوعية. علل ذلك

س5/ هناك العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن تحقيقها عن طريق الموازنة العامة. ناقش ذلك